لندن- “القدس العربي”:
نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا لروبرت إي. بابي قال فيه إن تصعيد الولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب الحالية ضد إيران يصب في صالح النظام في طهران.
وقال بابي إن أمريكا وإسرائيل ربما تورطتا في أمر يفوق قدرتهما على التحمل ومواصلة حرب طويلة تريداها. وأضاف الكاتب، وهو أستاذ العلوم السياسية ومدير مشروع الأمن والتهديدات بجامعة شيكاغو ومؤلف كتاب “القصف من أجل النصر: القوة الجوية والإكراه في الحرب”، أن الساعات الأولى من عملية “الغضب الملحمي” أظهرت ما يمكن أن تحققه الحرب الدقيقة الحديثة.
فقد أسفرت غارات أمريكية وإسرائيلية عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، إلى جانب كبار قادة الحرس الثوري الإسلامي ومسؤولين استخباراتيين بارزين، في ما وصفته واشنطن وإسرائيل بأنه ضربة قاضية تهدف إلى شل بنية القيادة في طهران وزعزعة استقرار النظام.
الرد الإيراني ترك تداعيات هائلة على منطقة الخليج، حيث أسفر عن مقتل مدنيين وإغلاق مطارات وتهديد حركة الشحن وصادرات النفط وتشويه صورة المنطقة كمركز للاستقرار
وفي غضون ساعات تبدد أي أمل في أن تحد هذه الضربات الدقيقة من نطاق الحرب. فقد أطلقت إيران مئات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ليس فقط على إسرائيل، بل في جميع أنحاء الخليج. ودوت صافرات الإنذار في تل أبيب وحيفا، واصطدمت الصواريخ بطائرات اعتراضية فوق الدوحة وأبو ظبي.
وفي قاعدة العديد الجوية في قطر، مقر القيادة المركزية الأمريكية، بحث الجنود عن حماية مع تحليق الطائرات الاعتراضية فوق رؤوسهم. وتم استنفار الدفاعات الجوية في القواعد الأمريكية في الظفرة بالإمارات العربية المتحدة وعلي السالم بالكويت. كما أبلغت قاعدة الأمير سلطان الجوية في السعودية عن رصد طائرات مسيرة قادمة. وبالقرب من مقر الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين تم رفع حالة التأهب القصوى للقوات البحرية.
ويقول الكاتب إن الرد الإيراني ترك تداعيات هائلة على منطقة الخليج، حيث أسفر عن مقتل مدنيين وإغلاق مطارات وتهديد حركة الشحن وصادرات النفط وتشويه صورة المنطقة كمركز للاستقرار والأمان. واندلع حريق في فندق شهير على الواجهة البحرية في دبي بعد سقوط حطام طائرة مسيرة تم اعتراضها في طوابقه العليا.
وأفادت السلطات الكويتية بوقوع أضرار قرب مرافق المطار المدني. ووفقا لتقارير إخبارية، فقد استهدفت عدة ناقلات نفط قرب مضيق هرمز، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أقساط التأمين على الشحن عبر الخليج. وبعد اندلاع النزاع بفترة وجيزة قفزت أسعار العقود الآجلة للنفط بشكل حاد، حيث توقع التجار خطر استمرار اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة الحيوية في العالم.
ويرى بابي أن الضربات الإيرانية لا يمكن اعتبارها مجرد أعمال انتقامية متفرقة أو محاولات يائسة من نظام يحتضر، بل تمثل استراتيجية تصعيد أفقي ومحاولة لتغيير مسار النزاع من خلال توسيع نطاقه وإطالة أمده، مضيفا أن هذه الاستراتيجية تعطي طرفا أضعف الفرصة لتغيير حسابات خصم أقوى. وقد نجح هذا النهج في الماضي على حساب الولايات المتحدة. ففي فيتنام وصربيا رد خصوم الولايات المتحدة على استعراضات القوة الجوية الأمريكية الهائلة بتصعيد أفقي، ما أدى في نهاية المطاف إلى هزيمة أمريكية في الحالة الأولى، وفي الحالة الثانية إلى إحباط أهداف الولايات المتحدة الحربية، وإلى اندلاع أسوأ موجة تطهير عرقي في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
وأضاف الكاتب أن الضربات العسكرية، على وجه الخصوص، تشكل حوافز قوية للتصعيد الأفقي: فعندما يتعافى نظام ما من فقدان زعيمه، عليه أن يظهر مرونة سريعة من خلال توسيع نطاق الصراع. ورغم أن الولايات المتحدة ألحقت ضررا بالغا بإيران، إلا أنه يتعين عليها أن تفهم تداعيات رد إيران، وإلا ستجد نفسها تفقد السيطرة على الحرب التي أشعلتها.
وقال بابي إن التصعيد الأفقي يحدث عندما توسع دولة ما النطاق الجغرافي والسياسي للصراع بدلا من تصعيده عموديا في جبهة واحدة. وهي استراتيجية جذابة بشكل خاص للأطراف الأضعف في الصراع العسكري. فبدلا من محاولة هزيمة خصم أقوى بشكل مباشر، يضاعف الطرف الأضعف مجالات المخاطر من خلال جر دول وقطاعات اقتصادية وجماهير محلية إضافية إلى دائرة الصراع.
التصعيد الأفقي يحدث عندما توسع دولة ما النطاق الجغرافي والسياسي للصراع بدلا من تصعيده عموديا في جبهة واحدة.
ويؤكد الكاتب أن إيران لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة أو إسرائيل في صراع عسكري تقليدي، ولا تحتاج إلى ذلك، إنما هدفها هو اكتساب نفوذ سياسي أكبر.
وشرح أن استراتيجية التصعيد الأفقي تتبع نمطا واضحا:
أولا، أظهرت إيران مرونة. فقد شنت الولايات المتحدة ضربات استباقية تهدف إلى شل الجيش الإيراني. وبشنها ردا واسع النطاق في غضون ساعات من فقدان المرشد الأعلى والعديد من كبار القادة، أشارت طهران إلى استمرارية القيادة والقدرة العملياتية.
ثانيا، وسعت إيران نطاق الصراع إلى ما هو أبعد من أراضيها، مما أدى إلى ما يسميه الباحثون “التعرض المتعدد”. فبدلا من حصر الرد الإيراني في إسرائيل وحدها، شنت إيران ضربات أو استهدفت مواقع في تسع دول على الأقل، معظمها تستضيف قوات أمريكية: أذربيجان، البحرين، اليونان، العراق، الأردن، الكويت، قطر، السعودية، والإمارات العربية المتحدة. وقد كانت الرسالة واضحة جدا: الدول التي تستضيف قوات أمريكية ستواجه عواقب وخيمة، والحرب التي أشعلتها إسرائيل والولايات المتحدة ستتوسع.
ثالثا، قامت إيران بتسييس الصراع من خلال ضرباتها، وقد أسفر رد إيران عن إغلاق المطارات وحرق الممتلكات التجارية ومقتل العمال الأجانب وتعطيل أسواق الطاقة والتأمين. واضطر قادة الخليج إلى طمأنة المستثمرين والسياح الأجانب. وانتقلت الحرب إلى أروقة مجالس الإدارة والبرلمانات.
وفي الولايات المتحدة أثار اتساع نطاق الحرب قلق أعضاء الكونغرس. وقد دخلت جهات فاعلة عديدة الصراع، يسعى كل منها لتحقيق مصالحه الخاصة دون تنسيق كامل بينها، وكلها قادرة على تغيير مسار التصعيد بما يفوق سيطرة واشنطن.
أما البعد الأخير في استراتيجية إيران فهو عامل الوقت. فكلما طال أمد الضغط على دول متعددة زادت احتمالية تفاقم الصراع بفعل السياسة داخل دول المنطقة وفيما بينها. فقد طرح مسؤولون أمريكيون مثلا فكرة إشعال فتيل تمرد عرقي في المناطق الكردية بإيران لاستهداف الحرس الثوري الإسلامي، لكن ذلك قد يثير ردود فعل من العراق وسوريا وتركيا.
كما يظهر إسقاط ثلاث طائرات أمريكية قبل فترة في حادثة نيران صديقة فوق الكويت المشاكل اللوجستية والتنسيقية التي تعيق أي محاولة لصد التصعيد الإيراني في الخليج.
ويرى بابي أن استراتيجية التصعيد الأفقي الإيرانية تعد في جوهرها استراتيجية سياسية تستهدف مباشرة الرأي العام الذي تسعى إيران إلى استمالته: القاعدة المسلمة في المنطقة التي وإن لم يتفق أفرادها أيديولوجيا مع إيران، لكنهم عموما يحملون مشاعر سلبية تجاه إسرائيل.
ويضيف الكاتب أن عملية “الغضب الملحمي” بالتأكيد ليست المرة الأولى التي تتصرف فيها الولايات المتحدة انطلاقا من اعتقادها بأن القوة الجوية الساحقة قادرة على إحداث انهيار سياسي سريع. فقد كشفت حرب الولايات المتحدة في فيتنام عن حدود هذا الافتراض. ففي فيتنام لم تخسر الولايات المتحدة معركة واحدة، لكنها خسرت حربا.
عملية “الغضب الملحمي” ليست المرة الأولى التي تتصرف فيها الولايات المتحدة انطلاقا من اعتقادها بأن القوة الجوية الساحقة قادرة على إحداث انهيار سياسي سريع
وبعد ثلاثة عقود اعتمد حلف شمال الأطلنطي (الناتو) على نظرية مختلفة للقوة الجوية في نزاع كوسوفو. ففي عام 1999 ركزت عملية “قوة الحلفاء” على الضربات الدقيقة ضد الأصول العسكرية الصربية وأهداف القيادة.
وتوقع القادة الغربيون حملة سريعة وناجحة، وأن يضعف النظام إن لم ينهَر. وبدلا من ذلك أمرت بلغراد 30,000 جندي صربي بالتوغل في كوسوفو، مما أجبر أكثر من مليون مدني ألباني كوسوفي، أي نصف سكان الإقليم، على مغادرة أراضيهم.
وفي نهاية المطاف حشد الناتو ما يقارب 40,000 جندي لشن هجوم واسع النطاق للاستيلاء على كوسوفو. عند هذه النقطة فقط، وبعد 78 يوما من الأزمة المتواصلة والضغط الدبلوماسي من روسيا (حليفة صربيا القديمة)، والتهديد بغزو الناتو، استسلم الرئيس الصربي سلوبدان ميلوسيفيتش.
ويعتقد الكاتب أن إيران الآن تطبق هذا الدرس على منطقة الخليج وتريد تحقيق أهداف سياسية:
أولا، تسعى طهران إلى تقويض فكرة مناعة دول الخليج. فعندما تعطل المسيرات والصواريخ مظاهر الحياة في مدن الخليج التي روج لها بأنها واحة استقرار، فإن التكلفة على السمعة تفوق بكثير أي ضرر مادي تلحقه إيران.
ثانيا، رفعت إيران التكلفة السياسية لاستضافة دول الخليج للقوات الأمريكية. فمن خلال الضربات قرب القواعد الأمريكية في العديد والظفرة وقاعدة الأمير سلطان، أشارت طهران إلى أن التحالف مع واشنطن يعرضها لخطر الهجوم.
ثالثا، تعمل طهران على صياغة سردية حول النظام الإقليمي من خلال تصوير أفعالها كمقاومة لحملة أمريكية إسرائيلية تهدف إلى الهيمنة الإقليمية. وعليه تسعى إيران إلى إحداث شرخ بين قادة دول الخليج وشعوبهم، شرخ قد يتسع تبعا لطول أمد الصراع.
رابعا، تستغل إيران نقاط الاختناق الاقتصادية، مثل مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقارب خمس شحنات النفط العالمية. وتشير بيانات الشحن الأولية إلى انخفاض حركة الملاحة عبر المضيق بنحو 75% منذ بدء الحرب.
ولا يقتصر التصعيد الأفقي على استهداف نطاق أوسع من الأهداف فحسب، بل يكمن أثره الأعمق عندما يتحول إلى صراع طويل الأمد. فعندها ستعيد العلاقة بين دول الخليج من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى.
كما أن الحرب الطويلة الأمد ستعيد تشكيل السياسة الأمريكية. وقد ترفع ضربة قاضية مفاجئة الدعم للرئيس الأمريكي، ولو مؤقتا، رغم أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن معظم الأمريكيين يعارضون الحرب بالفعل بعد أسبوع واحد فقط من اندلاعها.
وستثير حرب إقليمية طويلة تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة وخسائر أمريكية وأهداف غير واضحة قلقا في الداخل.
كما ستتأثر العلاقة مع الحكومات الأوروبية، وبخاصة عندما تشعر أنها أصبحت عرضة لتقلبات أسعار الطاقة وضغوط الهجرة. وإذا صعدت واشنطن الموقف بينما تسعى العواصم الأوروبية لكبح جماح الصراع، فقد يتباعد الطرفان في محاولة من الأوروبيين للنأي بأنفسهم عن الحرب.
وإذا كانت استراتيجية إيران هي توسيع نطاق الصراع وتسييسه، فإن الولايات المتحدة أمام خيارين. أحدهما مضاعفة الجهود: إذ يمكن للولايات المتحدة تكثيف حملتها الجوية بإدخال المزيد من الأصول الجوية في المعركة لقمع القدرات الإيرانية على إطلاق الصواريخ وتهيئة الظروف لتوسيع نطاق سيطرتها الجوية على الأجواء والمراقبة الأرضية.
وكما حدث مع فرض مناطق حظر الطيران على العراق في التسعينيات من القرن الماضي، فإن مضاعفة الجهود لإعادة ترسيخ الهيمنة والسيطرة على التصعيد قد ترقى إلى مستوى استراتيجية احتواء عسكري عدواني دائم وسيطرة على المجال الجوي الإيراني، وهي استراتيجية قد تستمر لسنوات، ولكن السيطرة الجوية الدائمة لا تؤدي إلى سيطرة سياسية.
والبديل هو إنهاء الالتزام العسكري: إذ يمكن لواشنطن أن تعلن أن الأهداف قد “تحققت”، وأن تسحب قواتها الجوية والبحرية الهائلة المتمركزة قرب إيران.
وعلى المدى القصير ستواجه إدارة ترامب انتقادات سياسية حادة لاحتمال عدم إتمامها المهمة. إلا أن هذه السياسة ستتيح للإدارة الانتقال إلى قضايا أخرى، مثل تلبية الاحتياجات الاقتصادية الداخلية والحد من التداعيات السياسية لقرارها مهاجمة إيران. وبالتالي يجد ترامب نفسه أمام معضلة، إذ عليه أن يقرر ما إذا كان ينبغي لواشنطن تحمل تكاليف سياسية قصيرة ولكن محدودة الآن، أم تحمل تكاليف سياسية أطول وأكثر غموضا لاحقا.