لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “التايمز” تقريرا فصّلت فيه الخسائر الأمريكية المتزايدة بسبب الحرب على إيران، حيث تضررت 13 قاعدة أمريكية في الشرق الأوسط، فيما وجّهت اتهامات للبنتاغون بأنه لم يتكيف بطريقة مناسبة مع حرب المسيرات.
وفي التقرير الذي أعده مايكل إيفانز وريتشارد سبنسر، قالا فيه إن طرفي الانقسام السياسي متفقان على أن الولايات المتحدة عالقة في “حرب بلا نهاية”، لكنّ كليهما أغفلا جانبا مهما يميز حربها مع طهران عن غيرها. للمرة الأولى منذ عقود، وجدت الولايات المتحدة نفسها تحارب دولة وجيشا نظاميا، بدلا من مقاتلين وجهاديين يمكنها اعتبارهم “مقاتلين غير نظاميين” وهو ما ترك أثره الشديد. فبدلا من الخسائر التدريجية التي تتكبدها القوات الأمريكية بسبب الألغام المزروعة على جوانب الطرق والتفجيرات الانتحارية، تكبدت خسائر من النوع المتوقع في الحروب التقليدية.
للمرة الأولى منذ عقود، وجدت الولايات المتحدة نفسها تحارب دولة وجيشا نظاميا، بدلا من مقاتلين وجهاديين
وأضافت الصحيفة أن إيران تحضر نفسها للرد على أي هجوم أمريكي منذ أن بدأ البنتاغون بالتخطيط له. وقد استهدفت قواعد أمريكية في أنحاء الشرق الأوسط بالصواريخ والطائرات المسيرة، وقُتل جنود كانوا يعيشون في دول خليجية كانت تنعم بالسلام سابقا جراء هجمات جوية.
وكشفت صورة مؤثرة جدا خلال عطلة نهاية الأسبوع تدمير إحدى طائرات الإنذار المبكر والتحكم المحمول جوا الأمريكية من طراز “أواكس إي-3 سينتري” وهي جزء من أسطول صغير نادر لا يتوفر منه إلا 16 طائرة لدى الولايات المتحدة، في ضربة أصابت قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية.
وقالت الصحيفة إن أسراب المسيرات الإيرانية مثلت تحديا خاصا، على الرغم من أن العالم شاهد كيف ألحق الروس دمارا كبيرا بها في أوكرانيا على مدى السنوات الأربع الماضية. وهو ما قاد لتوجيه انتقادات للبنتاغون بسبب فشله في مواكبة التطورات في عهد الرئيسين بايدن وترامب.
ونقلت الصحيفة عن مسؤول أمريكي دفاعي بارز قوله إن “فشل وزارة الحرب الأمريكية في استيعاب دروس أوكرانيا بشكل كاف، بدلا من مجرد دراستها، ولا سيما فيما يتعلق بحرب الطائرات المسيرة، يعد إخفاقا مشتركا بين الحزبين في إدارتين رئاسيتين”.
وقد اعترف وزير الحرب، بيت هيغسيث، في بداية النزاع بأن بعض الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية ستتمكن من اختراق طبقات الدفاعات الجوية المنتشرة في الشرق الأوسط.
لكنه أنكر بأن الولايات المتحدة بدت غير مستعدة لمواجهة العدد الهائل من طائرات “شاهد-136” القاتلة بعيدة المدى التي أطلقها الحرس الثوري.
ومع دخول الحرب أسبوعها الخامس، ألحق الحرس الثوري أضرارا جسيمة بالعديد من القواعد الأمريكية في المنطقة، على الرغم من نشر بعضٍ من أغلى أنظمة الدفاع الأمريكية قبل الحرب، والقادرة على اعتراض جميع أنواع الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز. وتقدرتكلفة الدمار بعد الشهر الأول بنحو 1.5 مليار دولار (مليار جنيه إسترليني)، وأُصيب أكثر من 300 جندي أمريكي، وقُتل 13 آخرون، من بينهم ستة لقوا حتفهم عندما اصطدمت طائرتهم من طراز “كي سي- 135” المخصصة للتزود بالوقود في الجو، بطائرة أخرى من الطراز نفسه. وقد تسببت الطائرات المسيرة في معظم الدمار. ورغم انخفاض وتيرة هجماتها في الأيام الأخيرة، إلا أن الخطر الذي تشكله بات واضحًا بشكل متزايد. وتكافح الولايات المتحدة لوقفها.
“شاهد-136” هي طائرة مسيّرة انتحارية يبلغ طولها 3.5 متر، وتحمل رأسا حربيا متفجرا يزن 50 كيلوغراما. تحلق على ارتفاع منخفض وبسرعة عالية، وقد تفوقت مرارا على أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية المتطورة على الأرض وعلى السفن الحربية وعلى الطائرات المقاتلة.
وتزعم الصحيفة أن مساعدة روسيا للحرس الثوري تزيد من التحديات التي تواجه الجيش الأمريكي، فموسكو تقدم لطهران إحداثيات مواقع القواعد الأمريكية، وتحديدا المواقع اليومية للطائرات المكشوفة، بدلا من الملاجئ المحصنة.
ألحق الحرس الثوري أضرارا جسيمة بالعديد من القواعد الأمريكية في المنطقة، وتقدر تكلفة الدمار بعد الشهر الأول من الحرب بنحو 1.5 مليار دولار
كما ترسل روسيا الآن نسخا مطورة من شاهد، وهي جيران-1 وجيران-2، وهما مسلحتان برأس حربي يزن 90 كيلوغراما.
وتشير نتائج تدقيق حجم الدمار في القواعد الأمريكية أو المواقع التي تتمركز فيها القوات الأمريكية إلى وضعٍ مقلق للبنتاغون. وقد تعرضت قاعدة الأمير سلطان الجوية، الواقعة على بعد 60 ميلا جنوبي الرياض، لأضرار متكررة. وقُتل عنصر عسكري في غارة جوية بطائرة مسيرة في 1 آذار/مارس، وتضررت خمس طائرات تزويد بالوقود من طراز كي سي-135 في هجوم مماثل في 13 آذار/مارس. وجاء ذلك قبل الهجوم المكثف الذي وقع في 27 آذار/مارس، حيث استهدفت القاعدة بـ29 طائرة مسيرة وستة صواريخ باليستية.
وإلى جانب طائرات الإنذار المبكر والتحكم المحمول جوا من طراز “أواكس إي-3 سينتري” تعطلت عدة طائرات من طراز كي سي- 135 وأصيب 15 جنديا أمريكيا، خمسة منهم بإصابات خطيرة. وكانت طائرة أواكس واحدة من ست طائرات من هذا النوع في المنطقة، تبلغ تكلفة الواحدة منها حوالي 300 مليون دولار.
وفي 7 آذار/مارس، دمر القصف الإيراني نظام رادار بعيد المدى تزيد تكلفته عن مليار دولار في “أم الدحل”، قرب قاعدة العديد الجوية في قطر، وهي المقر الأمامي للقيادة المركزية الأمريكية. وفي 28 شباط/فبراير، استُهدف مقر الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية في المنامة بالبحرين بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى إلحاق أضرار بأجهزة الرادار والاتصالات. وقدر تقرير قدمه البنتاغون إلى الكونغرس قيمة هذه المعدات بنحو 200 مليون دولار.
وفي 1 آذار/مارس، قُتل ستة جنود أمريكيين في غارة جوية بطائرة مسيرة استهدفت مركز عمليات لوجستية في ميناء الشعيبة، على بعد عشرة أميال من قاعدة الجيش الأمريكي في معسكر عريفجان بالكويت. كما استهدفت قاعدة علي السالم الجوية وقاعدة معسكر بويرينغ، وكلاهما في الكويت، بطائرات مسيرة في 1 و5 آذار/مارس على التوالي، مما أحدث أضرارا جسيمة في أنظمة الاتصالات والمباني.
وتعرضت قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات العربية المتحدة لاستهدافات متكررة. وتضم القاعدة طائرات إف-22 رابتور الشبحية وطائرات إم كيو-9 ريبر المسيرة للمراقبة. وتشير التقارير إلى تدمير تسع طائرات ريبر في حوادث منفصلة، على الرغم من أن معظمها استهدف أثناء تحليقها فوق إيران. وتبلغ تكلفة طائرة ريبر الواحدة حوالي 30 مليون دولار.
وفي 4 آذار/مارس، استهدفت قاعدة موفق السلطي الجوية في شمال غرب الأردن، مما أدى إلى أضرار جسيمة في نظام رادار للدفاع الجوي. وتبلغ تكلفة هذا النوع من الرادار حوالي 500 مليون دولار.
وتتعرض قاعدة أربيل الجوية في شمال العراق، التي تنطلق منها القوات الخاصة الأمريكية والبريطانية، لهجمات متكررة من الطائرات المسيرة. وقد أُسقطت معظمها، مع وقوع بعض الأضرار.
كما استهدفت قاعدة الأسد الجوية في غرب العراق بطائرات مسيرة وصواريخ، إلا أن حجم الأضرار لم يكشف عنه.
وقد استهلكت الولايات المتحدة، على غرار إسرائيل، نسبة كبيرة من مخزونها من صواريخ توماهوك وغيرها.
وليس من الواضح ما إذا كان لهذا الأمر تأثير على تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة، مثل عزمه المعلن على “إنهاء الحرب” في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، سواءً أكان ذلك باتفاق سلام مع إيران أم لا. ومن الأمور الأخرى التي تشغل باله بوضوح، تكلفة تعميق الصراع من خلال شن عملية برية شاملة.
وعلق المارشال المتقاعد مارتن سامبسون، كبير مستشاري الدفاع البريطاني السابق لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن محاربة دولة ما تتطلب استراتيجية سياسية، إلى جانب الأداء العسكري، لتحقيق الفعالية. وأضاف: “تخوض الدولة الخصم معارك متكافئة وغير متكافئة ولدى إيران مستويات أخرى من القوة يمكنها استخدامها”.
لكنه استدرك قائلا إنه من الخطأ الاعتقاد بأن الجيش الأمريكي منهك. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى إعادة بناء قوة الولايات المتحدة في نهاية المطاف تعد أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للبنتاغون.
وقال سامبسون إن “الجيش الأمريكي مصمم لتحمل ضغوط فوق طاقته، لكن حجم الضغط الذي يمارسه ترامب على قاعدة الصناعات الدفاعية نابع من أنه يريد توسيع القدرات العملياتية وتحقيق النجاح في الوقت نفسه، وأن العالم يعتمد أيضا على الولايات المتحدة لتكون جاهزة للدفاع عن وجودها ودعمه عالميا”.