تغيير حجم الخط     

حرب بلا صواريخ.. أخطر مراحل الصراع بدأت بين واشنطن وطهران

مشاركة » الأحد إبريل 19, 2026 9:18 pm

ما بعد الحرب لا يعني بالضرورة بداية للسلام، بل قد يكون طورا جديدا من الصراع، أقل صخبا في الظاهر وأكثر تعقيدا في الجوهر.

فعندما تعجز القوة العسكرية عن إنتاج حسم نهائي، لا تتوقف المعركة تماما، بل تغير شكلها: من تبادل النار إلى تبادل الشروط، ومن اختبار الصواريخ إلى اختبار الإرادات، ومن الميدان المفتوح إلى طاولة تفاوض تدار فوقها الحرب بوسائل أخرى.


ومن هذا الباب تحديدا، تبدو القراءة الغربية للمشهد الإيراني الأمريكي أقرب إلى قراءة صراع على أوراق القوة، لا إلى مسار واضح نحو التسوية.

وهنا لا يعود السؤال: هل اقترب الاتفاق، بل: من يملك الورقة الأثقل على الطاولة؟ من يفرض إيقاع التفاوض؟ ومن يفاوض فعلا باسم طهران وواشنطن؟


هرمز.. الورقة الأثقل

ترى صحيفة نيويورك تايمز أن الحرب، رغم ما ألحقته بإيران من خسائر في القيادة وبعض القدرات العسكرية، لم تنتزع منها أهم عناصر الردع، بل كشفت أن طهران تملك أصلا ورقة أكثر مباشرة من كثير من أدواتها الأخرى: الجغرافيا.

فمضيق هرمز، الذي يعبر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، لم يعد مجرد ممر بحري في قلب الأزمة، بل تحول إلى أداة ردع قائمة بذاتها، تسمح لإيران بفرض كلفة اقتصادية وعسكرية على خصومها حتى من دون الاحتكام إلى ورقة نووية مكتملة.

وتضيف الصحيفة أن طهران ما تزال تملك من المسيّرات ومنصات إطلاق الصواريخ ما يكفي لجعل الملاحة رهينة التهديد متى أرادت.

ومن هذا المنظور، لا تبدو قيمة هرمز في كونه ورقة تعطيل فحسب، بل في كونه ورقة تفاوض أيضا. فبحسب صحيفة تايمز ، صار هذا الممر البحري قادرا على منح إيران نفوذا تفاوضيا قد يفوق، في لحظة كهذه، ما منحته لها سنوات من المناورة حول التخصيب.

فبدل أن يقتصر النقاش على عدد أجهزة الطرد المركزي ونسب اليورانيوم، بات يدور أيضا حول من يملك حق إبقاء شريان الطاقة العالمي مفتوحا أو معطلا، وتحت أي شروط.

محللون: واشنطن تضغط بالحصار، لكنها لا تملك بعد ورقة الحسم النهائي (الفرنسية)
الحصار.. ورقة للمساومة

في المقابل، لا تدخل واشنطن التفاوض بلا أوراق. فالحصار البحري، كما يوضح تحليل صحيفة تلغراف البريطانية، قد لا يكون سلاحا حاسما ينهي الحرب وحده، لكنه يظل أداة ضغط ذات أثر حقيقي على الاقتصاد الإيراني.


فخنق الصادرات النفطية يضيق على أهم مصادر العملة الصعبة، ويزيد كلفة الاستيراد وإعادة الإعمار، ويدفع طهران إلى معضلة مألوفة: هل تنفق احتياطاتها على الضروريات، أم تترك التضخم والندرة يتفاقمان؟

ومع ذلك، يشدد التحليل نفسه على أن الحصار، مهما بلغت كلفته، لا يضمن انهيارا سريعا ولا يفرض استسلاما سياسيا تلقائيا، لأن الدول الكبيرة المتصلة برا تملك قدرة على التكيف والالتفاف.

وتذهب تلغراف صراحة إلى أن الحصار قد يثبت، في نهاية المطاف، أنه ورقة مساومة تهدف إلى منع عودة "كشك الرسوم" الإيراني في هرمز، أكثر من كونه أداة لإنهاء الحرب نفسها.

وهذا المعنى ينسجم مع ما تنقله نيويورك تايمز عن أن أثر الحصار كان حقيقيا على التجارة البحرية الإيرانية، لكنه لم يفض إلى كسر قبضة طهران على المضيق، ولا إلى إغلاق باب التفاوض.

وبذلك، لا تبدو واشنطن في موقع من يفرض استسلاما سياسيا، بل في موقع من يسعى إلى رفع كلفة المماطلة وانتزاع شروط أفضل على الطاولة.

الارتباك في طهران ليس في الموقف فقط، بل في الجهة التي تملك حق الحسم (الفرنسية)
قرار بطرفين

غير أن تعثر التفاوض لا يفسر فقط بتصادم الإرادتين الأمريكية والإيرانية، بل أيضا بانقسام الصوت الإيراني نفسه.

فبحسب صحيفة غارديان ، أدى إعلان وزير الخارجية عباس عراقجي عن فتح مرور السفن التجارية في هرمز إلى ارتباك واسع داخل إيران، بعدما بدا كأنه تنازل متسرع، أو في الحد الأدنى رسالة التُقطت على نحو أوسع مما أراد أصحاب القرار الصلب في طهران.

وتشير الصحيفة إلى أن دوائر مقربة من الحرس الثوري سارعت إلى ما بدا أنه استدراك على الإعلان ودقته، فيما أُعيد التشديد على أن أمر المضيق ليس ملفا دبلوماسيا خالصا، بل شأنا تحسمه المؤسسة العسكرية لا منصات التواصل.

وتلتقي غارديان مع تايمز عند نقطة أشد أهمية: أن السؤال داخل إيران ليس فقط على ماذا تفاوض طهران، بل من يفاوض فعلا باسمها.

فعباس عراقجي بدا، في هذه القراءة، أقرب إلى مقاربة ترى في التفاهم مخرجا من الاختناق الاقتصادي، فيما ظهر الحرس الثوري، ومعه محمد باقر قاليباف، أكثر ميلا إلى توسيع سلة المطالب وربط أي انفراج في هرمز بالحظر البحري والعقوبات ولبنان والتعويضات ومجمل ترتيبات الأمن الإقليمي.

وعلى هذا النحو، لا تدخل إيران الطاولة بصوت واحد متجانس، بل بقرار موزع بين دبلوماسية تريد تخفيف الضغط، وعسكر يرون أن اللحظة لم تنضج بعد للتفريط بالورقة الأثقل.

الملف النووي ما يزال حاضرا لكنه لم يعد وحده يحدد مسار التفاوض بين واشنطن وطهران (غيتي)
تعدد الملفات

ويعزز أكسيوس هذه الصورة حين ينقل عن مصادر مطلعة أن أزمة هرمز المتجددة انفجرت بعد إحراز تقدم في تضييق الفجوات المتعلقة بتخصيب اليورانيوم ومخزونه.

وهذه مفارقة لافتة: فالمسار لم يكن خاليا من التقدم، لكن هذا التقدم لم يصمد، لأن الطاولة لم تعد محصورة بالنووي وحده.

فبحسب تايمز، أصبحت المفاوضات مثقلة بخيوط متشابكة: المضيق، والحصار، والعقوبات، والتعويضات، وإسرائيل، ولبنان، وصورة الدور الإيراني في الإقليم بعد الحرب.

وهكذا، لم يعد الخلاف يدور على بند واحد يمكن فصله عن سواه، بل على إعادة ترتيب ميزان القوة في المنطقة كلها.


ومن هنا، فإن العطب لا يكمن فقط في تعثر صفقة بعينها، بل في تضخم جدول أعمالها. فالولايات المتحدة تريد الحد من قدرة إيران على الابتزاز الإقليمي من دون أن تنزلق إلى حرب مفتوحة وطويلة الكلفة، فيما تريد طهران تثبيت حقها في الردع من دون أن تُدفع إلى انكفاء سياسي كامل.

وبين الهدفين، تتكاثر الملفات وتتسع الشروط، بحيث يغدو أي تقدم جزئي قابلا للانهيار ما إن يتعثر خيط من الخيوط الأخرى. وهذا ما يجعل الميدان والطاولة يتبادلان التأثير بلا انقطاع: كل خطوة تفاوضية مشروطة بميزان القوة، وكل تصعيد ميداني محمول على حساب تفاوضي.
المصدر: الصحافة الغربية
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات