لندن- “القدس العربي”: تساءلت مجلة “إيكونوميست” في تقرير لها عن جدية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إلغاء اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، مضيفة أن قادة إيران المتشددين ربما رحبوا بهذا القرار المتعجل.
وبدأت المجلة بالإشارة إلى الجنازة الحاشدة التي نظمتها إيران لمرشدها السابق آية الله علي خامنئي، حيث شيعت جنازته في طهران وقم والنجف وكربلاء في العراق، قبل أن يوارى الثرى في مدينة مشهد. وقالت إن الجنازة لم تكن مجرد رثاء تقليدي لرجل دين شيعي قتل، “بل كانت أشبه بمسيرة نصر واستعراض للقوة ودعوة لمواجهة جديدة مع أمريكا”.
الجنازة لم تكن مجرد رثاء تقليدي لرجل دين شيعي قتل، بل كانت أشبه بمسيرة نصر واستعراض للقوة ودعوة لمواجهة جديدة مع أمريكا
فعلى مدى ستة أيام، أحيا الإيرانيون ذكرى آية الله علي خامنئي بهتافات “الموت لأمريكا”. ورفرفت أعلام الانتقام الحمراء فوق الحشود، ورشق المشيعون صور دونالد ترامب بالحجارة، وعلقوا دمى تمثل الرئيس الأمريكي. ثم، في اليومين الثالث والرابع من الحداد، شن الحرس الثوري الإسلامي، نخبة قوات النظام، هجمات بطائرات مسيرة على ثلاث ناقلات نفط زعموا أنها تجاهلت مسارها المحدد عبر مضيق هرمز.
وتساءلت المجلة قائلة إنه إذا كان الجنرالات يقصدون استفزاز ترامب، فقد نجحوا على ما يبدو.
ففي 8 تموز/يوليو، أمر الرئيس الأمريكي بشن ضربات على إيران، وهدد بالمزيد، وألغى الإعفاء من العقوبات التي كانت تغطي صادرات النفط الإيرانية. ووصف حكام إيران بـ”الحثالة” في قمة الناتو بأنقرة، قائلا: “إن التعامل معهم مضيعة للوقت”. وربما، كما أشار الرئيس، يمكن لأمريكا الاستغناء عن الاتفاق والاكتفاء بضرب إيران “بقوة” مرة أخرى.
وتضيف المجلة أن كلام ترامب قد يكون مجرد تهديد، فلا يزال من المتوقع أن يستأنف المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون محادثاتهم في 11 تموز/يوليو في إسلام آباد، للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن البرنامج النووي. لكن يبدو أن كلا الجانبين في مزاج عدائي. فالقيادة التي برزت في إيران منذ وفاة خامنئي تبدو أكثر حرصا على إظهار القوة، وإرهاق ترامب، والتفاوض عبر الضغط العسكري، بدلا من الدبلوماسية. وردت إيران على 80 ضربة أمريكية بما زعمت أنه 85 هجوما على مواقع عسكرية في البحرين والكويت. وهدد ترامب بشن المزيد من الهجمات على منشآت المياه. وقفز سعر النفط قليلا إلى 78 دولارا للبرميل، وانخفض الريال الإيراني، وتوقع المراقبون مجددا أن إيران قادرة على تحمل ضغوط اقتصادية أكبر من الاقتصاد العالمي. وكتب كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف: “لن نستسلم”.
وقالت المجلة إن الجنازة تقدم لمحة مبكرة عن النظام الجديد الذي يحكم إيران، وما يسميه بعض الإيرانيين الآن بالجمهورية الثانية. فقد اختفت الطقوس التقليدية التي رافقت دفن آية الله روح الله الخميني، مؤسس الجمهورية الإسلامية عام 1989، حيث نقل جثمانه على عجل إلى مثواه الأخير، بعد ثلاثة أيام من وفاته، ملفوفا بكفن أبيض بسيط.
في المقابل، أمضى المسؤولون 126 يوما في التحضير لجنازة خامنئي، التي وصفوها بأنها أكبر جنازة رسمية في التاريخ. وسافر نعشه لمدة ستة أيام، لمسافة تزيد عن 2,900 كيلومتر، عبر خمس مدن ودولتين، بما في ذلك العراق. كما كشفت المراسم عن تحول في مركز ثقل النظام، حيث احتل جنرالات الحرس الثوري الذين أداروا الحرب مكانة بارزة. وهيمنت الأعلام الإيرانية على المنصة، وغطت النعوش، ووضعت عمامة خامنئي السوداء، رمز المؤسسة الدينية التي قادها لمدة 37 عاما، بشكل غير ملحوظ تقريبا على النعش. ولم يظهر ابنه وخليفته، مجتبى خامنئي، علنا بعد. وحتى لو ظهر في نهاية المطاف، فقد لا يكون أكثر من مجرد واجهة. فتصريحاته المتلفزة تبدو أقرب إلى الاتصالات العسكرية منها إلى الخطب الدينية. وعلى طول مسار الجنازة، قامت وحدات الحرس والميليشيات العراقية المتحالفة معها بتنظيم الحشود وتوزيع الطعام والماء. وبدا أن حكام إيران لا يدفنون قائدهم الأعلى فحسب، بل يدفنون أيضا النظام الديني الذي كان يرأسه.
اغتيال خامنئي أدى إلى تسريع تحول إيران من دولة دينية إلى دولة قومية طموحة يهيمن عليها العسكريون
وترى المجلة أن اغتيال خامنئي أدى إلى تسريع تحول إيران من دولة دينية إلى دولة قومية طموحة يهيمن عليها العسكريون.
ويبدو أن الحرس الثوري يمارس سلطته دون قيود تذكر، وقد غاب رجال الدين الذين تحدوا نفوذه، بمن فيهم الرئيسان السابقان محمد خاتمي وحسن روحاني، بشكل ملحوظ عن المواكب الجنائزية.
في غضون ذلك، يعزز الجنرالات نفوذهم الإقليمي. فبينما كان رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، يستعد لكبح جماح الميليشيات الموالية لإيران ولأول زيارة رسمية له إلى أمريكا، قاموا بتوجيه موكب جنازة خامنئي عبر المدن العراقية المقدسة، واصطفت الجماعات المسلحة على جانبي الطرق. وجذب توفير وسائل النقل والطعام والإقامة المجانية، إلى جانب التقدير لنجاح إيران في صد هجوم أجنبي، حشودا غفيرة. واليوم، يلعن العديد من العراقيين الذين كانوا يستاءون من التدخل الإيراني، أمريكا وإسرائيل. كما استؤنفت ممارسات إيران الاستفزازية تجاه جيرانها في الخليج. فقد سافرت وفود من السعودية ودول عربية أخرى إلى طهران لتقديم التعازي، على الرغم من تعرضها لآلاف الغارات الإيرانية خلال الحرب، ولم تثمر مبادراتهم.
ففي 7 تموز/يوليو، شنت طائرات مسيرة غارات على البحرين والكويت، واستهدفت ناقلات نفط سعودية وقطرية.
ويشعر المسؤولون الخليجيون بالتردد إزاء تصميم القيادة الجديدة في طهران على السيطرة على مضيق هرمز. وقد أشار أحدهم إلى أن ذلك ينذر بعودة الطموحات الإمبراطورية الفارسية.
وتعتقد المجلة أن قادة إيران الجدد يستفيدون من قوتين، الأولى هي الواقع العسكري، فالضربات الأمريكية الأخيرة تؤكد أن الحرب والمفاوضات لم تفضيا إلى نتيجة. وفي الوقت نفسه، يبدو جيران إيران في الخليج أكثر استعدادا لدعم نهج أمريكي أكثر صرامة. فهم يضغطون على شركائهم في أوروبا والصين لزيادة الضغط على طهران، بينما يسلطون الضوء سرا على عملياتهم السرية السابقة ضد إيران واستعدادهم للتحرك مجددا.
أما الثانية فهي غير مكلفة، فبعد انحسار حشود الجنازات، ستظل إيران تعاني من اقتصاد هش ومعزول. وقد تساعد شبكات التهريب التي تخالف العقوبات في دعم النظام، لكنها لن تساعد عامة الشعب. وربما يعيش 40% من الإيرانيين تحت خط الفقر. لقد اختفى جزء كبير من الطبقة المتوسطة، بينما دمرت الحرب القاعدة الصناعية للبلاد، وتركت الملايين بلا عمل. ويتوق معظم الإيرانيين إلى الانتعاش الاقتصادي ورفع العقوبات، بدلا من إعادة فرض الحصار البحري الأمريكي والمزيد من الحروب.
وفي النهاية، تقول المجلة إن التجديد الوطني سيتطلب نوعا من التوافق مع أعداء إيران، وليس مجرد المزيد من القنابل والخطابات الرنانة.