تغيير حجم الخط     

منظومات تركية لحماية السماء العراقية.. هل يدخل العراق معادلة الصراع بين أنقرة وتل أبيب؟

مشاركة » الأربعاء مايو 13, 2026 12:52 am

5.jpg
 
المدى/ يمان الحسناوي

في لحظة أمنية بالغة الحساسية، ومع تصاعد غير مسبوق في وتيرة الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي طالت العمق العراقي خلال الأشهر الماضية، تتجه بغداد إلى إعادة رسم معادلة حماية أجوائها عبر خيار دفاعي جديد يتمثل بالتعاقد مع تركيا على منظومة دفاع جوي.
خطوة لا تبدو مجرد صفقة تسليح عابرة، بقدر ما تعكس محاولة عاجلة لسد ثغرات أمنية كشفتها الأحداث الأخيرة، وفي الوقت ذاته الدخول في شبكة توازنات إقليمية معقدة تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية، وتفرض على العراق التعامل مع سمائه باعتبارها أحد أكثر ملفات السيادة حساسية في المنطقة.
وأتمّ العراق صفقة لشراء 20 منظومة دفاع جوي من شركات الصناعات الدفاعية التركية المملوكة للدولة، وفق ما أكده نائب رئيس أركان الجيش العراقي للعمليات الفريق الركن سعد حربية، على هامش معرض SAHA 2026 الدفاعي في إسطنبول. ووصف حربية الصفقة بأنها رد مباشر على موجات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ، والتي كشفت هشاشة الدفاعات الجوية العراقية خلال الحرب مع إيران، موضحاً أن الأجواء العراقية كانت “مليئة بالطائرات المسيّرة”، وأن المنظومات الجديدة صُممت لاعتراض المقذوفات التي تستهدف الحقول النفطية والبعثات الدبلوماسية والمواقع الحيوية.
وتحول العراق إلى الساحة الأكثر اشتعالاً في المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران خلال النصف الأول من عام 2026، حيث سُجلت مئات الخروقات الجوية والصاروخية التي استهدفت العمق العراقي من أقصى الشمال إلى الصحراء الغربية.
وكشفت الإحصائيات الميدانية حتى شهر أيار عن استشهاد أكثر من 118 شخصاً وإصابة المئات، أغلبهم من منتسبي القوات الأمنية والحشد الشعبي بالإضافة إلى مدنيين، فيما شهد إقليم كردستان وحده الكثافة الأعلى بأكثر من 800 هجوم بالمسيّرات والصواريخ الإيرانية استهدفت مقرات وقواعد تضم قوات للتحالف الدولي.
وفي بغداد والأنبار، تعرضت السفارة الأمريكية والقنصلية في أربيل لضربات مباشرة، كان أبرزها سقوط صاروخ داخل مجمع السفارة بالخضراء في مارس الماضي، تزامناً مع غارات جوية أمريكية مكثفة حولت منطقة جرف الصخر إلى منطقة عمليات عسكرية مغلقة.
وتعكس الصفقة تحسنًا ملحوظًا في العلاقات العراقية التركية بعد سنوات من التوتر بسبب وجود تنظيم PKK في إقليم كردستان، إضافة إلى الخلافات المتعلقة بإدارة المياه وصادرات النفط
وفي السياق البرلماني، كشفت لجنة الأمن والدفاع النيابية، عن إبرام صفقة لشراء منظومة دفاع جوي تركية بموافقة القائد العام للقوات المسلحة، مبينة أن قيمة الصفقة التقديرية تبلغ نحو 500 مليون دولار. وقال عضو اللجنة علي السراي لـ(المدى)، إن "المنظومة التركية تعد من المنظومات الحديثة والمتطورة وتمتلك قدرات كبيرة في معالجة الطيران الواطئ والدرون والطائرات المسيّرة"، موضحاً أن "المنظومة الواحدة تضم ثلاثة مدافع رشاشة، ويبلغ مدى المدفع القاتل بين 4 إلى 5 كيلومترات".
