تغيير حجم الخط     

العراق الجبهة الأكثر هشاشة في الصراع مع إيران ويجب استغلالها إيهاب مقبل

مشاركة » السبت مارس 28, 2026 2:17 pm

في ظل التصعيد الإقليمي المتسارع، تبرز كتابات مراكز الأبحاث الإسرائيلية كأداة لفهم كيفية تفكير صانع القرار الأمني، وإعادة تشكيل التصورات حول الساحة الإقليمية. وفي هذا السياق، نشر إيلي كلوتشتاين، الباحث في “معهد مسغاف للأمن القومي والاستراتيجية الصهيونية”، وهو مركز بحثي يُنظر إليه ضمن الدوائر الفكرية والأمنية المرتبطة بالمجتمع الاستخباراتي الإسرائيلي، مقالًا في صحيفة Makor Rishon العبرية، وهي صحيفة إسرائيلية تُصنّف على أنها يمينية وتقترب من خطاب اليمين السياسي في ما يسمى “إسرائيل” المرتبط بحكومة بنيامين نتنياهو، وذلك أواخر شهر مارس آذار 2026.

ويُفهم هذا السياق الفكري والإعلامي على أنه لا يكتفي بعرض تحليل أمني للواقع، بل يتجاوزه إلى تقديم تصورات تحمل “رسائل ضمنية” لصانع القرار الإسرائيلي حول كيفية التعامل مع الساحة العراقية في إطار المواجهة الأوسع مع إيران.

إعادة تعريف السيادة العراقية
يقدّم المقال العبري قراءة تتجاوز الوصف السياسي التقليدي، إذ يتعامل مع العراق بوصفه ساحة نفوذ متداخلة أكثر من كونه دولة مكتملة السيادة. ومنذ البداية يطرح الكاتب تصورًا حادًا حين يشير إلى أن السيادة في العراق “مسألة نسبية”، وأن الحكومة في بغداد “عالقة بين طهران والميليشيات من جهة، والتحالف الدولي والقوات الأمريكية من جهة أخرى”. هذا الإطار التفسيري لا يبدو محايدًا، بل يعيد تعريف الدولة العراقية ضمن حدود تأثير القوى الخارجية والداخلية المسلحة.

ويعزز الكاتب هذا التصور من خلال الإشارة إلى أن العراقيين “يحاولون اللعب على كل الأطراف دون اختيار، لكنهم يدفعون الثمن من الجميع”، ليصل إلى نتيجة مفادها أن “الاختيار بعدم الاختيار هو أيضًا نوع من الاختيار”. هذه الصياغة تحمل دلالة سياسية واضحة مفادها أن الحياد العراقي ليس حيادًا فعليًا، بل موقع غير مستقر داخل صراع أكبر.

العراق كساحة لا كدولة
في هذا السياق، يواصل المقال رسم صورة العراق كساحة مفتوحة للصراع، حيث تُقدَّم الدولة باعتبارها عاجزة عن فرض سلطتها على الأرض، في مقابل مجاميع مسلحة مسلحة تتحرك ضمن شبكات نفوذ إقليمية. ويشير الكاتب إلى أن عناصر مرتبطة بـ”فيلق القدس” الإيراني وصلت إلى بغداد وأنشأت غرف عمليات لإدارة وتنسيق العمليات، وهو ما يعزز فكرة أن مركز القرار الفعلي في بعض الملفات لا يمر عبر الدولة العراقية.

هذا التصوير يعيد صياغة طبيعة الصراع في العراق إلى كونه مواجهة بين دولة وشبكة نفوذ عابرة للحدود، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات أمنية أوسع لطبيعة التدخلات في الداخل العراقي.

تبرير الضربات الأمريكية والإسرائيلية داخل العراق
يعرض المقال تسلسلًا للأحداث يبدأ بهجمات تنفذها الفصائل المسلحة العراقية المدعومة من إيران، ثم يتبعها رد من واشنطن أو تل أبيب على مواقع داخل العراق. هذا البناء السردي يهدف إلى تقديم تلك الضربات باعتبارها ردود فعل دفاعية وليست خرقًا للسيادة، بل جزءًا من منطق المواجهة.

وبذلك يُعاد تشكيل الإطار القانوني والأخلاقي للصراع، بحيث تصبح العمليات العسكرية داخل العراق نتيجة طبيعية لسلوك الفصائل المسلحة العراقية، وليس اعتداءً منفصلًا على دولة مستقلة.

نزع الشرعية عن الدولة العراقية
يتجه الكاتب أيضًا إلى التشكيك في قدرة الحكومة العراقية على فرض سيادتها، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء “لا يملك فرصة حقيقية لنزع سلاح الميليشيات ولا القدرة على تنفيذ ذلك بالقوة”. كما يتم تصوير بعض السياسات الرسمية بوصفها غير واقعية أو عاجزة عن مواجهة الواقع الميداني.

هذا الطرح يساهم في تقديم الدولة العراقية ككيان ضعيف بنيويًا، غير قادر على احتكار القوة، وهو ما ينعكس على تصور دورها في الصراع الإقليمي.

الفرصة الاستراتيجية في بنية الضعف
من خلال قراءة متأنية للمقال يمكن استنتاج فكرة غير مباشرة لكنها محورية، وهي أن اجتماع الصراع الداخلي وضعف الدولة والضغط الاقتصادي يخلق بيئة مناسبة لإضعاف النفوذ الإيراني داخل العراق. فعندما يصف الكاتب الحكومة بالعجز، ويشير إلى تمدد “الميليشيات” وتزايد نفوذها، فإنه في الواقع يرسم صورة لدولة تفقد تدريجيًا أدوات السيطرة.

وفي هذا السياق، لا تُطرح هذه المعادلة بشكل مباشر، لكنها تظهر من خلال الربط بين الانهيار المؤسسي والتصعيد المستمر، وهو ما يجعل من العراق بيئة قابلة للتأثير وإعادة التشكيل ضمن موازين القوى الإقليمية.

كما يمكن استنتاج بعد قراءة المقال في سياقه الكامل أن هذا الإطار التحليلي لا يقتصر على الوصف، بل يتضمن إيحاءً سياسيًا موجّهًا لصانع القرار الإسرائيلي، مفاده أن هشاشة الساحة العراقية يمكن التعامل معها كفرصة استراتيجية يمكن استغلالها لتقليص النفوذ الإيراني عبر أدوات ضغط أو تحرك غير مباشر، بدل الاكتفاء باعتبارها مجرد حالة فوضى إقليمية.

العراق الجبهة الأكثر هشاشة في العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران
في ضوء هذا التحليل، يقدّم المقال العراق باعتباره أحد أكثر الساحات هشاشة في أي صراع أوسع بين أمريكا الشمالية والكيان الصهيوني من جهة، وإيران من جهة أخرى. فالعراق يجمع بين عناصر متناقضة بحسب الكاتب: “ضعف مؤسسات الدولة، وجود ميليشيات مسلحة، نفوذ إيراني عميق، ووجود عسكري أمريكي، ما يجعله ساحة قابلة للاشتعال السريع والتحول إلى ميدان مواجهة غير مباشر”.

وبهذا المعنى، لا يُنظر إلى العراق كدولة مستقرة ذات سيادة كاملة، بل كحلقة ضعيفة في العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وهو ما يفسر لماذا يُعامل في هذا الخطاب كجبهة شديدة الحساسية في أي تصعيد مرتبط بإيران.

خلاصة ختامية: ما الذي يريده الكاتب وما السيناريوهات المحتملة
يمكن تلخيص الطرح العام للمقال العبري في أنه يحاول تقديم قراءة أمنية تعتبر أن العراق ساحة ضعيفة ومفتوحة أمام النفوذ الإيراني، وأن هشاشة الدولة العراقية ووجود فصائل المقاومة العراقية يجعلها بيئة قابلة للاستخدام في أي صراع أوسع مع إيران. وبذلك فإن الرسالة الضمنية التي يسعى الكاتب إلى إيصالها هي أن التعامل مع العراق لا ينبغي أن يكون بوصفه دولة مستقرة بالكامل، بل كساحة نفوذ يجب مراقبتها والتعامل معها ضمن منطق الصراع الإقليمي.

وبناءً على هذا المنطق التحليلي، من المرجح أن تتحرك تل أبيب ضمن مسارات متعددة وليس خيارًا واحدًا فقط. أحد هذه المسارات يتمثل في استمرار أو زيادة الضربات العسكرية المحدودة والدقيقة ضد أهداف مرتبطة بفصائل المقاومة العراقية المدعومة من إيران، خاصة تلك التي تشكل تهديدًا مباشرًا مثل تحالف “المقاومة الإسلامية في العراق”. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن يتوسع النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي بشكل أكبر، سواء عبر الإغتيالات أو جمع المعلومات أو عبر عمليات غير معلنة داخل العراق دون الدخول في مواجهة مفتوحة واسعة.

كما أن السيناريو الإسرائيلي الأكثر واقعية هو المزج بين الأدوات: عمليات استخباراتية متقدمة، وضربات عسكرية موضعية، وضغط سياسي غير مباشر عبر أمريكا الشمالية والدول الغربية، بدل الانزلاق إلى حرب شاملة داخل العراق. فطبيعة الساحة العراقية المعقدة تجعل من الصعب اعتماد خيار عسكري إسرائيلي واسع دون تكلفة استراتيجية عالية.

وبالتالي، فإن ما يوحي به المقال العبري في جوهره ليس مجرد توصية مباشرة، بل إطار تفكير أمني يرى العراق كجزء من معادلة الصراع مع إيران، حيث يتم إستغلال الأدوات المتاحة بشكل تدريجي ومدروس، وفق تطور الميدان وليس وفق قرار واحد ثابت.

المرجع
بين القوى العظمى والميليشيات: العراق يريد البقاء على الحياد ولكنه ينخرط بشكل متزايد، إيلي كلوتشتاين، صحيفة Makor Rishon العبرية، 26 مارس آذار 2026
https://www.makorrishon.co.il/news/worl ... cle/319142
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات