الوثيقة | مشاهدة الموضوع - السلاح الثقيل ومعبر سيمالكا… أولى خلافات تنفيذ الاتفاق بين دمشق وقسد
تغيير حجم الخط     

السلاح الثقيل ومعبر سيمالكا… أولى خلافات تنفيذ الاتفاق بين دمشق وقسد

مشاركة » الأحد فبراير 08, 2026 7:28 pm

4.jpg
 
في أول اختبار عملي لتنفيذ اتفاق الدمج، توجه وفد من وزارة الدفاع السورية برئاسة رئيس هيئة العمليات في الجيش، العميد حمزة الحميدي، إلى مدينة الحسكة، حيث عقد اجتماعا مع ممثلين عن «قوات سوريا الديمقراطية» لبحث آليات إدماج عناصرها ضمن المؤسسة العسكرية، وترتيبات تطبيق بقية بنود التفاهم الذي أبرم عقب وقف إطلاق النار في شمال شرقي البلاد.
انتهى الاجتماع إلى تفاهمات أولية شملت تبليغ «قسد» بضرورة إعداد قوائم اسمية لعناصر «الأسايش» خلال عشرة أيام، تمهيدا لبدء إجراءات الفرز والدمج، إضافة إلى النقاش حول مناطق انتشار الألوية الكردية ضمن هيكلية الجيش في كل من الدرباسية وعامودا وعين العرب.
وعلمت «القدس العربي» من مصادر مطلعة على نتائج الاجتماع أن وزارة الدفاع طالبت «قسد» بتسليم السلاح الثقيل والمتوسط، وهو ما تحفظ عليه جيا كوباني بهدوء، معتبرا أن هذا السلاح يعود إلى الألوية الثلاثة التي ستشكل نواة «فرقة الحسكة»، وأن من المبكر مناقشة تسليح الفرقة قبل استكمال تشكيلها.
أما في ما يتعلق بالمعابر، فقد طرحت وزارة الدفاع خلال الاجتماع تسليم معبر سيمالكا ـ فيش خابور بشكل فوري، بينما اعتبرت «قسد» أن نص الاتفاق واضح ولا ينص على تسليم معبري سيمالكا ونصيبين، بل على إرسال وفد من هيئة المنافذ والمعابر بهدف «تثبيت الموظفين المدنيين» وتفعيل العمل فيهما.
وبناء على ذلك، اقترحت «قسد» أن ترسل دمشق وفدا مشرفا على عمل المعبر من دون المساس بالكوادر المدنية، في مؤشر إلى أن ملف المعابر لا يزال من أكثر القضايا حساسية في مسار الترتيبات الجديدة.

تمركز ألوية فرقة الحسكة

في سياق متصل، ناقش الوفدان مناطق انتشار الألوية الثلاثة المحتملة. وقال أحد المصادر التي تحدثت إليها «القدس العربي» إن «فوج طرطب» يعد من أكثر المواقع المتوافق عليها ليكون مقرا لأحد ألوية «فرقة الحسكة» المزمع إنشاؤها بقوام ثلاثة ألوية، وفق البند الثالث من اتفاق 30 كانون الثاني/يناير. وكان الفوج، المعروف باسم «54 قوات خاصة»، تابعا للفرقة 17 في جيش النظام السابق، وسمي نسبة إلى تمركزه في قرية طرطب الملاصقة لمدينة القامشلي.
في المقابل، تسعى قيادة «قسد» إلى التمسك بجبل عبد العزيز غربي الحسكة، إلا أنه من غير المتوقع أن توافق دمشق على إنشاء لواء هناك، نظرا لبعد الجبل نسبيا عن المناطق ذات الغالبية الكردية، فضلا عن إشرافه عمليا على مساحات واسعة من ريف المحافظة الغربي.
في الميدان، شكل دخول قوات الأمن الحكومية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي خلال الأيام الماضية الاختبار الفعلي الأول للاتفاق، في خطوة حملت دلالات تتجاوز بعدها الأمني إلى معنى سياسي أعمق يتصل بعودة الدولة إلى واحدة من أكثر مناطق البلاد ابتعادا عن سلطتها خلال سنوات الحرب. ومع انتشار هذه القوات داخل المراكز الرسمية والمناطق الأمنية، بدا المشهد أقرب إلى إعلان تدريجي عن نهاية مرحلة الجغرافيا شبه المستقلة التي حكمت شمال شرقي سوريا، وبداية انتقال رمزي للسيادة من الهياكل المحلية إلى مؤسسات الدولة.
وجاء هذا الانتشار ضمن ترتيبات تقوم على تقليص خطوط التماس وإفساح المجال أمام إدارة أمنية أكثر توحيدا، في محاولة لتفادي أي احتكاك قد يهدد مسار التفاهم. وبينما حرصت الأطراف على تقديم الخطوة بوصفها إجراء إداريا يندرج ضمن عملية الدمج، فإن معناها السياسي يعكس تحولا في ميزان القوة، حيث تتحرك دمشق بثبات لإعادة تثبيت حضورها في منطقة ظلت لسنوات خارج السيطرة المباشرة. ولا يقتصر هذا التحول على البعد العسكري، بل يمس شكل الإدارة ومستقبل السلطة المحلية، إذ يفتح الباب أمام إعادة ربط مؤسسات الشمال الشرقي بهيكل الدولة المركزي، مع احتمال الحفاظ على قدر من الخصوصية الأمنية والإدارية.

شارع الجزيرة.. رفض متصاعد

بالتزامن مع ذلك، فرضت القوات الكردية إجراءات أمنية مشددة شملت حظر تجول مؤقتا في بعض الأحياء، قالت إنه يهدف إلى الحفاظ على الأمن والاستقرار، إلا أن هذه الخطوة ترافقت مع مؤشرات على تصاعد التوتر داخل الشارع المحلي، ولا سيما في المناطق ذات الغالبية العربية.
فقد شهدت مدن تل براك واليعربية والشدادي مظاهرات واعتصامات عبر المشاركون فيها عن رفضهم لاستمرار نفوذ «قسد»، مطالبين بإنهاء سيطرتها على ما تبقى من مناطق في المحافظة وتوسيع انتشار مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية. كما رفع المحتجون شعارات تؤكد وحدة الجغرافيا السورية وترفض أي صيغ تفسر على أنها تمهيد لواقع إداري منفصل.
وذهب بعض المحتجين إلى اعتبار المرحلة الحالية فرصة لإعادة ترتيب السلطة المحلية بعد سنوات من الإدارة شبه المستقلة، مشددين على ضرورة نقل الملفين الأمني والإداري بالكامل إلى الحكومة المركزية، بينما أعلن آخرون دعمهم لقوات الأمن الداخلي السورية باعتبار انتشارها خطوة نحو الاستقرار وإنهاء حالة التعدد الأمني. وتعكس هذه الاحتجاجات تحولات لافتة في المزاج العام داخل أجزاء من محافظة الحسكة، حيث برز خطاب ينتقد تجربة «قسد» في الحكم ويحملها مسؤولية توترات اجتماعية واقتصادية تراكمت خلال سنوات الحرب.

أربيل.. أكثر من محطة سياسية

في موازاة التحركات الميدانية، بدت الاجتماعات التي استضافتها أربيل أقرب إلى محاولة كردية لإعادة التموضع في لحظة إقليمية دقيقة. فلقاء قائد «قسد» مظلوم عبدي مع رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، بحضور القياديتين روهلات عفرين وإلهام أحمد، حمل رسالة واضحة مفادها أن الأكراد لا يفضلون دخول مرحلة الدمج مع دمشق بدون شبكة ضمانات سياسية تتجاوز الداخل السوري.
وتحولت أربيل، في هذا السياق، إلى مركز توازن سياسي تسعى من خلاله القيادات الكردية إلى توسيع هامشها التفاوضي عبر الانفتاح على العمق الكردي والإقليمي، في وقت تتراجع فيه المظلة الأمريكية التي وفرت لسنوات عنصر ردع وحماية نسبية. ويحضر في خلفية هذا الحراك هاجس تكرار تجربة عفرين، حين أدى غياب التفاهمات الدولية إلى خسارة منطقة استراتيجية خلال وقت قصير.
على الضفة الدولية، برز الموقف الفرنسي بوصفه أحد أكثر المواقف الأوروبية وضوحا في دعم مسار الاتفاق، غير أن هذا الدعم يتجاوز لغة الترحيب إلى حسابات أمنية أعمق. فباريس تنظر إلى استقرار الشمال الشرقي باعتباره خط دفاع متقدم ضد عودة تنظيم داعش، خصوصا مع استمرار وجود آلاف المقاتلين المحتجزين في سجون تديرها «قسد»، وهو ملف يثير قلقا أوروبيا متزايدا خشية أي انهيار أمني قد يطلق موجة جديدة من التهديدات العابرة للحدود.
كما يرتبط الاهتمام الفرنسي بملفات الهجرة وأمن المتوسط، إذ إن أي اضطراب واسع في تلك المنطقة قد يدفع موجات نزوح جديدة نحو أوروبا، فضلا عن المخاوف من تشكل فراغات أمنية على الحدود تستغلها جماعات متشددة. وبذلك، يعكس الانخراط الفرنسي إدراكا أوروبيا مبكرا بأن مستقبل الاستقرار في سوريا قد يحسم في الشمال الشرقي، لا في دمشق وحدها.
ختاما، تكشف تصريحات سيبان حمو خلال الأسبوع الأخير عن تحول أعمق في التفكير السياسي لدى قادة «قسد»، إذ يعكس حديثه عن «مرحلة تاريخية» تضع أساسا للاعتراف بالوجود السياسي للكرد إدراكا بأن زمن الحسم العسكري يقترب من نهايته، وأن المعركة المقبلة ستكون سياسية بامتياز، هدفها تثبيت الاعتراف داخل مؤسسات الدولة لا خارجها.
ويشي هذا الخطاب بأن القيادات الكردية باتت أكثر واقعية في مقاربة توازنات ما بعد الحرب، خصوصا مع الضغط الأمريكي على «قسد» والوقوف إلى جانب السلطة المركزية بشكل واضح لا لبس فيه. كما تدرك القيادة الكردية أن الحفاظ على المكاسب لن يتحقق عبر السيطرة الميدانية وحدها، بل عبر تحويلها إلى ترتيبات دستورية وإدارية قابلة للاستمرار.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير