لندن- “القدس العربي”:
نشرت مجلة “إيكونوميست” افتتاحية في عددها الجديد تساءلت فيها إن كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يهدف إلى إنشاء ميليشيا شبه عسكرية له من خلال تحصين عناصر وكالة الهجرة والجمارك. وقالت إن أمريكا كانت على حافة الجحيم هذا الأسبوع وحدّقت في الفراغ، قبل أن تتراجع.
ذلك أن التدخل الفدرالي في شوارع مينيابوليس يتجاوز قضية الهجرة بكثير، بقدر ما هو اختبار لقدرة الحكومة على استخدام العنف ضد مواطنيها، وكخط فاصل بين الحرية والاستبداد ولن يكون ما حدث هو الأخير.
فبعد قتل عملاء الهجرة أليكس بريتي في 24 كانون الثاني/يناير، وتشويه إدارة ترامب لسمعة مواطن صالح ووصفه بأنه قاتل سفاح محتمل، كانت أمريكا تنزلق نحو اضطرابات مدنية. ولحسن الحظ، كما تقول المجلة، أظهر المتظاهرون حالة من ضبط النفس، حيث انقلب الرأي العام ضد إدارة الهجرة والجمارك، حتى أن بعض المحافظين باتوا يشككون فيها.
وأدرك دونالد ترامب أن ملف الهجرة، الذي كان في يوم من الأيام من أقوى قضاياه، أصبح عبئا عليه. وفي 26 كانون الثاني/ يناير، سعى الرئيس إلى تهدئة التوترات، بما في ذلك وضع إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس تحت إدارة جديدة.
لكن التوتر لا يزال قائما بين إدارة الهجرة والجمارك والسكان المحليين. ولم يتخل ترامب عن سلطته في فرض قوة شبه عسكرية على الولايات غير الراغبة.
وتقول “إيكونوميست” إن إدارة الهجرة والجمارك لديها مبرر للتواجد في المدن الأمريكية. ويمتلك ترامب تفويضا لترحيل المهاجرين غير الشرعيين. فبعد أن كبح بشكل كبير موجات الهجرة غير الشرعية عبر الحدود الجنوبية، يدعي أنه يبحث عن “أسوأ المجرمين”. وليس هذا ما تقوم به عناصره، ففي الفترة الأخيرة لم تتجاوز نسبة المحتجزين المدانين بجرائم عنف 5%. وبدلا من ذلك، تشير الوسائل الوحشية التي تستخدمها إدارة الهجرة والجمارك إلى أهداف مظلمة أكثر من مجرد مراقبة الهجرة، وذلك لعدة أسباب.
أحدها أن الإدارة الحالية تعتقد على ما يبدو أن إدارة الهجرة والجمارك يجب أن تكون فوق القانون. ففي حماسهم لتحقيق الحصص المحددة وتطبيق ثقافة “القضاء على الطوفان” المتشددة، وجد عملاء إدارة الهجرة والجمارك شهية مفرطة لاستخدام القوة. ومع ذلك، أخبر مسؤولو الإدارة العملاء أنهم يتمتعون بـ”حصانة مطلقة” أثناء قيامهم بواجباتهم، وقد اشتكى أحد القضاة من أنهم تحدوا أوامر المحكمة. وسارعوا إلى وصم بريتي ورينيه غود، وهي امرأة قتلت بالرصاص في وقت سابق، بالإرهاب. وبذلوا جهودا مضنية لضمان خضوع التحقيقات في تلك الجرائم لسيطرتهم الكاملة، مع أن الإفلات من العقاب وصفة لمزيد من العنف.
وتضيف المجلة سببا آخر يثير القلق، وهو أن قادة وكالة الهجرة والجمارك يدوسون على الدستور. فبإصرارهم على أن الشهود والمتظاهرين مجرمون، فإنهم ينكرون على الناس حقوقهم المكفولة في التعديل الأول من الدستور، والمتمثلة في حرية التعبير والتجمع.
وفي ولاية مثل مينيسوتا، عندما يقول رئيس مكتب التحقيقات الفدرالي إنه لا يجوز للناس حمل السلاح في الاحتجاجات، فإنه ينكر حقوقهم المكفولة في التعديل الثاني من الدستور. وعندما يوقف عملاء إدارة الهجرة والجمارك الناس أو يعتقلونهم دون سبب ويفتشون منازلهم دون إذن قضائي، فإنهم ينكرون حقوقهم المكفولة في التعديل الرابع من الدستور.
وتقول المجلة إن نشر عملاء إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس، وهي مدينة ذات عدد قليل نسبيا من المهاجرين غير الشرعيين، يخدم أجندة أوسع ومثيرة للقلق، وهو لفت الانتباه إلى الصوماليين المتورطين في فضيحة المساعدات أو ربما كمسرحية لإخافة الناس وردع جميع أنواع الهجرة إلى أمريكا.
وقد يحاول ترامب أيضا تعزيز الدعم للجمهوريين من خلال تصوير المدن التي يديرها الديمقراطيون على أنها مناطق منكوبة حيث يحمي متطرفون يساريون عنيفون مهاجرين خارجين عن القانون.
أما الاحتمال الأكثر إثارة للقلق، فهو أن الرئيس ترامب ينشئ ميليشيا لا تخضع إلا لإمرته. وأشارت المجلة إلى أنه منذ فرقة “تكساس رينجرز” وحتى استخدام غروفر كليفلاند للجيش وقوات المارشال في تسعينيات القرن التاسع عشر، ينتاب الأمريكيين قلق دوري من الاستخدام غير الخاضع للمساءلة للعنف الحكومي.
وفي الخارج، من السلفادور إلى الفلبين، غالبا ما يحرض الطغاة المحتملون الجيش والشرطة ضد شعوبهم باسم حفظ النظام.
وربما وجد مؤيدو ترامب هذه الحجة مبالغا فيها للغاية. ففي بدايات تاريخها، وضعت أمريكا آليات للحد من سلطة الرئيس. فللمواطنين الحق في حمل السلاح، وللولايات حرس وطني لموازنة الجيش. وينص قانون التمرد على ظروف نادرة يجوز فيها للرئيس قانونيا استخدام الجيش للسيطرة على الحشود ويمكن للمحاكم والكونغرس التدخل.
ومع ذلك، فإن إدارة الهجرة والجمارك في وضعٍ مثالي للتحايل على هذه الحماية. وينتشر المهاجرون غير الشرعيين في جميع أنحاء أمريكا، ويزعم ترامب أن الديمقراطيين يوظفونهم كناخبين. وبالتالي، يستطيع العملاء افتعال استفزازات في أي مكان تقريبا دون عقاب، بما في ذلك أثناء الانتخابات. وعندما يتحول الاحتجاج إلى عنف، يصبح ذلك مفيدا سياسيا ومبررا لنشر المزيد من القوات. وعندما يشكو السياسيون من إدارة الهجرة والجمارك، كما فعل حاكم مينيسوتا وعمدة مينيابوليس، يمكن لوزارة العدل التحقيق معهم بتهمة عرقلة عمل الموظفين الفدراليين.
وتعلق المجلة أن أحد أبرز ملامح ولاية ترامب الثانية هي تراكم السلطة الرئاسية. فحتى لو لم يستخدم الرئيس السابع والأربعون العملاء الفدراليين كأداة قسرية شاملة، فقد يفعل ذلك الرئيس الثامن والأربعون أو التاسع والأربعون، ويجب على الجمهوريين أن يتذكروا أنهم قد يكونون ديمقراطيين. وإذا لم تكن لدى ترامب أي نوايا معادية للديمقراطية تجاه إدارة الهجرة والجمارك، فعليه أن يسعى جاهدا للحد من أنشطتها.
ولن يكون ذلك صعبا، وعلى الرئيس أن يفي بوعده بأن يكون التحقيق في مقتل غود وبريتي “نزيها وشفافا”. وكخطوة أولى على الطريق الطويل لاستعادة ثقة الجمهور، ينبغي تحسين تدريب عملاء إدارة الهجرة والجمارك والتوقف عن ارتداء الأقنعة والبدء في ارتداء كاميرات الجسم وأرقام التعريف. ويجب وضع حد لحصص الترحيل التي تؤدي إلى أساليب وحشية.
وتضيف المجلة أن وزيرة الأمن الداخلي، كريستي نويم، كذبت ويجب إعفاؤها من منصبها.
وبعد أحداث هذا الأسبوع، سيظل شبح الميليشيا الرئاسية قائما، لذا، يتعين على المحاكم أن توضح أن الولايات تستطيع بالفعل مقاضاة العملاء الفدراليين الذين يرتكبون جرائم؛ وأن تفسير إدارة الهجرة والجمارك للدستور خاطئ، وأن الحكومة الفدرالية لا يمكنها التعدي على الولايات. ويجب على الكونغرس محاسبة الإدارة.
وتقول المجلة إن الأمريكيين استيقظوا هذا الأسبوع على تهديد خطير. لكن لا يمكن الدفاع عن جمهورية بالاعتماد على استطلاعات الرأي وحدها. ينبغي على حماة المؤسسات الأمريكية أن ينظروا إلى تغيير ترامب لنبرته لا كإشارة إلى التراخي، بل كفرصة لفرض التغيير.