وأضاف، أن "الصفقة تم تقسيطها بالاتفاق مع الحكومة التركية وسيتم توزيع المنظومات على المحافظات"، مشيراً إلى أن "المنظومة تحتوي على رادارات للاستكشاف والمتابعة فضلاً عن كاميرات ليلية ونهارية".
وأكد السراي، أن "المنظومة تُعد من المنظومات المهمة لدى القوات التركية كما تمتلكها المملكة العربية السعودية والكويت وعدد من دول الخليج"، لافتاً إلى أنها "تمثل سلاحاً ذا أهمية كبيرة في الوقت الحالي وإن لم تكن سلاحاً استراتيجياً". ويأتي التحرك العراقي نحو أنقرة لحماية اجوائه، في وقت تشهد العلاقات التركية – الإسرائيلية، تدهورا خلال السنوات الثلاث الماضية من مرحلة كانت تقترب من التطبيع الدبلوماسي إلى نقطة يطرح فيها احتمال وقوع مواجهة عسكرية مباشرة.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد اتهم في منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي في 11 أبريل/ نيسان الماضي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بمساعدة "النظام" في إيران و"قتل مواطنيه الأكراد".
وردّ أردوغان في 15 أبريل/ نيسان الماضي في خطاب في البرلمان التركي قائلاً: "من دون أن ينظروا إلى دماء 73 ألف شهيد من غزة التي تلطخت بها أيديهم ووجوههم، يطلقون الاتهامات لبلادنا عبر إخواننا الأكراد بلا خجل".
ويقول خبراء تحدثوا إلى بي بي سي التركية إن خطر المواجهة بين تركيا وإسرائيل "أعلى من أي وقت مضى"، لكنهم يشيرون إلى أن الطرفين ما زالا يحاولان تجنب أي صدام محتمل.
وفي ظل العلاقة المحتدمة بين أنقرة وتل ابيب، يجد العراق نفسه مرة أخرى وسط صراع إقليمي، ففي الوقت الذي يبحث عن تأمين سماءه، قد يكون ضحية لقصف إسرائيلي في حالة اندلاع صراع عسكري مباشر مع تركيا. وبهذا الصدد، كشفت تقارير عبرية عن وصول بغداد إلى مرحلة نهائية من التفاوض مع أنقرة بشأن شراء 20 منظومة دفاع جوي تركية، ضمن صفقة تقدر قيمتها بحوالي 300 مليون دولار.
وقالت مصادر أمنية في تل أبيب إن نشر المنظومات الدفاعية الجديدة قد يفرض على إسرائيل تغيير مسارات مقاتلاتها المتجهة نحو إيران، أو قد يضطرها إلى تدمير المنظومات التركية على أرض العراق. بدوره، اعتبر المختص بالشأن السياسي مجاشع التميمي توقيت التوجه العراقي حساس، في ظل التوترات الإقليمية، ما قد يفتح الباب أمام قراءات سياسية مختلفة للعلاقات العسكرية بين بغداد وأنقرة، لافتاً إلى أن العراق يحاول تقديم هذه الخطوة باعتبارها دفاعية بحتة.
وأضاف التميمي خلال حديثه لـ(المدى) أن توجه العراق لشراء منظومة دفاع جوي تركية يمكن قراءته من زاويتين أساسيتين، الأولى تتعلق بمحاولة معالجة فجوة أمنية متزايدة في حماية الأجواء العراقية، في ظل تكرار خروقات الطائرات المسيّرة والصواريخ، فيما تعكس الثانية محدودية الخيارات المالية والسياسية المتاحة أمام بغداد.
وأوضح التميمي أن “المنظومات التركية أثبتت كفاءة مقبولة في التصدي للطائرات المسيّرة والطيران المنخفض، لكنها لا تُصنف ضمن أنظمة الدفاع الجوي الثقيلة القادرة على بناء مظلة ردع استراتيجية شاملة، مقارنة بأنظمة غربية متقدمة أو بعض الأنظمة الآسيوية التي سبق للعراق التفاوض بشأنها”. أشار المختص بالشأن السياسي إلى أن “الصفقة الحالية تبدو أقرب إلى حل تكتيكي محدود، وليست جزءاً من مشروع متكامل لإعادة بناء منظومة دفاع جوي وطنية متقدمة”.
وحذر من أن “عدم تكامل هذه المنظومة وضعف قدراتها الاستراتيجية قد لا يحقق الردع المطلوب، بل قد يترك العراق في حالة فراغ دفاعي نسبي، مع استمرار هشاشة ملف السيادة الجوية”، معتبراً أن “ذلك قد يُستغل سياسياً في إطار صراعات النفوذ الإقليمي”.
بدوره، رأى المختص بالشأن الأمني عدنان الكناني، احتمال استهداف إسرائيل لتركيا عسكرياً "يبقى بعيداً"، مشيراً إلى وجود علاقات سياسية وأمنية معقدة تربط تركيا بعدة أطراف.
وقال الكناني خلال حديثه لـ(المدى)، إن المنطقة تشهد صراعات ذات أبعاد دينية وسياسية ضمن مشاريع أوسع، لافتاً إلى وجود خطط لإعادة تشكيل التوازنات تحت عناوين مختلفة.
وبين إن طبيعة المرحلة قد تشهد تحركات استخبارية أو عمليات محدودة، إلا أن استهداف تركيا بشكل مباشر يبقى غير مرجح في الظروف الحالية.
وبشأن تفاصيل تتعلق بمنظومة دفاع جوي تركية تم التعاقد عليها، بين الكناني، أنها تُعد من الأنظمة المتقدمة في التعامل مع الطائرات المسيّرة، وبكلفة تصل إلى نحو 300 مليون دولار.
وأضاف أن “منظومة الدفاع الجوي التركية تمتاز بكفاءة عالية وتُعد منافسة لأنظمة دول كبرى”، مشيراً إلى أن “هناك تساؤلات مهمة ما تزال مطروحة بشأن ما بعد التعاقد، خاصة ما يتعلق بعمليات التنصيب والتدريب والصيانة وتجهيز الأعتدة والآليات التنفيذية المرتبطة بها”.
ودعا الكناني رئاسة أركان الجيش إلى تقديم تقرير مفصل أو عقد مؤتمر إعلامي لتوضيح طبيعة التعاقد وآليات تشغيل المنظومة. ولفت إلى أن المنظومة تتكون من عدة مستويات تشغيلية، موضحاً أنها “تتضمن أربعة مستويات رئيسية: التعامل مع الارتفاعات الواطئة، والمتوسطة، والمرتفعة التي قد تصل إلى مدى 80 كيلومتراً، إضافة إلى القدرة على رصد واستهداف الطيران منخفض الارتفاع بغض النظر عن سرعته.
وفي إطار تعزيز قدرات الدفاع الجوي، كانت وزارة الدفاع قد أعلنت في وقت سابق التعاقد على منظومة “كام سام” الكورية، المقرر دخولها الخدمة خلال 2026، حيث أكد مدير الإعلام والتوجيه المعنوي اللواء تحسين الخفاجي أن المنظومة ستسهم في رفع كفاءة الدفاعات الجوية وتوفير حماية إضافية للأجواء العراقية، نظراً لما تمتلكه من قدرات متقدمة تضاهي أنظمة عالمية.
وبين التصعيد الأمني والتجاذبات الإقليمية، يواصل العراق محاولة إعادة بناء منظومته الدفاعية في بيئة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها التهديدات العسكرية مع الحسابات السياسية، في وقت لا تزال فيه سماء البلاد واحدة من أكثر المجالات الجوية حساسية في المنطقة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات