تغيير حجم الخط     

لو لم تُنهب تريليونا دولار منذ 2003.. كيف كان سيكون العراق اليوم؟ : إيهاب مقبل

مشاركة » السبت يوليو 04, 2026 1:55 am

ما قاله منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الحكومة العراقية علي الزيدي، بشأن تجاوز الأموال المسروقة من الدولة العراقية حاجز التريليوني دولار منذ عام 2003 ليس مجرد تصريح عابر، بل يمثل اتهامًا خطيرًا يعكس حجم الأزمة التي واجهتها الدولة العراقية خلال أكثر من عقدين. وإذا صحت هذه الأرقام، فإن العراق لم يخسر أموالًا فحسب، بل خسر فرصًا تاريخية كان يمكن أن تنقل البلاد إلى مصاف الدول المتقدمة في المنطقة والعالم.

إن مبلغ تريليوني دولار ليس رقمًا عاديًا في الاقتصاد العالمي، فهو يعادل تقريبًا عشر سنوات أو أكثر من الموازنات العراقية الحالية مجتمعة، ويوازي ميزانية سنوية كاملة لدول صناعية كبرى مثل فرنسا وألمانيا واليابان. ولو جرى استثمار هذا المبلغ بصورة مدروسة وشفافة، لكان العراق اليوم يعيش واقعًا مختلفًا تمامًا.

وإذا ما قُسِّم هذا المبلغ نظريًا على عدد سكان العراق البالغ نحو 48 مليون نسمة في عام 2026، فإن حصة كل مواطن عراقي ستبلغ نحو 41,700 دولار أمريكي، في حين ستحصل الأسرة العراقية المكونة من خمسة أفراد على ما يقارب 208 آلاف دولار. غير أن القيمة الحقيقية لهذه الثروة لا تكمن في توزيعها النقدي المباشر، بل في استثمارها لبناء اقتصاد قوي وخدمات مستدامة تضمن الرفاه والاستقرار للأجيال المتعاقبة.

كان بالإمكان إنهاء أزمة الكهرباء بصورة نهائية عبر إنشاء عشرات محطات الإنتاج الحديثة، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، والاستثمار في الغاز والطاقة الشمسية، بحيث يحصل المواطن العراقي على خدمة كهربائية مستقرة على مدار الساعة. كما كان من الممكن بناء شبكة متطورة من الطرق السريعة والسكك الحديدية والمترو والمطارات والموانئ، لتتحول البلاد إلى مركز تجاري ولوجستي يربط الخليج بآسيا وأوروبا.

وفي قطاع التعليم، كان يمكن تشييد آلاف المدارس الحديثة وإنهاء مشكلة الاكتظاظ والدوام المزدوج والثلاثي، وإنشاء جامعات ومراكز أبحاث قادرة على المنافسة الإقليمية والدولية، إلى جانب إرسال أعداد كبيرة من الطلبة للدراسة في أفضل المؤسسات العلمية العالمية. أما القطاع الصحي، فكان بإمكانه أن يشهد ثورة حقيقية من خلال بناء مستشفيات متطورة، وتوفير نظام تأمين صحي شامل، وتطوير صناعة الأدوية، واستعادة الكفاءات الطبية العراقية المهاجرة.

ولم تكن التنمية لتقتصر على الخدمات الأساسية فقط، بل كان من الممكن تنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد شبه الكامل على النفط. فاستصلاح الأراضي الزراعية، وإنشاء الصناعات التحويلية والبتروكيماوية، ودعم التكنولوجيا والابتكار، كانت كفيلة بتوفير ملايين فرص العمل وتقليص البطالة والفقر بصورة جذرية.

ومن الناحية المالية، فإن إنشاء صندوق سيادي بقيمة تريليوني دولار، بعائد سنوي متحفظ لا يتجاوز خمسة في المئة، كان سيولد نحو مئة مليار دولار سنويًا دون المساس برأس المال الأصلي. وهذا وحده كان كافيًا لتمويل جزء كبير من الإنفاق الحكومي والخدمات العامة لعقود طويلة، وضمان حقوق الأجيال القادمة، كما فعلت بعض الدول التي أحسنت إدارة ثرواتها الطبيعية.

لكن الواقع سار في اتجاه مختلف. فقد أدى انتشار الفساد، وضعف مؤسسات الرقابة، والمحاصصة السياسية، وتداخل المصالح الحزبية والشخصية، إلى استنزاف الموارد الوطنية وتحويل جزء كبير منها إلى ثروات خاصة وممتلكات داخل البلاد وخارجها. وبدلًا من أن تصبح الثروة النفطية أداة لبناء الإنسان والمؤسسات، تحولت في كثير من الأحيان إلى وسيلة للصراع على النفوذ والمكاسب.

ولا تكمن خطورة الفساد في الأموال المفقودة وحدها، بل في تدمير الثقة بين المواطن والدولة. فعندما يرى المواطن مسؤولين يمتلكون عشرات العقارات وثروات لا يمكن تفسيرها بالدخل المشروع، تتراجع هيبة القانون وتضعف فكرة العدالة والمساواة، ويتولد شعور عام بأن الدولة لا تخدم الجميع بالقدر نفسه.

ومع ذلك، فإن التعامل مع الأرقام الضخمة يجب أن يتم بحذر ومسؤولية علمية وقانونية. فالتقديرات المتعلقة بحجم الأموال المنهوبة أو المهدورة تحتاج إلى تدقيق مستقل وشفاف، يميز بين الاختلاس المباشر وسوء الإدارة والخسائر الناتجة عن الفساد الإداري والفرص الاقتصادية الضائعة. غير أن الاختلاف حول الرقم لا يلغي الحقيقة الأساسية، وهي أن العراق دفع ثمنًا باهظًا للفساد، ليس فقط بالأموال، بل بالتنمية والاستقرار ومستقبل أجياله.

إن استعادة العراق لمكانته لا تتطلب استرجاع الأموال المنهوبة فحسب، بل تستوجب إعادة بناء منظومة الحكم على أسس النزاهة والكفاءة والمساءلة وسيادة القانون. فالثروات الطبيعية الهائلة التي يمتلكها البلد لا تزال قادرة على صناعة مستقبل أفضل، شرط أن تتحول إدارة المال العام من منطق الغنيمة إلى منطق الدولة، ومن خدمة المصالح الخاصة إلى خدمة المجتمع بأكمله.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات