الوثيقة | مشاهدة الموضوع - ترامب يتورط أكثر في الشرق الأوسط ويخلط الأوراق : ابراهيم درويش
تغيير حجم الخط     

ترامب يتورط أكثر في الشرق الأوسط ويخلط الأوراق : ابراهيم درويش

مشاركة » الأحد فبراير 01, 2026 9:47 am

كعادته يخلط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأوراق ويترك أعداءه وحلفاءه ينتظرون خطوته القادمة. فقد ترك العالم يتكهن حول خطوته القادمة في إيران بعد تعهده بدعم المتظاهرين ضد النظام.
ونشرت صحيفة «نيويورك تايمز» (29/1/2026) تفاصيل عن خطط موسعة باتت تؤشر لتغيير النظام في إيران وإرسال قوات كوماندوز، وليس مجرد ضرب المفاعلات النووية أو منع طهران من مواصلة التخصيب. وفي تغريداته الأخيرة خلط ترامب بين هوسه في «اسطوله الرائع» للضغط على إيران وبين رغبة الأخيرة بعقد صفقة معه. وتساءلت مجلة «إيكونوميست»(29/2026) في افتتاحيتها عن مدى الثقة التي ستوليها إيران بوعود ترامب التفاوض وهي التي آمنت العام الماضي بميله للحل الدبلوماسي، لكنه انضم إلى الحرب الإسرائيلية وفجر مفاعلاتها النووية.
ورغم التحذيرات القادمة من كل الجهات بأن إيران لن تكون عملية سهلة مقارنة مع فنزويلا، إلا أن ترامب مصمم على تصعيد الحرب الكلامية وزيادة الحشود العسكرية.
وبعيدا عما سيقرره ترامب بشأن إيران، فهناك سياسة خارجية جديدة من الشرق الأوسط تقوم على التدخل العسكري وإيمان بتغيير الأنظمة مع أن تجربة الولايات المتحدة في تغيير الأنظمة حول العالم بائسة.
وأثارت نزعة ترامب التدخلية دهشة الكثيرين لكونه كان أول المنتقدين لحروب واشنطن في العراق وأفغانستان. ووعد قاعدته من «أمريكا أولا» بأنه سينهي الحروب الأبدية. وفي ولايته الأولى أعلن عن سحب كامل للقوات الأمريكية في سوريا، قبل أن يتدخل القادة العسكريون ويوقفوا الأمر وأبقوا على عدد من الجنود لحماية الحلفاء في حينه، الأكراد، مع أنه تخلى عنهم في العملية الأخيرة لصالح قوات الحكومة السورية، بشكل أدى لانهيارهم. ويبدو الرئيس ترامب في نزعته القتالية الحالية متماهيا مع فكرة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو الذي بشر بشرق أوسط جديد، طوال الحرب الإبادية على غزة. ومشكلة ترامب في حشوده العسكرية أنه كلما زاد من تهديداته ووعوده بمساعدة الإيرانيين، كلما وضع نفسه في مأزق، وزاد الغموض حول مبررات ما سيقوم به، فلا يوجد حتى الآن أي مبرر يدعوه لتغيير النظام في إيران، ذلك أن هذه المبررات كما تقول «واشنطن بوست» (29/1/2026) تتغير بشكل مستمر. وبدأ هوس ترامب بإيران، بعد الاحتجاجات الأخيرة في إيران حيث وعد بإنقاذ المتظاهرين قائلا لهم إنه قادم لمساعدتهم، ليتراجع بعد أسبوعين، مبررا التراجع أنه تلقى تأكيدات بإلغاء الإعدامات. ويبدو ترامب مندفعا في رغبته بتغيير النظام العالمي وعلى أكثر من جبهة، ففي المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، قدم للعالم مجلسه للسلام الذي قال إنه لن يركز على إعادة بناء غزة فقط ولكن حل النزاعات حول العالم، بالترافق مع الأمم المتحدة أو كبديل عنها.
وأثارت الضربات العسكرية التي شنها ترامب في ولايته الثانية في اليمن ونيجيريا وغيرها، فضلا عن تهديداته باستخدام القوة في أماكن مثل غرينلاند وكولومبيا، مخاوف بين مؤيديه من تنامي النزعة المحافظة الجديدة والتدخلات الأمريكية الفاشلة في أفغانستان والعراق. مع أن استطلاع لمجلة «بوليتيكو» (30/1/2026) كشف أن قاعدة ترامب تؤيد التدخل في الشرق الأوسط ولا تريد المواجهة مع الدنمارك في قضية ضم غرينلاند. ومع ذلك ولا تزال طبيعة التهديدات الأمريكية لإيران غير واضحة. والملاحظ في بيانه الأخير على «تروث سوشيال» أنه نسي المدنيين الذي يزعم أنه يريد حمايتهم وأكد على إيران غير نووية كشرط على ما يبدو بعدم التدخل.
ويرى تشارلز كوبشان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة جورجتاون وكبير المسؤولين في مجلس الأمن القومي خلال إدارة أوباما، أن ترامب تحول من»العزلة الجديدة إلى الإمبريالية الجديدة» خلال العام الماضي، فهو: «يشعر بأنه يحقق مكاسب متتالية ويشعر بالجرأة نتيجة الاستخدام الحازم للقوة العسكرية الأمريكية، ويتطلع إلى تحقيق نصر جديد» كما في فنزويلا.
يعتقد الرئيس ترامب وبالضرورة إسرائيل أن نظام طهران ضعيف بسبب الحرب الأخيرة والعقوبات والاحتجاجات التي هزت المؤسسة الحاكمة، أصبح ضعيفا ولا يمكنه الدفاع عن نفسه، وبالتالي يمكن التخلص منه بسهوله. ولكن فرضيات ترامب بشأن إيران غير واقعية، فكما نقلت صحيفة «نيويورك تايمز»(28/1/2026) عن علي فائز من مجموعة الأزمات الدولية قوله: «يفضل ترامب العمليات منخفضة التكلفة وعالية التأثير. بإمكانه تحقيق تأثير كبير فيما يتعلق بإيران، لكن ليس بتكلفة منخفضة». وأضاف: «يحاول استخدام التهديدات لإجبار إيران على الخضوع، لكنني لا أعتقد أن هذا سينجح. فهذا نظام محاصر، ومجبر على التصرف بتهور، سواء ضد شعبه أو ضد أعدائه في المنطقة». فحتى بعد ضربات حزيران/يونيو، لا تزال إيران قادرة على ضرب أهداف أمريكية وحلفائها في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك إسرائيل والسعودية والإمارات. وقالت سوزان مالوني، الخبيرة في الشؤون الإيرانية ومديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إنه ينبغي أخذ تهديدات إيران على محمل الجد. وأضافت: «لا يمكن لأحد أن يفترض أن إيران لن ترد، وربما ترد كما فعلت في شوارعها، وبأبشع وأعنف ما يمكن». وتابعت قائلةً إن ترامب «لا يرغب في الدخول في صراع طويل الأمد مع إيران».
ومهما كان الأمر، يرى محللون أن ترامب بات عالقا في الشرق الأوسط ويواصل تقاليد رؤساء قبله في التدخل العسكري. وتعبر سياساته، سواء في تهديداته لإيران وخططه لغزة عن مواقف تختلف عما وعد به، سواء من ناحية الإنخراط العسكري أم الاعتماد على الطاقة، ذلك أن الولايات المتحدة أصبحت مستقلة وليست بحاجة لنفط المنطقة، حاجة الصين له. وهو ما جعل الشرق الأوسط أقل أهمية بكثير للأمن القومي الأمريكي اليوم مقارنة بالعقود الماضية، وهي نقطة أقرتها وثائق استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها إدارة ترامب في الخريف الماضي.
إلا أن ترامب خيب كل التوقعات كما يقول الباحث في جامعة ويك فورست، ويل والدورف، بمقال نشرته مجلة «فورين بوليسي» (29/1/2026) وهو أن ترامب لم يلب كل التوقعات منه باستثناءات قليلة، مثل خفض طفيف للقوات في العراق وسوريا ومواجهة إسرائيل في بعض اللحظات الحاسمة، حيث تشير المؤشرات الحالية إلى مزيد من التدخل العسكري الأمريكي في المنطقة بعد انتهاء ولاية ترامب في عام 2029. وقال إن عدد القوات الأمريكية ارتفع منذ تولي ترامب منصبه العام الماضي من حوالي 35.000 إلى 50.000 جندي.
لقد كانت سياسة ترامب في غزة بمثابة عملية بناء دولة، حيث عمل تدريجيا على إضفاء الطابع الأمريكي على السلام وإعادة الإعمار والحكم في مرحلة ما بعد الحرب. قال أحد مستشاري ترامب: «هذا مشروعنا ولقد تمكنا في الأشهر الأخيرة من إنجاز أمور في غزة لم يكن أحد يتوقعها، وسنواصل العمل». وعين ترامب أعضاء دائمين في مجلس السلام الذي سيشرف على غزة من المواطنين الأمريكيين، وعين جنرالا أمريكيا لرئاسة قوة الاستقرار الدولية، ووضع خططا شاملة لإعادة إعمار غزة بعد الحرب على غرار «ريفييرا الشرق الأوسط» التي اقترحها العام الماضي. مع استمرار حماس في تسليحها ونشاطها، يبدو أن ترامب قد يتبنى دور إسرائيل في غزة ويدفع الولايات المتحدة إلى حرب لا نهاية لها، وهي الحرب التي سعى ترامب لإنهائها خلال حملته الانتخابية. وينطبق الأمر نفسه على سوريا، فقد كان ترامب محقا في الانخراط مع النظام الجديد في سوريا، بدلا من عزله، ولكن حتى مع التخفيضات الأخيرة في القوات، لا تزال القوات الأمريكية متواجدة في شمال شرق سوريا. والأكثر إثارة للقلق، أن القوات الأمريكية تعمل الآن على ما يبدو في قاعدة عسكرية جديدة قرب دمشق لعمليات بناء السلام التي تهدف إلى دعم نظام الشرع. وبالمجمل، من المحتمل أن تنجر الولايات المتحدة أكثر إلى الصراعات السياسية الداخلية السورية المعقدة.
وتشير هذه التحركات مجتمعة إلى حقيقة لا لبس فيها: الولايات المتحدة مهيأة للبقاء في الشرق الأوسط لعقود قادمة. وقد يشكك البعض في هذا التقييم بالقول إن سياسات ترامب تمهد الطريق لانسحاب محتمل – أي تهيئة الظروف المناسبة ثم الانسحاب. إلا أن التاريخ، من فيتنام إلى العراق إلى أفغانستان، يظهر أن هذا المنطق غالبا ما يفشل. فالانخراط الأعمق يؤدي إلى انخراط أعمق، ومن المرجح أن يحدث الشيء نفسه في عهد ترامب. إضافة إلى أن ترامب يحيط نفسه بموالين له ويعاني من ضعف في عملية صنع الأمن القومي، ويستشير في السياسة الخارجية، كما يقول، «بشكل أساسي نفسه»، وفي غياب الضوابط والتوازنات قد يصعب عليه الخروج من دائرة الوضع الراهن والتفكير القائم على التكاليف الغارقة. ويتبدى هذا التورط أكثر في غزة، حيث وعد صهر الرئيس جاريد كوشنر في دافوس، ببناء «غزة جديدة»، مليئة بناطحات سحاب أنيقة تطل على مياه البحر الأبيض المتوسط المتلألئة. وقدم خطة لتحويل القطاع المدمر إلى وجهة سياحية رائجة. وكان كوشنر، كما تقول صحيفة «فايننشال تايمز» (28/1/2026) مقتنعا تماما برؤية «غزة الجديدة» هذه، لدرجة أنه أخبر القادة السياسيين ورجال الأعمال في دافوس أنه لن تكون هناك «خطة بديلة» – بل «نجاحا كارثيا» فقط. والحقيقة أن أحلام أمريكا تتناقض مع الواقع على الأرض فغزة اليوم هي أرض يباب حيث تواصل إسرائيل تقييد وصول السلع الأساسية ويموت الأطفال الرضع من البرد القارس وتطلق القوات الإسرائيلية النار على السكان بشكل شبه يومي. ولا تزال إسرائيل تخرق وقف إطلاق النار الهش، وآخرها مقتل 11 شخصا في غارات على القطاع. ويبرز الدمار الشامل العقبات الهائلة التي تنتظر الولايات المتحدة ليس فقط في تنفيذ رؤية كوشنر الخيالية، بل في جعل القطاع صالحا للعيش مرة أخرى لسكانه الفلسطينيين البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة.
وفي الوقت الذي أعلنت فيه أعلنت هيئة من التكنوقراط الفلسطينيين، خلال الأيام الماضية، عن توليها إدارة شؤون القطاع اليومية من حماس. إلا أن إسرائيل ستظل تسيطر على الحدود وحركة المرور. كما أن الهيئة لا سلطة سياسية لها أو أي علاقة بنزع سلاح حماس وغيرها. وهو ما قاله توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا السابق وعضو مجلس السلام في لقائه مع علي شعث، رئيس اللجنة، حسبما أورد موقع «ميدل إيست آي» (27/1/2026).
وطالما تشتت انتباه الإدارة الحالية في ملفات إيران التي هي حرف للنظر عما يجري في أمريكا من اضطرابات بسبب ما تقوم به وكالة الهجرة والجمارك. فيما تظل برامج ترامب لغزة غامضة، ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» (27/1/2026) أن ترامب يتمتع بصلاحيات واسعة في المجلس. وبموجب وثيقة حصلت عليها، فإن المسؤولين الذين يحق لترامب تعيينهم يشملون «ممثلا بارزا» لغزة مهمته الإشراف على هيئة فلسطينية تدير القطاع، إلى جانب اختياره لقائد القوة الدولية المكلفة بتحقيق الاستقرار وتوفير الأمن. كما سيتمتع ترامب بصلاحية الموافقة على القرارات وتعليقها في الحالات الطارئة.
وفي هذا السياق قال المعلق ماكس بوت في مقال بصحيفة «واشنطن بوست» (26/1/2026) إن ترامب يريد من مجلس السلام أن يفعل ما يشاء وأينما يشاء، دون أي قيود أو ضوابط، ويرغب في جني الكثير من المال من وراء ذلك. ومن المفترض أن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لم يكن لديه أدنى فكرة، عندما وافق في تشرين الثاني/نوفمبر على إنشاء مجلس السلام، أنه كان ينشئ منافسا محتملا للأمم المتحدة نفسها. فقد كان هدف المجلس هو إنشاء آلية حكم لغزة خالية من سيطرة حماس. ولم يتحقق هذا الهدف: لا تزال حماس تسيطر على نصف غزة (بينما تسيطر إسرائيل على النصف الآخر) وترفض نزع سلاحها. هذا يجعل من المستحيل تنفيذ خطة البيت الأبيض الطموحة لتحويل منطقة الحرب المدمرة إلى مركز للتكنولوجيا والسياحة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات