تغيير حجم الخط     

الجماعات المسلحة تراهن على بقاء الأميركيين.. ولا تعترف بمهلة 30 أيلول! كيف ستنزع الدولة سلاح الفصائل وهي التي احتاجت إلى الدبابات لتعقب النواب؟

مشاركة » الثلاثاء يوليو 21, 2026 2:54 am

5.jpg
 
بغداد / تميم الحسن


لم تعد المشكلة في بغداد تتعلق بما إذا كانت الفصائل ستسلم سلاحها، بل بما إذا كانت تعتبر أن ما سلمته خلال الشهرين الماضيين هو آخر ما ستسلمه.
ومع عودة رئيس الوزراء علي الزيدي من واشنطن، مكرراً موعد الثلاثين من أيلول بوصفه المهلة النهائية لإنهاء السلاح خارج الدولة، كانت الجماعات المسلحة ترسل، في المقابل، رسالة مغايرة.
السلاح يتوقف هنا
وتقول مصادر مطلعة لـ(المدى) إن الفصائل أبلغت الحكومة، بصورة غير مباشرة خلال الأسابيع الأخيرة، بأنها لن تسلم أي سلاح إضافي قبل أن تتأكد من انسحاب الولايات المتحدة الكامل من العراق، لا مجرد إعادة انتشار قواتها أو تغيير مواقعها.
وبحسب المصادر، فإن الفصائل الكبرى، التي قد يصل عددها إلى 10 فصائل، في أعلى تقدير، ما زالت ترفض تسليم السلاح الثقيل، خلافاً لتقديرات الحكومة السابقة التي كانت تتحدث عن عدد أقل من الجماعات الرافضة.
ويستند هذا الموقف، بحسب المصادر، إلى قناعة لدى تلك الفصائل بأن الوجود العسكري الأميركي في العراق لن ينتهي مع نهاية أيلول المقبل.
وكان رئيس الوزراء علي الزيدي قد جدد، خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن، التزامه بموعد 30 أيلول بوصفه المهلة النهائية لتفكيك سلاح الفصائل، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي.
مهلة لا تؤمن بها الفصائل!
لكن المصادر تقول إن الفصائل "لا تعتقد، بأي حال من الأحوال، أن الولايات المتحدة ستغادر العراق خلال تلك الفترة"، مضيفة أن "هناك سوء فهم في ما يتعلق بملف سحب القوات".
وتنقل المصادر عن قادة في تلك الجماعات قولهم إن "الولايات المتحدة ستراوغ في 30 أيلول، ولن تنسحب من كامل الجغرافيا العراقية وفق الشروط التي تطرحها الفصائل"، مشيرة إلى أن "لا توجد أي ضمانات، أو وثيقة مكتوبة، أو اتفاق يؤكد انسحاباً أميركياً كاملاً من العراق، وما سيحدث هو إعادة انتشار، وليس انسحاباً".
وتبعاً لذلك، أبلغت الفصائل الحكومة، بحسب المصادر، بأنها "لن تسلم أي سلاح إضافي، ولا سيما السلاح الثقيل"، وأن ما تسلمته بغداد خلال الشهرين الماضيين "هو كل ما ستحصل عليه".
وترى تلك الجماعات أن هذا الموقف قد يخفف الضغط عن الزيدي في تنفيذ تعهداته، لأنه "لن يكون قادراً على نزع السلاح بالقوة، إذ إن ذلك يتطلب قدرات عسكرية غير متوفرة".
وتستشهد المصادر بحملة اعتقال عدد محدود من النواب، حين دفعت الحكومة بدبابات إلى بغداد، متسائلة: "إذا كانت الدولة احتاجت إلى الدبابات في تلك العملية، فبأي قوة ستواجه الفصائل إذا قررت نزع سلاحها؟"
"ترامب يريد الفخ"
وفي أوساط ما يعرف بـ"المقاومة الإسلامية"، التي تضم بين 7 و10 فصائل، كانت قد تسربت معلومات عن استعداد بعض الجماعات للتخلي عن السلاح، قبل أن تتراجع عن ذلك، معلنة أن قرار تسليمه لا يمكن أن يصدر إلا "بموافقة الإمام المهدي الغائب"، باعتبار أن السلاح يعود إليه.
وتقول مصادر مقربة من تلك الفصائل إن الجماعات المسلحة "تشعر بأن هناك فخاً يريد ترامب أن يوقعنا فيه عبر ملف نزع السلاح".
وتضيف أن تلك الجماعات تعتقد أن "ترامب يريد الإسراع بتجريدنا من السلاح، فيما يعد خطة كبيرة لإسقاط النظام الإيراني".
وبحسب المصادر، فإن هذا الاعتقاد يدفع الفصائل إلى إبقاء "يدها على الزناد"، خصوصاً مع عودة المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران.
وكانت حكومة محمد شياع السوداني قد أجرت، العام الماضي، مفاوضات مع الفصائل بشأن تفكيك السلاح، وأعلنت حينها أن 4 أو 5 فصائل فقط ما زالت ترفض ذلك. لكن حتى الآن لم يعلن سوى فصيلين حل تشكيلاتهما، فيما بقي المشهد العملي الوحيد لتسليم المواقع من نصيب سرايا السلام التابعة للتيار الصدري، التي سلمت مواقعها في سامراء إلى القوات النظامية.
بين "الخردة" والصواريخ الباليستية
وتقول المصادر إن خطة الزيدي تقوم على تسليم جميع الأسلحة المستخدمة خارج إطار "الحشد الشعبي"، فيما تشير التسريبات إلى أن المطالب الأميركية قد تتجاوز هذا السقف.
وكانت مصادر تحدثت في وقت سابق لـ(المدى) قد وصفت الأسلحة التي تسلمتها الحكومة بأنها "خردة"، في حين تصر واشنطن، بحسب تلك المصادر، على أن الفصائل ما زالت تمتلك أسلحة ثقيلة وصواريخ باليستية حصلت عليها من إيران، وترفض تسليمها إلا بقرار من طهران.
ولهذا تبدو زيارة الزيدي المرتقبة إلى طهران، الخميس المقبل، جزءاً من محاولة إقناع الإيرانيين بالمساعدة في إقناع الفصائل بالتخلي عن سلاحها، في مهمة تبدو أكثر تعقيداً من محادثاته في واشنطن.
"بغداد أهم من قطر وباكستان"
ويقول قيادي في الإطار التنسيقي لـ(المدى) إن موعد زيارة الزيدي إلى طهران "كان يفترض أن يكون الثلاثاء، لكن إيران لم توافق بسبب ترتيبات داخل الجمهورية".
ويضيف أن الزيدي، الذي بات يوصف داخل المنظومة الشيعية بأنه "واسع الخيال"، يعتقد أن بغداد قادرة على لعب دور أكبر في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة.
ويقول القيادي إن الأوساط الشيعية استقبلت زيارة واشنطن بـ"برود"، ولم تر فيها إنجازات حقيقية، مضيفاً أن الزيدي "غير مقتنع بالدور الذي تلعبه قطر أو باكستان في التهدئة بين واشنطن وطهران، ويعتقد أن بغداد أكثر أهمية وأقدر على أداء هذا الدور".
غير أن القيادي يشكك في فرص نجاح هذا المسار، قائلاً إن "الولايات المتحدة ستعطل أي دور وساطة للعراق، وقد تقتل الوسطاء كما فعلت في حادثة مطار بغداد عام 2020". ويشير إلى أن اغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وقائد "فيلق القدس" الإيراني قاسم سليماني جاء، بحسب روايته، في وقت كانت تجرى فيه ترتيبات لنقل رسالة من المرشد الإيراني علي خامنئي عبر رئيس الوزراء الأسبق عادل عبد المهدي إلى العاهل السعودي.
ويرى أن هذه الجولات الخارجية يقوم بها كل رئيس حكومة جديد لتقديم نفسه بوصفه نموذجاً مختلفاً، لكنه يعتقد أن الزيدي سيكون أكثر اهتماماً بمحطاته المقبلة في تركيا والسعودية وسوريا، وهي زيارات "لا تبدو مريحة للإطار التنسيقي".
وعاد رئيس الوزراء علي الزيدي، الأحد، إلى بغداد، مختتماً زيارته الرسمية إلى الولايات المتحدة، قبل أن يعيد ترتيب محطات جولته الخارجية.
فبعد واشنطن، توجه الزيدي إلى قطر لتقديم التعازي بوفاة والد أميرها، على أن يزور طهران يوم الخميس المقبل، ثم تركيا في 28 تموز، مع زيارة محتملة إلى السعودية.
وكان البرنامج الأولي يقضي بأن تشمل الجولة تركيا ثم السعودية مباشرة بعد واشنطن، في إطار تحرك اقتصادي واستثماري، إلا أن إدراج طهران بين المحطتين أعاد التذكير بمسار اتبعه معظم رؤساء الحكومات العراقية، حيث كانت العاصمة الإيرانية غالباً أول محطة بعد أي زيارة إلى الولايات المتحدة.
رسائل النار سبقت عودة الزيدي
وبينما كان رئيس الحكومة يجري لقاءاته في واشنطن، كانت الأوضاع الأمنية داخل العراق تتجه نحو التصعيد، في مشهد اعتبرته أوساط سياسية رسالة استباقية تجاه أي تفاهمات قد يكون الزيدي قد توصل إليها مع الإدارة الأميركية.
وشهد إقليم كردستان سلسلة هجمات متتالية استهدفت، بحسب تقارير أمنية، محيط القنصلية الأميركية في أربيل، ومعسكر القوات الأميركية قرب مطار المدينة.
وامتدت الضربات إلى مستودعات عسكرية تابعة لقوات البيشمركة في منطقة طاسلوجة بمحافظة السليمانية، كما استهدفت مستودعات جهاز مكافحة الإرهاب في منطقة قلعة جولان، فضلاً عن مقرات ومعسكرات المعارضة الكردية الإيرانية في أربيل والسليمانية.
تفكيك النفوذ قبل تفكيك السلاح
ويعتقد أحمد الياسري، رئيس المركز العربي-الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، أن الزيدي ألزم نفسه بإيجاد حلول لملف الفصائل المسلحة، لكنه لم يلزم نفسه بخيار المواجهة العسكرية.
ويقول الياسري لـ(المدى) إن كثيرين يتوقعون أن يقود ملف السلاح إلى مواجهة مباشرة، "لكن عملياً لا يوجد حديث عن حلول عسكرية".
ويرى أن رئيس الحكومة قدم عناوين عامة، ركز فيها على مكافحة الفساد وملاحقة الفاسدين، معتبراً أن جزءاً أساسياً من هذا المشروع يقوم على تقييد حركة الفصائل عبر القانون والقضاء، واستهداف الشبكات الاقتصادية والإدارية التي توفر لها الحماية، وهي، بحسب وصفه، "شبكات فساد ترتبط بالفصائل وتؤمن لها مصادر القوة والنفوذ".
ويضيف أن إضعاف تلك الشبكات يمثل مرحلة أولى في مشروع أكبر لتقليص قدرة الفصائل على التأثير، قبل الوصول إلى مرحلة تفكيك السلاح، وهي خطوة تحتاج، برأيه، إلى إمكانات عسكرية وسياسية لا تبدو متوفرة في الوقت الحالي.
وفي 28 من حزيران الماضي، اتخذ الزيدي خطوة غير مسبوقة عندما دفع بالدبابات إلى المنطقة الخضراء، في إطار حملة استهدفت ملاحقة مسؤولين ونواب متهمين بالفساد، وتعقب أموال يعتقد أن لها صلة بالحرس الثوري الإيراني.
صفقة الصمت
ويرى الياسري أن التصعيد العسكري الأخير كشف مؤشراً آخر لا يقل أهمية، إذ لم تستهدف الفصائل حتى الآن القواعد الأميركية داخل العراق، وهو ما يفتح الباب، بحسب تقديره، أمام احتمال وجود تفاهم غير معلن مع الحكومة.
ويقول إن نجاح الزيدي في تفكيك الأغطية السياسية التي تتحرك تحتها الفصائل سيعني عملياً أنه بدأ مشروع تقليص نفوذها، حتى وإن لم يعلن ذلك رسمياً.
ويضيف أن منع استهداف المصالح الأميركية قد يكون بدوره دليلاً على وجود اتفاق، أو على الأقل حالة من التناغم الجزئي وغير المعلن بين بغداد وواشنطن.
ومع ذلك، يؤكد الياسري أن الزيدي "حتى الآن لم يخل بأي اتفاق مع الأميركيين"، معتبراً أن ما يجري في العراق ينسجم مع الاستراتيجية التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والقائمة على جعل العراق دولة محايدة، أو على الأقل تحييده عن صراعات المنطقة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات