ليس واضحاً حتى الآن ما سيكون شكل المحادثات في سلطنة عمان بين الولايات المتحدة وإيران. وليس واضحاً من سيشاركون فيها وما المواضيع التي ستطرح على جدول الأعمال وكم من الوقت ستستغرق. الجمعة الماضي، ظهر أنه تم التوصل إلى اتفاق بشأن مكان اللقاء: إسطنبول. وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زار تركيا في ذلك اليوم، والتقى نظيره هاكان فيدان والرئيس أردوغان. حسب مصادر تركية، فقد تم الاتفاق على تولي أردوغان رعاية اللقاء الذي يشارك فيه كثيرون، فإلى جانب ممثلي الولايات المتحدة وإيران، سيكون ممثلون عن السعودية وقطر والباكستان ومصر والإمارات. ولكن بعد ذلك، تراجعت إيران وطلبت نقل مكان اللقاء من إسطنبول إلى مسقط، عاصمة عُمان. لم يتم تقديم تفسير رسمي لهذا القرار، سواء من قبل إيران أو تركيا أو أمريكا.
“تركيا تفاجأت من القرار، بل وخاب أملها”، قال للصحيفة محلل تركي يعمل في وسيلة إعلام معارضة للسلطة في أنقرة. “هذا كان يمكن أن يكون مشهد سياسي هام بالنسبة لأردوغان، الذي عمل منذ بداية الأزمة مع إيران بصورة كثيفة للمضي بالمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران”. وحسب تقديره، فإن التغيير نبع من تقدير إيران بأنها قد تجد نفسها أمام منتدى يلزمها بمناقشة مواضيع لم تخضع للنقاش حتى الآن، مثل: تقليص عدد الصواريخ البالستية، وقطع علاقاتها مع وكلائها في لبنان والعراق واليمن.
ولكن لتحديد إطار المفاوضات والقضايا التي ستناقش في اللقاء الأول، لم يكن على إيران تغيير مكان اللقاء. ثمة تقدير آخر يقول إن إيران طلبت وصف اللقاء الحالي كجولة أخرى استكمالاً للجولات الخمسة السابقة مع الولايات المتحدة في نيسان وأيار 2025، وليس كمفاوضات جديدة مع جدول أعمال واسع. حتى الآن، قضية المكان وتشكيلة الوفود لم تنته كلياً. أمريكا التي لم تحول ذلك إلى عائق، وكبادرة حسن نية منها، بدا أن واشنطن مستعدة لعقد اللقاء في سلطنة عمان. ولكن موقع اكسيوس نشر أمس بأن الولايات المتحدة مصرة على أن تكون المحادثات في تركيا.
إذا تم التوصل إلى اتفاق وإجراء المفاوضات في عُمان، فإن موضوعين رئيسيين ربما يكونان في مركز اللقاء: الأول تخفيض منسوب تهديد عسكري من الولايات المتحدة، والآخر الاتفاق على تركيز المحادثات حول قضية النووي وليس أي قضية أخرى. هذان الموضوعان أصبحا شرطاً أساسياً لإيران للموافقة على المفاوضات. “لن نجري مفاوضات تحت التهديد”، أوضح زعماء إيران وأكدوا بأن قضية الصواريخ لن تكون خاضعة للنقاش.
يبدو أن الفجوة بين المواقف الأمريكية والمواقف الإيرانية أوسع من أنه يمكن جسرها، بعد أن أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن المفاوضات يجب أن تعالج أيضاً قضية الصواريخ وعلاقة إيران مع وكلائها ومع تنظيمات إرهابية إقليمية. ولكن لا يمكن تجاهل حقيقة أنه رغم هذه التصريحات، مع ذلك ما زالت طهران موافق على التفاوض تحت تهديد عسكري كبير جداً، وأنها إذا أرادت أن تثمر هذه المفاوضات عن رفع العقوبات المفروضة عليها، فعليها أيضاً مناقشة القضايا الأخرى التي تهتم الولايات المتحدة بمناقشتها.
صيغة الجسر بين هذه الفجوات قد تكون بالموافقة على آلية إدارة هذه المفاوضات على صيغة “خطوة تلو أخرى” التي اقترحها وزير الخارجية التركي هاكان فيدان. وهذه هيكلية تقبلها أيضاً السعودية وقطر ومصر، وربما إيران أيضاً. إن معنى اختيار هذه الهيكلية هو تحديد مراحل زمنية محددة، التي يجب على إيران في كل ة منها تنفيذ إجراء متفق عليه مسبقاً، مثلاً: إجبارها على تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المئة لدولة ثالثة على الفور.
اقترحت روسيا من قبل “خدمة استضافة” كمية اليورانيوم هذه، في حين أن مصدراً تركياً تحدث هذا الأسبوع مع “هآرتس” قال إن تركيا أيضاً ربما تعرض خدمة مشابهة. في المرحلة الثانية، يجب على إيران السماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة النووية، وفي المرحلة الثالثة تدمير ما تبقى من وسائل التخصيب الموجودة في المنشآت النووية. ولكن حتى لو وافقت إيران على اتفاق تدريجي كهذا، فهي ستطلب في المقابل رفعاً تدريجياً ومتفقاً عليه للعقوبات الأمريكية، وأيضاً إلغاء العقوبات الدولية التي فرضت عليها حسب بند “العودة التلقائية للعقوبات” – وهي آلية لإعادة فرض العقوبات على طهران، التي تقررت في الاتفاق النووي الأصلي الذي وقع في 2015. ولكن قبل أي شيء آخر، ستطلب إيران رفع التهديد الأمريكي بالهجوم. الخوف أن إطار اتفاق جديد كهذا سيعطي النظام الإيراني متنفساً وهامش مناورة، وسيزيل أثر الضغط العسكري الذي خلق احتمالية التفاوض.
في خضم التباين بين الخوف من “اتفاق سيئ”، الذي سيعطي إيران تسهيلات، وبين الاعتقاد السائد بأن الحرب الشاملة ضدها هي الطريقة الوحيدة لتحقيق نتائج ملموسة، ربما تلعب الدول العربية وتركيا دوراً محورياً. فقد زار أردوغان السعودية قبل يومين، والتقى مع ولي العهد محمد بن سلمان، وفي اليوم التالي توجه مباشرة إلى مصر وأجرى حواراً مطولاً مع السيسي. ظاهرياً، هذه اللقاءات تناولت التعاون الاستراتيجي بين تركيا وبين هاتين الدولتين، لكن كان أساسها قضية الحرب ضد إيران وطرق وقفها والتأثيرات الإقليمية المتوقعة لها.
هذه الدول حصلت على تقدير كبير من الرئيس ترامب، الذي استمع باهتمام إلى ذرائعها، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحقيق وعودها وإقناع إيران بالموافقة حتى لو على جزء صغير من شروط واشنطن. في الوقت نفسه، أدركت إيران بأن محاولاتها في السنوات الأخيرة لاستئناف علاقتها مع السعودية والإمارات وتعزيز العلاقات مع مصر، لم تكن حصناً منيعاً. إضافة إلى ذلك، لم يصمد شركاؤها الاستراتيجيون، الصين وروسيا، الذين وقعت معهم على اتفاقات تعاون بعيدة المدى، أمام اختبار الدفاع عنها، سواء في حرب الـ 12 يوماً أو الآن في ظل التهديد الأمريكي. والنتيجة، أن إيران وأمريكا تجريان حواراً ثنائياً غير متكافئ، حيث يكون فيه بقاء النظام الإيراني مهدداً في مواجهة مصالح أمريكا الإقليمية، ولا يقين حول من سيتراجع أولاً.
تسفي برئيل
هآرتس 5/2/2026