في وقتٍ يستعد فيه العراق لدخول ذروة الطلب الصيفي على الكهرباء، تتزايد المؤشرات على أن منظومة الطاقة ستواجه تحديات معقدة قد تصعب من تأمين الإمدادات بشكل مستقر.
فبين تذبذب إمدادات الغاز المستورد، لا سيما من إيران، ومحدودية استثمار الغاز المصاحب محلياً، تبرز فجوة واضحة بين الإنتاج الفعلي والطلب المتصاعد الذي يتجاوز قدرات الشبكة الوطنية سنوياً.
وتتزامن هذه التحديات مع تباطؤ تنفيذ مشاريع البنى التحتية، وعدم اكتمال خطوط الربط والاستيراد مع دول الجوار، فضلاً عن الاعتماد الكبير على الوقود الأحفوري في توليد الطاقة مقابل حضور محدود لمصادر الطاقة المتجددة.
سيناريو القطع “غير المبرمج”
ومع ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية خلال أشهر الصيف، يزداد الضغط على المنظومة الكهربائية، ما ينذر بعودة سيناريو الانقطاعات المتكررة وساعات التجهيز المحدودة، في ظل غياب حلول جذرية سريعة تعالج اختلالات هذا القطاع الحيوي.
المتحدث باسم وزارة الكهرباء أحمد موسى، يقول إن الوزارة تواصل تنفيذ خطتها لمواكبة ذروة فصل الصيف عبر أعمال الصيانة والتوسعة ورفع جاهزية قطاع النقل، بهدف تحقيق استقرارية في تجهيز الطاقة الكهربائية، رغم أن الطلب يتجاوز الإنتاج المخطط له والبالغ 28 إلى 30 ألف ميغاواط.
ويوضح أن التحدي الأبرز يتمثل في نقص الغاز المحلي والمستورد نتيجة تراجع الإنتاج وتذبذب الإمدادات، ما ينعكس بشكل مباشر على توليد الطاقة ويزيد الضغط على المنظومة قبيل ذروة الأحمال الصيفية.
ويضيف أن الوزارة تعمل على استكمال مشاريع الربط الكهربائي مع دول الجوار، من بينها تركيا والأردن بقدرة تصل إلى 150 ميغاواط في المرحلة الثانية، إضافة إلى مراحل متقدمة مع دول الخليج، إلا أن هذه المشاريع تحتاج إلى إقرار الموازنة لتأمين التمويل اللازم لشراء الطاقة.
ويبيّن موسى أن مشاريع الطاقة الشمسية تمثل أحد البدائل المهمة، حيث دخلت إلى الخدمة 254 ميغاواط من مشروع البصرة و50 ميغاواط من مشروع كربلاء، مع استمرار العمل على إدخال المرحلة الثانية ومشاريع أخرى في عدد من المحافظات.
ويختتم موسى بالقول إن خطة الوزارة باتت في مراحلها النهائية، إلا أن نقص الغاز يبقى العامل الأكثر تأثيراً على إنتاج الطاقة وساعات تجهيز الكهرباء خلال موسم الذروة الصيفي.
ويعتمد قطاع الكهرباء في العراق بشكل كبير على محطات توليد حرارية تعمل بالغاز والوقود السائل (النفط الأسود/ المازوت)، مع مساهمة محدودة للطاقة الكهرومائية وبعض مشاريع الطاقة الشمسية التي لا تزال في بداياتها.
وتبلغ القدرة الإنتاجية الرسمية المعلنة بين 28 إلى 30 ألف ميغاواط في أفضل الظروف التشغيلية، لكن الإنتاج الفعلي غالباً ما يكون أقل بسبب نقص الوقود وأعطال الشبكة.
في المقابل، يرتفع الطلب على الكهرباء في العراق خلال فصل الصيف إلى مستويات عالية جداً نتيجة درجات الحرارة التي تتجاوز 50 درجة مئوية، حيث يصل الاستهلاك إلى نحو 35 إلى 40 ألف ميغاواط في أوقات الذروة، ما يخلق فجوة واضحة بين الإنتاج والطلب تتراوح بين 7 إلى 15 ألف ميغاواط.
تحذيرات الخبراء
يقول الخبير الاقتصادي محمد الحسني، إن العراق يتجه نحو “أزمة طاقة حقيقية” خلال فصل الصيف المقبل، في ظل مؤشرات متزايدة على تراجع الإمدادات وارتفاع الطلب على الكهرباء.
وينبه إلى أن التحديات لا تقتصر على ارتفاع الاستهلاك الموسمي، بل تشمل أيضاً توقف أو تراجع إنتاج عدد من الحقول النفطية والغاز المصاحب، ما يقلل من كميات الوقود المتاحة لمحطات التوليد، ويزيد من الضغط على المنظومة الكهربائية.
ويشير إلى أن البلاد “تواجه كذلك محدودية في الغاز الوطني المنتج محلياً، مقابل عدم اكتمال عدد من خطوط الاستيراد من دول الجوار، إلى جانب تذبذب كميات الغاز المستورد من إيران، وهو ما يضع قطاع الكهرباء أمام فجوة واضحة في الإمدادات”.
ويؤكد الحسني أن استمرار هذا الوضع من دون حلول عاجلة سيؤدي إلى زيادة ساعات الانقطاع خلال ذروة الصيف، في ظل غياب بدائل جاهزة قادرة على سد النقص الحالي في الوقود المستخدم لتشغيل المحطات.
ويعتمد العراق بشكل كبير على الغاز لتشغيل محطات الكهرباء، ويحتاج فعلياً إلى ما يقارب 1.4 إلى 1.6 مليار قدم مكعب قياسي يومياً من الغاز لضمان تشغيل مستقر للمحطات. لكن الإنتاج المحلي من الغاز المصاحب لا يغطي هذه الحاجة، إذ يتم حرق كميات كبيرة منه بسبب ضعف الاستفادة والمعالجة، ما يفرض الاعتماد على الاستيراد.
وبسبب هذا النقص، يستورد العراق كميات من الغاز من الخارج، خصوصاً من إيران، تتراوح في بعض الفترات بين 40 إلى 50 مليون متر مكعب يومياً من الغاز أو ما يعادله من الطاقة، إضافة إلى استيراد الكهرباء مباشرة عبر خطوط ربط بطاقة قد تصل إلى 1200 إلى 1500 ميغاواط في بعض المواسم.
قراءات نفطية
يرى الخبير النفطي ضرغام محمد علي أن العراق يمكنه التخفيف من أزمة الطاقة عبر إطلاق مشاريع واسعة لاستثمار الغاز المصاحب، إلى جانب تطوير حقول الغاز الحر ضمن خطط طويلة الأجل، بما يسهم في سد جزء من الحاجة المحلية للوقود المستخدم في توليد الكهرباء.
ويضيف أن الحلول لا تقتصر على الغاز فقط، بل تشمل التوجه نحو تنويع مصادر التوليد من خلال الاستثمار في الطاقات المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، عبر إنشاء محطات حديثة قادرة على دعم المنظومة الكهربائية.
ويلفت إلى أن من الخيارات المطروحة أيضاً “التوجه مستقبلاً نحو التعاقد على محطات توليد نووية”، والتي من شأنها تقليل الاعتماد على الغاز المستورد وخفض كلف الإنتاج وتعزيز استقرار منظومة الطاقة على المدى البعيد.
رأي مخالف
في المقابل، يخالف الخبير النفطي حمزة الجواهري هذه التقديرات، مؤكداً أن وضع الطاقة في العراق هذا العام يبدو أكثر استقراراً مقارنة بالسنوات الماضية.
ويبين أن مستويات إنتاج الغاز المصاحب كانت بحدود 60%، مشيراً إلى أن عودة إنتاج النفط إلى مستويات جيدة ساهمت في زيادة كميات الغاز المستخرج من الحقول النفطية، الأمر الذي انعكس إيجاباً على تجهيز محطات التوليد وتقليل الضغوط على قطاع الكهرباء في مواسم الذروة.
ويضيف أن “المشتقات النفطية المنتجة محلياً، والتي يتم تصدير جزء منها، يمكن الاستفادة منها أيضاً في تشغيل بعض توربينات محطات الكهرباء، ما يعزز مرونة منظومة الطاقة ويقلل الاعتماد على الوقود المستورد”.
ويؤكد الجواهري أن هذه المؤشرات “تدل على أن العراق لن يواجه أزمة طاقة كبيرة هذا الصيف كما في الأعوام السابقة، رغم بقاء تحديات قائمة لكنها أقل حدة”.
أزمة الكهرباء مستمرة
ويقول الخبير الاقتصادي هلال الطعان، إن أزمة الكهرباء في العراق “ليست فقط نقصاً في الإنتاج، بل هي فجوة متكاملة بين الوقود والبنية التحتية وإدارة الطلب”.
ويضيف أن أي تذبذب في إمدادات الغاز المستورد أو المحلي ينعكس بشكل مباشر على ساعات تجهيز الكهرباء للمواطنين، خصوصاً خلال أشهر الصيف الحارة، مشيراً إلى أنه “لا توجد حلول وقتية قادرة على معالجة الأزمة خلال هذا الصيف، وإنما الحلول تحتاج إلى سنوات مقبلة إذا ما كانت هناك جدية حكومية حقيقية في الإصلاح والاستثمار في قطاع الطاقة”.