الوثيقة | مشاهدة الموضوع - فورين بوليسي: أمريكا وحلفاؤها ومعارضو النظام خلقوا حالة يأس لدى الإيرانيين ودفعوهم لتأييد التدخل الخارجي
تغيير حجم الخط     

فورين بوليسي: أمريكا وحلفاؤها ومعارضو النظام خلقوا حالة يأس لدى الإيرانيين ودفعوهم لتأييد التدخل الخارجي

القسم الاخباري

مشاركة » الخميس فبراير 05, 2026 3:30 pm

1.jpg
 
لندن ـ “القدس العربي”:

نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا لنائب مدير معهد كوينسي للحكم المسؤول، تريتا بارسي قال فيه إن السياسة الأمريكية من إيران قامت على تأكيد اليأس بين الإيرانيين، وأن العقوبات الغربية صممت للقضاء على آمال الإيرانيين السابقة في إمكانية حدوث تغيير من الداخل.

وأشار إلى الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة التي ظهر فيها أمر غير مألوف: فإلى جانب الهتافات المطالبة بالحرية وإنهاء الحكم الديني، تتزايد الآن الدعوات للتدخل العسكري الأمريكي. وما كان يعتبر قبل عام واحد فقط خيانة عظمى، بات يسمع علنا ليس فقط بين شخصيات المعارضة في المنفى، بل أيضا في داخل البلاد نفسها.

ويرى بارسي أنه من الصعب تحديد ما إذا كان هذا الشعور يمثل أقلية يائسة أم أغلبية متنامية أم مجرد صدى أعلى لحالة اليأس التي يعيشها الإيرانيون.

إلا أن ظهوره بحد ذاته يشير إلى تحول عميق يوحي بأن اليأس لدى بعض الإيرانيين قد بلغ حدا جعل الخوف من القنابل الأجنبية يتضاءل أمام يأس الحياة في ظل الجمهورية الإسلامية.

الاحتجاجات الإيرانية الأخيرة ظهر فيها أمر غير مألوف: فإلى جانب الهتافات المطالبة بالحرية وإنهاء الحكم الديني، تتزايد الآن الدعوات للتدخل العسكري الأمريكي، وهو ما كان يعتبر قبل عام فقط خيانة عظمى

وبحسب الكاتب فللوهلة الأولى، فهذا قد لا يكون مفاجئا، لأنه عندما يقتل آلاف الأشخاص في غضون ثلاثة أيام وبينما تقوم الدولة بقطع الإنترنت وعزل البلاد عن بقية العالم، فإن الدعوات إلى التدخل العسكري الخارجي قد تكون رد الفعل الطبيعي على نظام أصبح أكثر قسوة من أي وقت مضى، وهو أصل معاناة الشعب الإيراني.

ويضيف أنه لو كان اليأس هو التفسير الواضح، فإنه سيزيد من صعوبة السؤال: كيف ومن الذي دفع الإيرانيين إلى هذه الدرجة من “الحسد” وهم ينظرون إلى ما آلت إليه أفغانستان والعراق وليبيا، وهي أبرز الأمثلة على السجل الكارثي للتدخلات العسكرية الأمريكية؟

ويجيب بارسي أن النظام الديني الإيراني، كما يبدو، يتحمل المسؤولية الرئيسية عن هذا اليأس. فهو يتعامل مع المطالب المحدودة بالإصلاح على أنها بمتابة تهديد وجودي. وقد ضيق النظام بشكل منهجي هامش التغيير التدريجي وجرَم المعارضة وأفرغ الاقتصاد من مضمونه من خلال الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة المزمن.

وفي الوقت الذي تعتبر فيه الحكومة هي المذنب الرئيسي، فإن الكاتب يرى أن هذا المدى العميق من اليأس لم ينتج عنها وحدها.

فبحسبه فقد انتهجت جماعات المعارضة في المنفى والحكومات الغربية استراتيجيات بهدف واضح هو سد أي سبيل بديل للتغيير ودفع الأوضاع السياسية والاقتصادية الداخلية في إيران نحو الانهيار. وقد ساهمت حملة الضغط هذه في إفقار المحرك التقليدي للتغيير السلمي في البلاد: الطبقة المتوسطة، ولا سيما نساء هذه الطبقة. وساهموا، جنبا إلى جنب، مع أكثر عناصر النظام الديني قسوة في تحويل الضغط إلى شلل وتخريب فرص التغيير السلمي وراهنوا بدلا من ذلك على التمزق.

ولأكثر من عقدين حاول الإيرانيون، وبثمن شخصي باهظ تغيير النظام من الداخل وتوجهوا بأعداد غفيرة إلى صناديق الاقتراع ونظموا أنفسهم سلميا ودعموا المرشحين الإصلاحيين وعبأوا الشوارع عندما أحبطت تلك الجهود.

ومع ذلك، فشل مشروع الإصلاح هذا في تحقيق مكاسب ملموسة لمعظم الإيرانيين، وخاصة جيل الشباب. فالاقتصاد أضعف وقد تقلص الفضاء السياسي والجو اليوم أكثر تقييدا مما كان عليه في عهد الرئيس محمد خاتمي. وبكل المقاييس التي تؤثر على الحياة اليومية تقريبا، تراجعت إيران بدلا من أن تتقدم.

وعندما اندلعت احتجاجات مهسا أميني عام 2022، فإنها لم تصدر عن خطاب إصلاحي، بل كان المطلب تغيير النظام والطريق المتصور لتحقيقه هو الثورة.

وعليه، حققت حركة “المرأة، الحياة، الحرية” تحولا ثقافيا عميقا، أجبر الدولة فعليا على تخفيف تطبيق الحجاب الإلزامي. لكنها لم تصل إلى تغيير النظام، تاركة العديد من مؤيديها محبطين.

ومع أن احتجاجات 2026، ركزت في البداية على المظالم الاقتصادية، إلا أن شريحة من السكان طالبت فورا بتغيير النظام، ليس عن طريق الثورة، بل عن طريق التدخل العسكري الأجنبي.

وكانت الحجة وراء هذه المطالب هي أن الجمهورية الإسلامية راسخة في الكيان الإيراني ولا يمكن للشعب وحده إزالتها، سواء بالإصلاح أو الثورة. بل ولا يمكن إزالتها إلا بتدخل الولايات المتحدة أو إسرائيل.

ومن هنا بات أنصار هذا الخيار، الذي كان مستحيلا قبل عدة أشهر، يقدمونه بأنه السبيل الوحيد المتبقي للتغيير.

فقد كتب مستشار لنجل الشاه السابق، الأمير المنفي الذي كان يفترض أن يتولى العرش، والذي يدعو الآن علنا إلى تدخل عسكري أمريكي، رغم سنوات من معارضته المعلنة للحرب مع إيران، قائلا بثقة ودعم بأن العمل العسكري في عهد دونالد ترامب بات “حتميا”.

ويعتقد بارسي أن الشعب الإيراني لم يصل إلى هذه النقطة بالصدفة، فمع أن المتشددين كانوا دائما عازمين على عرقلة الإصلاح، لم يكن السؤال أبدا فيما إن كانوا سيسمحون به، بل فيما إذا كان المجتمع سيتطور بقوة تجعل المتشددين مجبرين على الرضوخ له، تماما كما وافقوا على الاتفاق النووي، المعروف أيضا باسم خطة العمل الشاملة المشتركة.

وهنا، لعبت العقوبات الأمريكية دورا محوريا في مساعدة المتشددين، وفق الكاتب.

ورغم أن سوء إدارة طهران وعدم كفاءتها أدت لنشوء اقتصاد فاسد وغير صحي، فقد صممت العقوبات الأمريكية عمدا لسحق هذا الاقتصاد ودفع الشعب إلى حالة من اليأس الشديد.
وعندما فرض ترامب عقوبات شاملة في إطار حملة “أقصى ضغط”، قال وزير الخارجية آنذاك، مايك بومبيو، لبي بي سي الفارسية إنه إذا أراد الإيرانيون أن يأكل شعبهم، فعليهم الاستجابة للمطالب الأمريكية.

وقد نسب وزير الخزانة الحالي في إدارة ترامب، سكوت بيسنت، علنا حركات الاحتجاج في إيران إلى آثار العقوبات الأمريكية، مستشهدا بالانهيار الاقتصادي وإفلاس البنوك ونقص العملة واضطرابات الاستيراد كدليل على أن الضغط “يؤتي ثماره”، ووصف الاضطرابات التي عمت البلاد بأنها تطور “إيجابي جدا”.

ويرى بارسي أن جدلا زائفا استمر خلال السنوات الماضية وتركز حول العامل المسؤول عن الوضع الحالي في إيران، هل هي العقوبات أم الإدارة الداخلية هي المسؤولة عن الأزمة الاقتصادية في إيران.

والجواب، حسب أحدث الأبحاث هي العقوبات، حيث كشف البحث أنه لولا تأثيرها، لكانت الطبقة المتوسطة في إيران قد نمت بنسبة 17%.

لكن هذا الجدل يغفل جوهر المسألة. وهو أن الهدف من العقوبات كان تدمير الاقتصاد، والقضاء على الطبقة المتوسطة الإيرانية، فبين عامي 2011 و2019، دفع 9 ملايين إيراني من الطبقة المتوسطة إلى براثن الفقر، وكذا توليد ذلك النوع من اليأس الجماعي الذي يجعل القطيعة، بدلا من الإصلاح أو الانتخابات أو التغيير التدريجي، تبدو الخيار الوحيد المتبقي.

وقد أدرك الإصلاحيون الإيرانيون، كما يقول الكاتب، ومنذ زمن طويل أنه بدون تخفيف العقوبات، يستحيل تحقيق إصلاحٍ حقيقي ولا يمكن انقاذ الاقتصادي في هكذا وضع.

وبدون اتفاق مع واشنطن بشأن الملف النووي، كان تخفيف العقوبات أمرا مستحيلا. وقد دفع هذا الإدراك الرئيس حسن روحاني إلى استثمار سياسي كبير في خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي). وتم التوصل إليها رغم الصعاب الجمة. وخلال العامين من استمرار الاتفاقية نما الاقتصاد الإيراني بنسبة تتراوح بين 6 و7 بالمئة سنويا، إلا أن هذه الفرصة لم تدم طويلا. فعندما انسحب ترامب من الاتفاق عام 2018 وأعاد فرض العقوبات، أزال الشرط الأهم لنجاح الإصلاح: النمو الاقتصادي المستدام وظهور طبقة متوسطة قوية قادرة على ممارسة الضغط على الدولة.

في النهاية، وقع الإيرانيون في فخ نظام ديني قمعي وقوى خارجية صممت سياساتها عمدا لبث اليأس في نفوسهم.

وفي نظر كثير من الإيرانيين، فقد مشروع الإصلاح برمته شرعيته بسبب هذا الاستثمار الفاشل في اتفاق مع الولايات المتحدة، وردة فعل حكومة روحاني الضعيفة حين شنت الدولة موجات جديدة من القمع ضد الشعب.

ولو بقيت الولايات المتحدة في الاتفاق النووي، لاستمر الاقتصاد الإيراني في النمو على الأرجح، مما كان سيؤدي إلى توسع الطبقة المتوسطة التي طالما شكلت محرك التغيير السياسي. فطبقة متوسطة أكبر وأكثر ثقة كانت ستعزز المجتمع المدني وتمكن من ممارسة ضغط مستمر على الدولة من موقع قوة، بدلا من المطالبة بثورة أو تدخل عسكري نابع من اليأس.

ويخلص الكاتب للقول إنه في النهاية، وقع الإيرانيون في فخ نظام ديني قمعي وقوى خارجية صممت سياساتها عمدا لبث اليأس في نفوسهم. والمفارقة صارخة فالأصوات نفسها التي ساهمت في إغلاق سبل التفكيك السلمي للنظام الديني، تقدم نفسها اليوم على أنها المنقذة، عارضة التدخل العسكري الأجنبي باعتباره السبيل الوحيد للخلاص، وهو عرض ما كان ليُقبل لولا دفع اليأس الشعب في المقام الأول.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى الاخبار