بيروت: لم تكن استقالة مسؤول وحدة “الارتباط والتنسيق” في “حزب الله” اللبناني، وفيق صفا، مجرد خبر عابر، بل كشفت، وفق مصادر مقربة من الحزب، عن عملية “إعادة هيكلة” واسعة داخل بنيته التنظيمية.
وذكرت مصادر تحدثت لوكالة “الأناضول”، وفضّلت عدم الكشف عن هويتها، أن “حزب الله”، بقيادة أمينه العام نعيم قاسم، يشهد عملية إعادة هيكلة لجسمه التنظيمي، على خلفية انتكاسة عسكرية مُني بها إثر الحرب الإسرائيلية الواسعة على لبنان أواخر عام 2024، وما خلّفته من انعكاسات سلبية على مختلف المستويات.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن استقالة وفيق صفا، التي تسربت إلى وسائل الإعلام السبت، أظهرت إلى العلن وجود تغييرات عديدة يجريها الحزب داخل صفوفه، تشمل إعادة توزيع مهام عدد من الشخصيات، في إطار يتسم بتكتم شديد، وتحت إشراف مباشر من الأمين العام نعيم قاسم.
ورغم عدم صدور بيان رسمي عن “حزب الله” حتى مساء الأحد بشأن استقالة صفا، أكد القيادي في الحزب محمود قماطي استقالته من منصبه.
وتولى صفا رئاسة وحدة “الارتباط والتنسيق” لسنوات طويلة، وعُرف بنفوذه الواسع وتأثيره القوي في الساحة اللبنانية، إذ أُنيطت به إدارة العلاقات مع الأجهزة الأمنية اللبنانية، كما اعتُبر من الشخصيات البارزة والمؤثرة في المشهد السياسي اللبناني، نظراً لمسؤولياته داخل الحزب.
تحقيقات داخلية
وأفادت المصادر بأن التغييرات في الهيكلية التنظيمية جاءت عقب تحقيقات داخلية أجراها “حزب الله” خلال الأشهر القليلة الماضية، بهدف سدّ الثغرات التي كشفتها الحرب الأخيرة، والاغتيالات التي طالت قيادات بارزة، إضافة إلى إعادة تنظيم العلاقة مع مؤسسات الدولة.
وخلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي انتهت بوقف لإطلاق النار دخل حيز التنفيذ في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تعرض “حزب الله” لسلسلة اغتيالات استهدفت قيادات رفيعة، من أبرزها الأمينان العامان السابقان حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، إلى جانب قادة أمنيين وعسكريين.
وفي 5 أغسطس/آب 2025، وتحت ضغوط أمريكية وإسرائيلية، أقرت الحكومة اللبنانية خطة لحصر السلاح بيد الدولة، بما في ذلك سلاح “حزب الله”، في خطوة وُصفت بالتاريخية وغير المسبوقة منذ نحو خمسة عقود. إلا أن الحزب أكد في أكثر من مناسبة تمسكه بسلاحه، ودعا إلى وقف ما وصفه بالعدوان الإسرائيلي على لبنان.
شخصيات سياسية
وبحسب المصادر، يطمح “حزب الله” من خلال هذه التغييرات إلى “إعادة تدوير الزوايا”، وتخفيف حدة التصادم مع الدولة اللبنانية والرأي العام، إضافة إلى ترتيب أوراقه الداخلية بما يحفظ نفوذه في البلاد إلى حين استكمال عملية ترميمه.
كما يسعى نعيم قاسم إلى تعزيز حضور شخصيات سياسية في مراكز القرار، على حساب رجال الدين، ومن أبرز هذه الشخصيات الوزير السابق محمد فنيش، ورئيس كتلة “حزب الله” النيابية محمد رعد، وفق المصادر نفسها.
ويُذكر أن فنيش انتُخب نائباً في البرلمان عام 1992، واحتفظ بمقعده النيابي على مدى أربع دورات انتخابية أعوام 1996 و2000 و2005 و2009، كما تولى بين عامي 2009 و2016 مناصب وزارية في عدة حكومات.
وفي هذا السياق، أفادت المصادر بأن فنيش بات مسؤولاً عن ملف الانتخابات، لا سيما مع اقتراب موعد هذا الاستحقاق الدستوري في شهر مايو/أيار المقبل.
شخصيات وهيئات جديدة
كما كشفت المصادر أن رئيس كتلة “حزب الله” البرلمانية النائب محمد رعد مرشح لتولي منصب نائب الأمين العام للحزب، على أن يتولى النائب حسن فضل الله رئاسة الكتلة النيابية في حال تعيين رعد في هذا المنصب.
ويحظى رعد، وهو عضو في مجلس شورى القرار في “حزب الله”، بمكانة مهمة داخل التنظيم، وكان مرشحاً لتولي منصب الأمين العام عقب اغتيال نصرالله وصفي الدين، إلا أن كونه ليس رجل دين حال دون ذلك، بحسب إعلام محلي.
وأوضحت المصادر أن إعادة الهيكلة تشمل أيضاً إنشاء هيئات جديدة، من بينها “هيئة الإعلام” التي يرأسها النائب إبراهيم الموسوي، وتهدف إلى الإشراف على مختلف المؤسسات الإعلامية التابعة للحزب.
العلاقة مع الدولة
ورغم سعي “حزب الله” إلى سدّ النقص في كوادره، تشير المصادر إلى أن هذه التغييرات تهدف كذلك إلى “كسر الجليد” الذي تراكم بينه وبين الدولة اللبنانية، والتمهيد لمرحلة حوار معها، في ظل المتغيرات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما التصعيد الأمريكي ضد إيران، الحليف الإقليمي للحزب.
وقال مصدر آخر قريب من “حزب الله” للأناضول إن استقالة وفيق صفا جاءت في هذا الإطار، موضحاً أن الرجل “تحول في الفترة الأخيرة إلى شخصية جدلية”، ما استدعى نقله إلى مهام أخرى، حفاظاً على علاقة الحزب بالأجهزة الأمنية ومؤسسات الدولة.
وأشار المصدر إلى أن صفا كان يرأس وحدة “الارتباط والتنسيق”، لكنه لعب أدواراً سياسية بارزة في المشهد العام، وأن التغيير الجاري يهدف إلى إعادة تنظيم هذه الوحدة وحصر دورها في الجانب الأمني فقط، أي التنسيق مع الأجهزة الأمنية والعسكرية، لافتاً إلى تعيين حسين عبد الله خلفاً لصفا.
التنسيق مع الحكومة
وفي السياق ذاته، جرى تكليف شخصيات أخرى بالمهام السياسية، إذ بات التنسيق مع الحكومة من اختصاص أحمد مهنا، أو عبر المجلس السياسي في الحزب، الذي يتولى إدارة الملفات السياسية الداخلية، بحسب المصادر.
وكانت حكومة نواف سلام قد أعلنت مطلع عام 2025 أن بيانها الوزاري يتضمن “تحرير الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، والالتزام بالقرار الأممي 1701، واحتكار السلاح بيد الدولة”، من دون الإشارة إلى أي دور لـ”المقاومة”.
وبذلك، سقط للمرة الأولى منذ 25 عاماً بند “المقاومة” الذي كان يشير إلى “حزب الله” من البيان الوزاري، الذي نص على أن “الدولة تدافع عن نفسها بقواها الذاتية، والدولة وحدها تتخذ قراري الحرب والسلم”.
وخلال العدوان الإسرائيلي على لبنان، الذي بدأ في أكتوبر/تشرين الأول 2023 وتحوّل إلى حرب شاملة في سبتمبر/أيلول 2024، قُتل أكثر من 4 آلاف شخص، وأُصيب نحو 17 ألفاً آخرين، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
ورغم الاتفاق، تواصل إسرائيل خرق وقف إطلاق النار بشكل شبه يومي، ما أسفر عن مئات الشهداء والجرحى، إضافة إلى دمار واسع، كما لا تزال تحتل خمس تلال لبنانية سيطرت عليها خلال الحرب الأخيرة، إلى جانب مناطق لبنانية أخرى تحتلها منذ عقود.
(الأناضول)