لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعدته إريكا سولومون قالت فيه إن حكام إيران باتوا يعتقدون أن تحدي المطالب الأمريكية فيما يتعلق بمستويات تخصيب اليورانيوم والصواريخ الباليستية هي مخاطرة تستحق المضي بها. وقالت إن موقف القادة في إيران من المطالب الأمريكية التي جاءت وسط الحشود العسكرية قد حيرت المسؤولين الأمريكيين، إلا أن القادة في طهران يرون أن تقديم تنازلات يعتبر تخليا عن السيادة والأيديولوجية، وأخطر من منظور الحرب.
ويقول خبراء إن التباين الخطير في وجهات النظر بين إيران والولايات المتحدة هو السبب وراء هشاشة الجهود المبذولة للتفاوض على اتفاق بشأن القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، ما يجعل اندلاع صراع إقليمي جديد شبه حتمي.
ونقلت الصحيفة عن ساسان كريمي، عالم السياسة بجامعة طهران، والذي شغل منصب نائب الرئيس للشؤون الاستراتيجية في الحكومة الإيرانية السابقة، أن “تجنب الحرب يمثل أولوية قصوى، لكن ليس بأي ثمن. ففي بعض الأحيان، قد تولي دولة سياسية، وبخاصة دولة ذات توجه أيديولوجي، أهمية بالغة لمكانتها في التاريخ، تفوق حتى أهمية بقائها المباشر”. ومن هنا، يواجه المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون صعوبة في كسر الجمود بشأن الخطوط الحمر لكل منهما.
وتقول إدارة ترامب إنها تريد من إيران الموافقة على وقف تخصيب اليورانيوم لضمان عدم قدرة طهران على امتلاك سلاح نووي. كما يصر المسؤولون الأمريكيون أحيانا على الحد من مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية، وإنهاء الدعم للميليشيات المتحالفة معها في المنطقة. وبالنسبة لإيران، التي تؤكد أن برنامجها النووي سلمي فقط، يعد تخصيب اليورانيوم حقا يؤكده المرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، ولا يمكن لمسؤوليه التخلي عنه. وترى إيران أن امتلاك صواريخ قادرة على الوصول إلى إسرائيل أمر مهم جدا للدفاع عن النفس.
وستقرر الجولة القادمة في جنيف، وربما الأخيرة مسار الأحداث، وبحسب مطلعين سيتم بحث مقترح لمنع الحرب، وهو السماح لإيران بعمليات تخصيب محدودة. ومن جانب آخر، ترى إدارة ترامب أن إيران ضعيفة ويجب عليها الاستسلام للمطالب الأمريكية، وذلك حسب قول مسؤولين بالمنطقة. ويشير هؤلاء للعملية العسكرية في حزيران/يونيو 2025 والتي استمرت 12 يوما، وضربت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل المفاعلات النووية في فوردو ونطنز وأصفهان. كما واجهت إيران تظاهرات مميتة في نهاية العام الماضي وبداية الحالي. ويضيف المراقبون عاملا آخر مهما، وهي الحشود العسكرية الأمريكية قرب السواحل الإيرانية.
وقال نائب الرئيس الأمريكي، جيه دي فانس، لقناة “فوكس نيوز” الأسبوع الماضي، بأنه على الرغم من التهديد بالحرب، فإن الإيرانيين “ليسوا مستعدين بعد للاعتراف بمطالب الرئيس ترامب والعمل على حلها”. ومع ذلك، فإن مجرد تصور ضعف إيران هو ما يدفع طهران، بحسب الخبراء، إلى المقاومة.
ويرى علي فائز، مدير برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية: “بالنسبة لإيران، يعد الخضوع للشروط الأمريكية أخطر من التعرض لضربة أخرى. فهم لا يعتقدون أن الولايات المتحدة ستخفف الضغط بمجرد استسلامهم، بل يعتقدون أن ذلك سيشجع الولايات المتحدة على توجيه ضربة قاضية”.
وقد أكد آية الله خامنئي أكثر من مرة على رأيه بأن هدف واشنطن النهائي هو إسقاط نظام الحكم في إيران. وقال في خطاب ألقاه عام 2024: “المشكلة ليست في الطاقة النووية، ولا في حقوق الإنسان؛ بل تكمن مشكلة أمريكا في وجود الجمهورية الإسلامية نفسها”.
وقال داني سيترونوفيتش، الخبير في المجلس الأطلسي، والذي ترأس سابقا فرع إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، إنه بالإضافة إلى الحسابات الاستراتيجية كالصواريخ الباليستية، يصر آية الله خامنئي على تخصيب اليورانيوم باعتباره “ركيزة أساسية للنظام نفسه”. وأضاف أنه إذا تنازل قادة إيران عن هذه النقاط، “فسيقوّضون وجود النظام برمته”. وقال: “أعتقد أنه ليس أمامهم خيار آخر سوى الرهان على الجانب العسكري”.
ومن بين الأسئلة الرئيسية التي تسبق أي مواجهة محتملة: هل سيصل الهجوم الأمريكي إلى حد محاولة إسقاط النظام السياسي في إيران؟ وهل ستتمكن طهران من الرد بما يكفي لجعل الصراع مؤلما للرئيس ترامب أيضا؟
من المرجح أن تسعى طهران إلى امتصاص الضربات المحدودة والحد من ردها على الهجمات التي تستهدف القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط، كما فعلت في حزيران/يونيو الماضي، وذلك حسب فرزين نديمي، المحلل الدفاعي المتخصص في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. وإذا اختار ترامب المضي قدما، فسيتعين على القوات الأمريكية، بمساعدة إسرائيل على الأرجح، أن تسارع في الأيام الأولى لتدمير أكبر قدر ممكن من القدرات العسكرية الإيرانية لإحباط أي محاولة لرد أشد وأوسع، كما قال نديمي. وأضاف أن ذلك سيتطلب “جهدا مكثفا من جانب الولايات المتحدة والإسرائيليين على حد سواء، ليس فقط القوة الجوية، بل أيضا القوات البرية، لضمان تحييد تهديد الصواريخ الإيراني”.
ويرى خبراء إقليميون أن إيران ستحاول بدورها محاكاة نجاح ميليشيا الحوثي، حليفتها في اليمن. في إشارة للحملة العسكرية الأمريكية عام 2025 ضد الحوثيين الذي حاولوا الحد من الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
وردا على الضربات الأمريكية، شن الحوثيون هجمات متواصلة على طائرات أمريكية مسيرة وسفن دولية، بما في ذلك حاملة طائرات أمريكية. وكلفت المواجهة التي استمرت 31 يوما واشنطن أكثر من مليار دولار، وفي نهاية المطاف، توصل الرئيس ترامب إلى اتفاق معهم بدلا من مواصلة صراع عسكري طويل.
ويقول محللون إن إيران قد تحاول جر الولايات المتحدة إلى صراع طويل قد يضر بالرئيس ترامب في عام انتخابات التجديد النصفي.
وقال محمد علي شباني، المحلل المختص بالشؤون الإيرانية ورئيس تحرير موقع “أمواج ميديا” ، أن أحد الأمور غير المؤكدة هو ما إذا كانت إيران ستشن هجمات على ناقلات النفط العابرة لممرات ملاحية استراتيجية مثل مضيق هرمز، أو ما إذا كان حلفاؤها الحوثيون سيشنون هجمات على سفن في البحر الأحمر.
وأضاف أن نشوب صراع جديد قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار البنزين دولارا أو دولارين للغالون، وهو ما قد يشكل خطرا كبيرا على الرئيس ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي هذا الخريف. ويمكن للقوات الأمريكية والإسرائيلية توجيه ضربة سريعة ومدمرة، كما فعلت في حزيران/ يونيو الماضي، عندما قتل عدد من كبار المسؤولين العسكريين الإيرانيين في غضون ساعات، وتعرضت المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية لأضرار بالغة.
إلا أن طهران استخلصت العبر من تلك الحرب، وفقا لمسؤولين إيرانيين وإقليميين، وأعدت عدة مستويات قيادية لتحل محل أي قتيل. ويهدف هذا إلى ضمان استمرار النظام بعد انتهاء الصراع حتى لو لم ينج آية الله خامنئي وغيره من القادة.
ويعتقد مسؤولون في المنطقة على معرفة بتفكير إيران والولايات المتحدة أنه إذا اختار ترامب شن ضربة، فمن المرجح أن يكون هدفه زعزعة القيادة الإيرانية بشدة لإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروطه. ويقول فائز من مجموعة الأزمات الدولية إن “الاعتقاد بأن الحرب في كل مرة تجعل إيران أكثر مرونة أو تسهل الدبلوماسية ليس إلا وهما”.