تغيير حجم الخط     

ترامب وجد في إيران خصما لا يمكنه السيطرة عليه.. ويتخبط ولا يعرف ما يفعل

مشاركة » الأربعاء يوليو 15, 2026 11:10 am

لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده مراسل شؤون البيت الأبيض بيتر بيكر، قال فيه إن الرئيس دونالد ترامب تعود على إجار الدول الأخرى على تنفيذ ما يريد، لكنه يواجه صعوبة في وضع استراتيجية لانتزاع تنازلات إيرانية مع انهيار وقف إطلاق النار الذي توسط فيه.

وأضاف بيكر أن الرئيس ترامب طرح في اليوم 136 خطة جديدة وعد فيها بفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز مقابل حمايتها من القوات الإيرانية. وفي اليوم 137، كانت لديه خطة أخرى: لا رسوم.

وعلق بيكر بأن تراجع ترامب المفاجئ يوم الثلاثاء، في مواجهة احتجاجات حلفائه العرب الذين لم يكونوا متحمسين لدفع الرسوم، يعكس مدى التخبط الذي يبدو عليه في إدارة حربه ضد إيران. فما كان من المفترض أن يتحول إلى عملية منظمة قدر أنها ستستغرق من أربعة إلى ستة أسابيع، تحول إلى هذه الحالة ودخل أسبوعه العشرين. ويكتشف ترامب أن الارتجال والاندفاع لا ينفعان.

تراجع ترامب المفاجئ يوم الثلاثاء، في مواجهة احتجاجات حلفائه العرب الذين لم يكونوا متحمسين لدفع الرسوم، يعكس مدى التخبط الذي يبدو عليه في إدارة حربه ضد إيران

فالرئيس الذي جعل استعراض قوته على الساحة الدولية سمة مميزة لولايته الثانية، وجد في إيران خصما لا يرضخ لإرادته حتى الآن، وسط صراع جيوسياسي لا يمكن كسبه عبر منشورات مسيئة على وسائل التواصل الاجتماعي أو التهديدات بفرض رسوم جمركية.

واتضح أن اتفاق طهران الشهر الماضي على وقف القتال لم يكن سوى “مذكرة سوء فهم”. ويبدو أن ترامب يفتقر الآن إلى استراتيجية عسكرية ودبلوماسية واضحة.

ونقلت الصحيفة عن ولي نصر، الأستاذ في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامعة جونز هوبكنز، الذي قدم استشارات لرؤساء ووزراء خارجية حول الشرق الأوسط: “لقد واجه دولة غير مستعدة للالتزام بقواعده، التي تقوم على التملق والتودد إليه، وتريد انتزاع أي تنازل مستعد لتقديمه”.

ومن هنا أصبحت مغامرة ترامب التي لا نهاية لها في الشرق الأوسط درسا جديدا في سبب كون المنطقة مستنقعا للطموحات الرئاسية لأجيال. فأدوات القوة التي تساعد في تعزيز مصالح الولايات المتحدة في أماكن أخرى من العالم لا تجدي نفعا هناك بالضرورة، كما اكتشف العديد من أسلاف ترامب.

وقد كان الأمر محبطا بشكل خاص لترامب، الذي استمتع بتحقيق ما يريد منذ عودته إلى منصبه العام الماضي، بل وتفاخر بأنه قد يكون أقوى رجل في تاريخ العالم.

لكن على الرغم من نجاحه في الضغط على حلفاء الناتو لزيادة الإنفاق العسكري، وانتزاع تنازلات من الشركاء التجاريين، والسيطرة فعليا على فنزويلا بغارة كوماندوز ليلية، فليس من الواضح ما إذا كان بإمكانه تحقيق ما يريده في الصحراء الفارسية.

ونقلت الصحيفة عن سوزان مالوني، نائبة الرئيس ومديرة السياسة الخارجية في معهد بروكينغز: “لقد اعتمد نهج ترامب الحازم تجاه العالم في ولايته الثانية على قليل من الحظ، ومن استعداد بعض الدول الأخرى بين الحين والآخر لتسهيل الخروج من هذا المأزق”. وأضافت: “لم يكن هناك ما يدفعه خلال السنوات السبع والأربعين الماضية للاعتقاد بأن طهران ستسلك هذا المسار”.

وعلق جون هانا، مستشار الأمن القومي السابق لنائب الرئيس ديك تشيني، والباحث البارز حاليا في المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي، والذي أيد في السابق استخدام القوة العسكرية بشكل محدود لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، قائلا إن ترامب، من خلال لجوئه إلى “ضربة قاضية شاملة”، قد استهان بشكل واضح بقوة النظام الإسلامي الذي استولى على السلطة في الثورة الإيرانية عام 1979، وبالغ في تقدير قدرة الولايات المتحدة على إسقاطه.

ترامب استهان بشكل واضح بقوة النظام الإسلامي الذي استولى على السلطة في الثورة الإيرانية عام 1979، وبالغ في تقدير قدرة الولايات المتحدة على إسقاطه

وقال هانا: “بالنظر إلى الماضي، كانت هذه حربا مبنية بوضوح على افتراضات خاطئة بشكل قاتل”، و”لا شيء أشد ضررا من قناعة الرئيس الواضحة بأن النظام الثوري الإيراني مجرد بيت من ورق على وشك الانهيار تحت وابل من الغارات الجوية الأمريكية ومنشورات “تروث سوشيال” العدائية”، و”مما زاد من الأخطاء أنه لم يكن هناك جهاز أمن قومي صارم حول الرئيس مستعد لمواجهة السلطة بقول الحقيقة وإخضاع افتراضاته الخاطئة لتساؤلات منهجية تستند إلى معرفة وخبرة خبراء حقيقيين في السياسة الخارجية والدفاع والاستخبارات”.

ولم يكن وقف إطلاق النار، الذي انهار الآن وسط غارات ليلية، اتفاقا شاملا بالمعنى الحقيقي. وكان من المفترض أن يكون حلا مؤقتا تسكت فيه المدافع لمدة 60 يوما حتى يتمكن الطرفان من التفاوض بشأن الخلافات الشائكة، ولا سيما مستقبل البرنامج النووي الإيراني. وإذا لم يدم اتفاق مؤقت، فمن الصعب تصور كيف يمكن للطرفين التوصل إلى اتفاق دائم يتطلب تنازلات مؤلمة.

ويقول بيكر إن ترامب، على ما يبدو، متردد في كيفية المضي قدما، فقد عاد إلى القوة العسكرية وأمر باستئناف الحصار البحري في مضيق هرمز، وهدد بتوجيه ضربة قوية إلى جبل بيكاكس، وهو موقع محصن بالقرب من أحد أهم المنشآت النووية الإيرانية. ولكن مع معارضة الرأي العام للحرب، لم يبد أي مؤشر يذكر على استعداده لاستئناف القصف الشامل الذي ميز بداية الحرب.

وفي الوقت نفسه، ألمح إلى إمكانية إجراء مفاوضات أخرى، لكنه لم يوضح كيف يمكن للمحادثات التي فشلت سابقا أن تنجح الآن. بل إنه أبدى تشككا عميقا في إمكانية نجاحها، مع أن ذلك قد يكون مجرد وسيلة لخفض سقف التوقعات. وعلى ما يبدو، يؤمن ترامب بأنه قادر على الصمود أمام الإيرانيين نظرا إلى حالة اقتصادهم المتردية، بينما يعتقد الإيرانيون أنهم قادرون على الصمود أمامه بسبب ضغوط أسعار الغاز قبيل انتخابات التجديد النصفي في أمريكا.

وعلق آرون ديفيد ميلر، مفاوض السلام السابق في الشرق الأوسط، الذي عمل مع إدارات الحزبين ويعمل حاليا في وقفية كارنيغي للسلام العالمي: “ترامب في مأزق، ويواجه خصما شرسا وعنيدا، أهدافه هي الحفاظ على النفوذ على المضيق ورغبته المتجددة في الهيمنة على الخليج بشكل يبقيه رهينة”. وأضاف: “لقد شوهت إيران إرث رئيس واحد”، في إشارة إلى جيمي كارتر وأزمة الرهائن بين عامي 1979 و1981. “وبالنظر إلى الوضع الحالي، ومع تقدم الوقت لصالح إيران وليس ترامب، فمن الممكن جدا أن يشوه أو يدمر إرث رئيس آخر”.

وقد رفض خبراء آخرون في السياسة الخارجية هذا التشبيه، وحذروا من المبالغة في تقدير تأثير الحرب على إيران على رئاسة ترامب.

وقال إليوت أبرامز، مسؤول الأمن القومي في إدارات جمهورية متعددة، بما في ذلك ولاية ترامب الأولى: “لا أعتقد أن إيران قد قضت على أجندة ترامب، وهي أجندة واسعة النطاق. طالما أن الأمريكيين لا يموتون، ستظل إيران قضية ثانوية بالنسبة لمعظم الأمريكيين”. وأضاف أن تحديات السياسة الخارجية الأخرى، مثل أوكرانيا وكوبا والصين، “لا تعتمد على إيران”، لذا يجب على الجميع “وضع إيران في سياقها الصحيح”.

وأشار أبرامز إلى أن الديمقراطيين يبدون على خلاف متزايد فيما بينهم بشأن إسرائيل والفلسطينيين، وهو انقسام لعب دورا رئيسيا في بعض الانتخابات التمهيدية للكونغرس هذا الموسم. وقال: “إن الديمقراطيين هم من يواجهون خطر انشغالهم بقضية الشرق الأوسط، وتحديدا إسرائيل، التي ستطغى على أجندتهم”.

ومع ذلك، كشف التراجع المفاجئ عن موقفه بشأن رسوم المرور مدى انشغال ترامب هذه الأيام. فبإعلانه يوم الاثنين فرض رسوم بنسبة 20% على البضائع لحماية الملاحة في مضيق هرمز، تناقض مع موقف إدارته السابق الذي اعتبر فرض الرسوم انتهاكا غير مقبول للقانون الدولي. كما أن قراره بإلغاء الرسوم يوم الثلاثاء، بعد اتصالات من قادة الخليج القلقين، أوضح أنه لم يكلف نفسه عناء استشارتهم قبل إعلان الرسوم الجديدة، أو أنه تجاهل مخاوفهم. وقد برر هذا التغيير بتفسير غير مقنع، وإن كان يحفظ ماء الوجه، مفاده أن قادة الخليج وعدوا بـ”اتفاقيات تجارية واستثمارية” بدلا من ذلك، مع أنه لم يحدد طبيعة هذه الاستثمارات، ولم يقدم أي تفاصيل أخرى تشير إلى أي التزامات ملموسة.

وقال ترامب للصحافيين: “سيقومون باستثمارات ضخمة في الولايات المتحدة، وهذا ما أفضله أكثر”. وأضاف، بعد يوم من وصفه الأمر بأنه “مسألة عدالة” بسيطة: “لا أحب فكرة الرسوم”.

ولم يكن هذا التناقض الوحيد في الأيام الأخيرة. فعندما أبرم ترامب اتفاق وقف إطلاق النار الشهر الماضي، أشاد بالمفاوضين الإيرانيين، قائلا: “نتعامل مع أناس أعتقد أنهم عقلانيون للغاية. كان التعامل معهم ممتعا. كانوا أناسا أقوياء وأذكياء”. وبحلول الأسبوع الماضي، كان قد غير رأيه واشتكى قائلا: “إنهم حثالة”، و”مرضى. يقودهم مرضى”. وعندما سئل عما تغير في غضون ثلاثة أسابيع فقط، قال ترامب: “لقد تعرفت عليهم”. وهو ما يثير التساؤل، بالطبع، عن سبب جهله بمن يتعامل معهم في المقام الأول.

ويقول عباس ميلاني، مدير الدراسات الإيرانية في جامعة ستانفورد والباحث في معهد هوفر المحافظ: “لا أعتقد أن لديه استراتيجية بشأن إيران”، و”هذه هي المشكلة الأساسية، فهو يتعامل مع هذه الأمور بشكل غريزي، وبهدفين متناقضين. فمن جهة، يكرر: “نريد عقد صفقة معكم وجعل إيران اقتصادا مزدهرا”. ومن جهة أخرى، يقول: “سأمحو حضارتكم”.

وأضاف ميلاني أنه يتفق مع ترامب في أن إيران ترغب بالفعل في اتفاق سلام، بل إنه يعتقد أنها “متلهفة” لأن اقتصادها ينهار. لكنه انتقد الرئيس لإرساله مفاوضين غير ملمين بشؤون المنطقة ولا يفهمون تاريخها المعقد وتفاصيله. وقال ميلاني: “لا أعتقد أنه فهم طبيعة هذا النظام حقا”.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات