تغيير حجم الخط     

لماذا تغلغلت القوات الإسرائيلية في صحراء النجف تحديدًا؟ إيهاب مقبل

مشاركة » الاثنين مايو 11, 2026 9:51 pm

أثارت التقارير التي تحدثت عن وجود موقع عسكري إسرائيلي سري في صحراء النجف العراقية موجة واسعة من الجدل السياسي والأمني، ليس فقط بسبب حساسية الوجود الصهيوني المحتمل داخل العراق، بل أيضًا بسبب طبيعة المنطقة التي قيل إن القاعدة أُنشئت فيها. فاختيار الصحراء الجنوبية الغربية للعراق لا يبدو عشوائيًا من منظور عسكري واستخباراتي، بل يرتبط بجملة من العوامل الجغرافية والاستراتيجية التي تجعل تلك المنطقة بيئة مثالية نسبيًا للعمليات السرية.

الصحراء الواسعة.. ميزة التخفي الأولى
أول ما يمنح صحراء النجف والأنبار أهمية عسكرية هو اتساعها الهائل وقلة الكثافة السكانية فيها. فهذه المناطق تمتد على مساحات مفتوحة يصعب مراقبتها ميدانيًا بشكل دائم، كما أن وجود التجمعات البشرية فيها محدود للغاية مقارنة بالمناطق الحضرية في وسط العراق وجنوبه.

في العقائد العسكرية الحديثة، تُعد البيئات الصحراوية الشاسعة من أفضل المناطق لإنشاء نقاط عمليات مؤقتة أو مراكز استطلاع سرية، لأنها تقلل احتمالات الرصد البشري المباشر، وتوفر حرية حركة عالية للوحدات الخاصة والمركبات العسكرية والطائرات المسيّرة.

كما أن الطبيعة الصحراوية تمنح القوات المتخفية قدرة على تغيير مواقعها بسرعة، والاعتماد على منشآت متنقلة بدل القواعد الثابتة التقليدية.

قرب استراتيجي من الحدود والممرات الجوية
العامل الثاني يتمثل في الموقع الجغرافي للمنطقة. فصحراء النجف والنخيب تقع بالقرب من عقدة إقليمية تربط العراق بالأردن والسعودية وسوريا، وهي مناطق ذات أهمية كبيرة في أي صراع إقليمي مرتبط بإيران أو المشرق العربي.

هذا القرب يمنح أي قوة عسكرية محتملة عدة مزايا: “سهولة الوصول إلى مسارات جوية أقل ازدحامًا، تقليل زمن التحرك للطائرات المسيّرة أو وحدات الاستطلاع، إمكانية مراقبة طرق الإمداد والتحركات الإقليمية، وتوفير عمق جغرافي بعيد عن المدن الرئيسية”.

ومن منظور العمليات الخاصة، فإن المناطق الحدودية المفتوحة تُستخدم عادة كنقاط عبور أو ارتكاز مؤقتة في المهام السرية بعيدة المدى.

ضعف التغطية الرادارية وصعوبة المراقبة المستمرة
رغم امتلاك العراق منظومات مراقبة جوية وأمنية، إلا أن تغطية المساحات الصحراوية الشاسعة بشكل متواصل تمثل تحديًا لوجستيًا وتقنيًا معقدًا، خصوصًا في المناطق البعيدة عن القواعد العسكرية الرئيسية.

وتعتمد الجيوش الحديثة في العمليات السرية على استغلال “الثغرات الزمنية” في المراقبة، وليس غياب الرقابة بالكامل. بمعنى أن مجرد صعوبة المتابعة المستمرة قد تكون كافية لتنفيذ عمليات محدودة أو إنشاء مواقع سرية مؤقتة دون اكتشاف سريع.

كما أن التضاريس الصحراوية المنبسطة تسمح للطائرات بالتحليق المنخفض أحيانًا، وتوفر مساحات مناسبة لهبوط الطائرات العمودية أو المسيّرات الكبيرة بعيدًا عن أعين السكان.

البنية التحتية المهجورة والقواعد القديمة
من العوامل المهمة أيضًا وجود منشآت وقواعد عسكرية قديمة تعود إلى حقب سابقة، خصوصًا من زمن الجيش العراقي قبل عام 2003. فالعراق يمتلك عددًا كبيرًا من المدارج الصحراوية والمواقع المهجورة التي تضررت أو خرجت من الخدمة بعد الحروب المتعاقبة.

هذه المواقع، حتى وإن كانت مدمرة جزئيًا، توفر مزايا مهمة: “طرق وصول معبدة نسبيًا، مساحات مناسبة للهبوط والإقلاع، بنية يمكن إعادة تفعيلها بسرعة، وإمكانية التمويه داخل منشآت قائمة أصلًا”.

وفي كثير من العمليات العسكرية السرية عالميًا، يُفضل استخدام منشآت قديمة بدل بناء قواعد جديدة تلفت الانتباه عبر صور الأقمار الصناعية.

قربها من مسارات الصراع الإقليمي
لا يمكن فصل أهمية صحراء العراق الغربية والجنوبية عن موقعها ضمن شبكة الصراعات الممتدة بين إيران والكيان الصهيوني وأمريكا الشمالية والفصائل المسلحة في المنطقة.

فالمنطقة تقع عمليًا قرب خطوط التماس غير المباشرة المرتبطة بـ: “طرق الإمداد بين إيران وسوريا ولبنان، تحركات الفصائل المسلحة العراقية، والمجال الجوي المؤثر في أي مواجهة إقليمية واسعة”.

ومن هنا، فإن أي وجود استخباراتي أو عسكري سري قد يكون مرتبطًا بأهداف مثل: “الرصد الإلكتروني، مراقبة التحركات العسكرية، توجيه الطائرات المسيّرة، تنسيق الضربات أو عمليات الإغتيال، وتوفير الدعم اللوجستي للعمليات بعيدة المدى”.

هل يمكن الحديث عن المزيد من “القواعد الإسرائيلية” داخل العراق؟
في إطار الجدل الإعلامي، ظهرت بعض الروايات التي تلمّح إلى احتمال وجود نقاط عملياتية أو مواقع سرية أخرى، إلا أن هذه الادعاءات لا تستند إلى أدلة مؤكدة أو صور أقمار صناعية أو معلومات إستخباراتية.

وبالتالي، إذا تم التعامل مع الفكرة من زاوية تحليلية بحتة، فإن السيناريوهات التي يُفترض أنها “الأكثر قابلية للطرح نظريًا” من قبل بعض التحليلات العسكرية تشمل:

غرب الأنبار: بسبب المساحات الصحراوية الواسعة وقربها من الحدود الأردنية والسورية.

منطقة النخيب: عقدة جغرافية بين الأنبار وكربلاء والنجف.

بعض المناطق الصحراوية جنوب الموصل أو الجزيرة العراقية: لطبيعتها المفتوحة وبعدها النسبي عن المدن.

أطراف الحدود السورية–العراقية: لأنها تشهد أصلًا نشاطًا استخباراتيًا وعسكريًا متنوعًا منذ سنوات.

قواعد مهجورة من عهد الجيش العراقي السابق: إذ يمكن نظريًا استغلال مدارج أو منشآت قديمة.

وتستند هذه “التصورات النظرية” إلى نفس العوامل الجغرافية المعروفة في الدراسات العسكرية: “اتساع الصحراء، ضعف الرقابة المستمرة، البنية التحتية المهجورة، والقرب من مسارات الصراع”.

الخلاصة
تحوّلت صحراء النجف إلى نقطة جدل إقليمي بعد تقارير وتسريبات تتحدث عن نشاط إسرائيلي سري في عمق الصحراء العراقية. ما يجعل هذه الرواية مترابطة “منطق الجغرافيا”: مساحة شاسعة بلا رقابة كثيفة، حدود ملتهبة، ممرات جوية حساسة، وبنية عسكرية قديمة يمكن إعادة توظيفها بعيدًا عن الأنظار.

في هذا المشهد، لا تبدو صحراء العراق مجرد فراغ جغرافي، بل مساحة مثالية في نظر الاستراتيجيات الإسرائيلية السرية: بعيدة عن المدن، قريبة من خطوط الصراع، وصعبة التتبع بشكل دائم. لذلك، حتى دون حسم حقيقة الوجود من عدمه، تبقى المنطقة مرشحة دائمًا لأن تكون جزءًا من روايات الظل في حروب لا تُعلن كلها على الأرض.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات