تغيير حجم الخط     

دبابات الزيدي تتوقف عند “الآباء”.. وفي 30 أيلول الدولة كلها تُختبر! ماذا حدث بعد رحلتي واشنطن وطهران؟

مشاركة » الاثنين يوليو 27, 2026 2:54 am

1.png
 
بغداد / تميم الحسن

بدأ علي الزيدي، رئيس الحكومة، حملته لمكافحة الفساد بطريقة أراد لها أن تكون صادمة. دبابات داخل المنطقة الخضراء، ووعود بملاحقة الفاسدين مهما علت مواقعهم، وكلام صريح عن غياب الخطوط الحمراء.
لكن بعد نحو شهر على ذلك العرض المدهش، يبدو أن الحملة اصطدمت بحدود لم تكن في حسابات رئيس الحكومة.
تقول مصادر مطلعة إن الزيدي كان يريد أن يذهب بالحملة إلى نهايتها، وأن يفتح، للمرة الأولى، ملفات رؤساء حكومات سابقين، وربما يضع أحدهم خلف القضبان.
غير أن اتفاقاً غير مكتوب، بحسب المصادر، يمنع الوصول إلى هذه المنطقة، ويضع رؤساء الحكومات السابقين والقيادات العليا وما يسمى بـ”آباء العملية السياسية” خارج دائرة الملاحقة.
وهنا، كما تقول المصادر، بدأت أحلام الزيدي، أو ما بات يعرف داخل التحالف الشيعي بـ”أحلام الزيدي”، تصطدم بالواقع.
فالرجل، بحسب المصادر ذاتها، بات يواجه خطرين متوازيين: خطر الاغتيال، وهو ما ألمح إليه مكتبه، وخطر إسقاط حكومته أو دفعه إلى الاستقالة إذا واصل الاقتراب من “الخطوط الحمراء”.
“لا خطوط حمراء” ثم ظهر الاتفاق غير المكتوب
تنقل مصادر مطلعة جانباً من نقاشات غير منشورة بين القوى السياسية، وخصوصاً داخل “الإطار التنسيقي”، حول ما جرى خلال الشهرين الأخيرين، منذ تسلم الزيدي رئاسة الوزراء.
وتقول المصادر إن الزيدي دخل المعركة وهو يعتقد، استناداً إلى ما كان يعلنه “الإطار التنسيقي”، أن مكافحة الفساد لن تتوقف عند حاجز، وأنها قد تصل إلى شخصيات لم يكن أحد يتوقع أن تطالها يد الاعتقال.
ولم يكن رئيس الحكومة يخفي هذا التوجه، فما تزال منصات إلكترونية وإعلامية تعيد، بشكل شبه يومي، مقطعاً من إحدى جلسات مجلس الوزراء خلال تموز الحالي، حين قال الزيدي: “ما عندنا خطوط حمراء ولا صفراء أمام أي فاسد”. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، بحسب المصادر.
فبحسب المصادر، سمع الزيدي عن اتفاق غير مكتوب يمنع فتح ملفات رؤساء الحكومات السابقة، أو القيادات العليا، أو ما يسمى بـ”آباء العملية السياسية”. وكان ذلك، وفق المصادر، كافياً لإحباط رئيس الوزراء.
وأُبلغ الزيدي، بحسب المصادر، بأن تبقى حملته في محيط وزارة النفط، حيث تتركز أبرز الاعتقالات والأموال المقبوضة حتى الآن، ولا سيما في ملفي وكيلي النفط عدنان الجميلي وعلي معارج.
كان ينتظر الفوز في واشنطن فجاءت طهران
قبل ذلك، كانت التوقعات تشير إلى أن الزيدي سيعود من واشنطن أكثر قوة، وأنه سيشدد قبضته على حملة ملاحقة الفساد.
بل إن مسؤولاً سابقاً تحدث عن احتمال وصول الحملة إلى مستويات سياسية رفيعة، وربما إلى رؤساء حكومات سابقين.
لكن الرحلة الثانية إلى إيران بدت، وفق ما تصفه مصادر داخل المجموعة الشيعية، وكأنها كسرت “أحلام الزيدي”.
ويقول إحسان الشمري، أستاذ السياسات الدولية والاستراتيجية في جامعة بغداد، إن حملة مكافحة الفساد “تباطأت بشكل كبير بعد زيارتي واشنطن وإيران”.
ويرجح أن تكون أسباب التباطؤ داخلية أكثر منها خارجية. ويوضح أن “هذه الكوابح الداخلية مرتبطة بإرادات سياسية باتت تستشعر خطراً من أن استكمال الزيدي لحملة مكافحة الفساد سيطال، بما لا يقبل الشك، قيادات من المستوى الأول، وهو ما قد يؤدي إلى فرط التحالفات وإعادة تشكيل موازين القوى، وهذا ما لا تسمح به القيادات التقليدية”.
الجميلي وحده في مرمى الحملة!
ويضيف الشمري أن حملة مكافحة الفساد “تباطأت بشكل كبير جداً”، بعدما انحصرت، بحسب رأيه، في ملف وكيل وزير النفط عدنان الجميلي.
ويؤكد أن “الفساد لا يمكن اختزاله بالجميلي”، بالنظر إلى سنوات طويلة شهدت اتهامات واسعة بالفساد طالت حكومات سابقة.
ويرى الشمري أن استمرار التركيز على الجميلي بمعزل عن بقية الملفات “يبين أن هناك مؤشرات إلى تراجع في هذه الحملة”، مرجحاً أن تكون الولايات المتحدة مشجعة لجهود مكافحة الفساد، على اعتبار أن هذه العملية قد تطال جهات تساعد إيران على الالتفاف على العقوبات أو حتى الحصول على الدولار.
ويعتقد محللون أن الحملة باتت جزءاً من معركة أوسع لتقليص النفوذ الإيراني، خصوصاً مع تداخل الأموال وشبكات المصالح مع جهات مرتبطة بالحرس الثوري.
“الإطار” يطلب ملاحقة الجميع، لكن من يقصد بالجميع؟
في المقابل، تتهم أطراف في “الإطار التنسيقي” الحكومة بأنها تستهدف جهة سياسية بعينها في ملاحقة الفساد، فيما تترك ملفات أخرى أكثر خطورة.
ويبدو أن هذه المخاوف كانت حاضرة في الاجتماع الأخير لـ”الإطار” الأسبوع الماضي، الذي دعا إلى شمول جميع المتورطين، أياً كانت انتماءاتهم، لضمان سلامة حملة مكافحة الفساد.
وأكد “الإطار” أنه لن يحمي أي مسؤول تثبت إدانته.
لكن الرسالة بدت مرتبطة، على نحو خاص، بالجدل الذي يلاحق أحمد الأسدي، القيادي في التحالف الشيعي.
وكان عامر الفايز، القيادي في “الإطار”، قد تراجع عن تصريحات مثيرة بشأن الأسدي وحسين مؤنس، بعدما تحدث عن كونهما هاربين ومطلوبين.
وجاء التراجع بعد رسالة صوتية للأسدي قال فيها إنه لم تصدر بحقه مذكرة اعتقال، وإنه موجود خارج البلاد للعلاج.
حين دخلت الدبابات المنطقة الخضراء
وفي 28 حزيران الماضي، قدم الزيدي عرضاً أذهل العراقيين حين نشر دبابات داخل المنطقة الخضراء، ضمن حملة لمكافحة الفساد يُفترض أن تلاحق متورطين، بعضهم على صلة بالحرس الثوري الإيراني.
كان المشهد يحمل رسالة واضحة بأن الحكومة تريد أن تقول إنها مستعدة للذهاب بعيداً.
وبحسب تسوية جرت في الشهر نفسه بين الزيدي وتوم باراك، مبعوث الرئيس دونالد ترامب إلى العراق، كان يفترض أن يبدأ الزيدي إجراءات لتقليل نفوذ إيران عبر مساري تفكيك الفصائل وتجفيف منابع التمويل، مقابل إطلاق استثمارات أمريكية.
لكن ما بدأ في بغداد لم يجد الطريق نفسه في طهران، حيث أُغلقت أبواب الملفات الثقيلة، ولم يظهر أن رئيس الوزراء حصل على ما كان يريد.
طهران، وفق المصادر، نظرت إلى الزيدي بحذر بسبب علاقته الجديدة مع ترامب، وكانت قد انتقدت في وقت سابق زيارته إلى واشنطن.
وبحسب المصادر، مُنع الزيدي من الحديث عن الأسلحة الثقيلة ووقف الهجمات على كردستان.
وفي الوقت نفسه، كان مطلوبون، بحسب المصادر، على بعد كيلومترات فقط من مقر الحكومة في طهران.
الفصائل لا تهتم بالمهلة والزيدي يقترب من “الفخ”
في الداخل، يرفض “الإطار التنسيقي”، وفق تسريبات، أن يواجه الفصائل التي لا تبدو مهتمة بمهلة 30 أيلول التي حددها الزيدي موعداً أخيراً لتسليم السلاح مقابل انسحاب قوات التحالف.
لكن الجماعات المسلحة تعتبر هذه المهلة “فخاً”. ومع اقتراب الموعد، يبدو أن الزيدي يدخل اختباراً أكثر خطورة من اختبار الفساد.
فإذا لم تنفذ الفصائل ما طلبته الحكومة، فسيكون على رئيس الوزراء أن يقرر: هل يواجهها أم يتراجع؟
ويقول المسؤول السابق: “في الحالتين، ستكون الكلفة كبيرة”.
بعد 30 أيلول من يسقط أولاً: الحكومة أم السلاح؟
ويضيف: “قد يكون الاختبار القاسي للزيدي بعد هذه المهلة، في أواخر العام الحالي. هناك من يتحدث عن احتمال إسقاط حكومته أو دفعه إلى الاستقالة”.
وهناك أيضاً تقارير استخبارية وتنبؤات تحذر من خطر الاغتيال، بينها ما قاله مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري، عن احتمال تعرض الزيدي للاغتيال، وهو ما ألمح مكتب رئيس الوزراء إلى أن خطره موجود فعلاً.
ويقول إحسان الشمري، الذي يرأس أيضاً مركز التفكير السياسي: “في النهاية، إيران تنظر بقلق إلى خطوات الزيدي، سواء على مستوى مكافحة الفساد أو حتى نزع السلاح. رغم أن الزيدي ألزم نفسه بموعد 30 أيلول، لكن إلى الآن لا مؤشرات. يفصلنا نحو 60 يوماً، ولا توجد مؤشرات إلى الفصائل التي رفضت، ولا مؤشرات إلى توافق بين الحكومة أو مع أي جهات”.
ويضيف: “لذلك يبدو أن هذه الخطوة ستكون محطة اختبار في 30 أيلول القادم، ليس فقط للزيدي، وإنما الدولة كلها ستُختبر في هذا التاريخ”.
لكن المشكلة، في رأي الشمري، لا تتعلق بموعد فقط.
ويقول: “من وجهة نظري، طالما أن هناك احتمالية كبيرة لعودة الحرب الإقليمية، فمن الصعوبة على الزيدي تفكيك منظومة الفصائل، سواء على مستوى السلاح أو التمكين الاقتصادي أو حتى الارتباط بإيران، على اعتبار أنهم متمسكون بهذه المنظومة لأنها ذات بناء عقائدي. لذلك من الصعوبة الوصول إلى تفاهمات، إلا باختيار لحظة قرار قد يكون مختلفاً عن الحكومات السابقة”.
ويختم قائلاً: “لذلك لا مؤشرات تقدم، بحسب وجهة نظري، في مكافحة الفساد أو نزع السلاح”.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات