تغيير حجم الخط     

إيران لا تنوي التفاوض على ترتيبات استسلام.. بل من منطلق تفعيل نظام إقليمي جديد

مشاركة » الخميس إبريل 09, 2026 4:16 pm

1.jpg
 
سارع المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران إلى نشر بيان صباح أمس، أعلن فيه “النصر الكامل” في الحرب التي استمرت خمسة أسابيع. وجاء في هذا البيان بأن “العدو، في الحرب الجبانة وغير الشرعية والإجرامية ضد الشعب الإيراني، مني بهزيمة تاريخية ساحقة لا يمكن نفيها”. البيان المطول، الذي شكر فيه النظام “الشعب الإيراني” وكل وكلائه في العراق واليمن ولبنان وفلسطين، فسر جوهر هذا النصر، الذي تجلى في خطة تشمل “التزام الولايات المتحدة المبدئي بضمان عدم الاعتداء، واستمرار مراقبة إيران لمضيق هرمز، والموافقة على تخصيب اليورانيوم، ورفع كل العقوبات الأولية والثانوية، وإلغاء قرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة النووية، ودفع تعويضات لإيران عن الأضرار، وانسحاب كل القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، ووقف إطلاق النار في كل الجبهات، بما في ذلك لبنان”.

من المفروض أن تكون هذه رزمة إنجازات هامة لإيران، تتجاوز بكثير هدف تثبيت وقف إطلاق النار وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة. الجمعة القادم، عندما ستبدأ المحادثات بين الوفدين الإيراني والأمريكي في إسلام أباد – غير معروف حتى الآن إذا كانت ستكون مباشرة – ستتبين دقة البيان الإيراني. مع ذلك، يمكن استنتاج ما يلي: الولايات المتحدة دخلت الحرب مع أهداف ولكن بدون خطة استراتيجية لتحقيق هذه الأهداف وإنهاء الحرب. وقد تفاجأت بانهيار الفرضيات الأساسية التي استندت إليها خطتها الحربية. أما إيران فتطرح خطة طموحة. من الآن فصاعداً لا يقتصر هدفها على إزالة خطر “تدمير الحضارة الإيرانية” وتنظيم الملاحة، بل تسعى إلى ترسيخ خارطة جديدة للسيطرة الإقليمية ونظام أمني يعطيها مكانة القوة العظمى.

لقد أدت حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، التي اندلعت بدون تحالف دولي واسع وفي ظل غياب واضح لدول الخليج، الضحية المباشرة والرئيسية لهذه الحملة، إلى حرب إقليمية وعالمية تقريباً، استبدل فيها التهديد النووي بالتهديد الاقتصادي. وقد قوضت إيران موقف الردع الأمريكي الذي بدأ بالهجمات الجوية الكثيفة في 28 شباط، والاغتيال الجماعي لقيادة طهران العليا، والتهديد بتدمير البنى التحتية في إيران. وقد نجحت إيران في استغلال موقعها الجغرافي المتميز على مدخل الخليج الفارسي، وسيطرتها على شريان الطاقة العالمي – مباشرة في مضيق هرمز، وبشكل غير مباشر في مضيق باب المندب – وتحويلها بسرعة إلى سلاح سياسي قوي.

أوضحت إيران بأن الحرب ضدها تعني مواجهة شبكة عوامل معقدة، بعضها مألوف مثل الوكلاء في العراق ولبنان واليمن، والبعض الآخر كان متوقعاً ولكنه فاجأ الولايات المتحدة. إيران تؤمن بأنها أثبتت لدول الخليج بأن اعتمادها على حزام الدفاع الأمريكي لا يحميها من الإضرار بمصالحها الاقتصادية. وأوضحت بأن دول الخليج، وليس إسرائيل، هي التي تخدمها كوسيلة ناجعة لاحتواء التصعيد الأمريكي. وقد بنت إيران توازناً يقوم على الترهيب. فحتى التهديد بتدمير محطات توليد الطاقة التابعة لها تحول في دول الخليج إلى الخوف من أن تهاجم طهران محطات تحلية المياه التي تؤمن لها حوالي 90 في المئة من استهلاك المياه. وقد ساعد هذا إيران على تمهيد الطريق لوقف إطلاق النار، ومن الآن فصاعداً، قد ترسخ أداة الضغط هذه النظام الجديد الذي تطمح إليه. وبالنظر إلى إعلان مجلس الأمن القومي في إيران، يبدو أن إيران لا تُعد للتفاوض على ترتيبات الاستسلام، بل لترسيخ ما تعرفه بأنه نصرها على المدى البعيد.

لكن إيران الآن قادرة على فحص الموضوع النووي من منظار استراتيجي جديد. فهي تعتبر اتفاق وقف إطلاق النار انتصاراً. فمن ناحيتها، الضغط الشديد الذي استخدمته على شريان الطاقة في الخليج، قد يمكنها من تحقيق مكاسب في المجال النووي أيضاً، وردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن مهاجمتها في المستقبل على الأقل. في السابق، استخدمت إيران البرنامج النووي كورقة ضغط لرفع العقوبات الاقتصادية وأدى ذلك إلى التوقيع على الاتفاق النووي. وعندما انسحب ترامب من الاتفاق، استمرت إيران في الالتزام به، بل وسعت في أوروبا إلى إمكانية إنشاء آلية تجاوز أمريكية تمدد مدة الاتفاق وتمنحها المزايا الاقتصادية المنصوص عليها فيه.

في العام 2019، أي بعد سنة على انسحاب ترامب من الاتفاق، بدأت إيران تخرق الاتفاق بالتدريج. ومع ذلك، حرصت على التأكيد بأنها ستتراجع عن خرقها وستعود إلى بنود الاتفاق الأصلي في حالة رفع العقوبات. الآن، بعد أن وضعت إيران أمام تهديد وجودي، الذي تدعي أنه ما زال قائماً، قد تكون اعتباراتها مختلفة. فضرورة امتلاك السلاح النووي، أو على الأقل إثبات القدرة على تطويره، حتى لو امتنعت عن ذلك بالفعل، ستحدد موقفها في المفاوضات من أي اتفاق جديد، وقد تحدد مصير المفاوضات الحالية.

قد تعاني الولايات المتحدة أيضاً من الطموح المفرط نفسه، وترغب في تحقيق أكثر مما تريد إيران أو تستطيع تقديمه. بالتالي، قد تواجه مقاومة أشد من إيران لطلب الحد من تطوير الصواريخ البالستية. فبالنسبة لطهران، تحولت الصواريخ من سلاح ردع إلى أداة سياسية حيوية، عندما وجهت لمنطقة الخليج الحساسة. حتى الآن، قدمت إيران تخصيب اليورانيوم على أراضيها كحق سيادي لها بموجب توقيعها على معاهدة عدم نشر السلاح النووي. أما الصواريخ، فقد تجادل إيران الآن بأن لها دوراً أكثر أهم: ليس حقاً سيادياً، بل ضرورة وجودية.

الأمر نفسه ينطبق على طلب قطع العلاقات بين إيران ووكلائها، ما يعني ليس فقط تجفيف مصادر التمويل والسلاح لها، بل أيضاً قطع نفوذ طهران في دول المنطقة. إضافة إلى هذه المسائل الأساسية، سيتطلب الأمر قدراً كبيراً من “المرونة البطولية”، مثلما وصفها خامنئي الأب، من جانب الولايات المتحدة وإيران، لتجاوز الصعوبات التقنية المتعلقة بمجموعة قضايا مختلفة، مثل الرقابة على المنشآت النووية وترتيبات الملاحة في الخليج والجدول الزمني لرفع العقوبات وضمانات عدم الاعتداء.

يصعب تخيل أن أسبوعين كافيين من أجل التوصل إلى اتفاق شامل وموقع يوفر حلاً لكل هذه القضايا. ولكن، كما ألمح الاقتراح الباكستاني، قد يكون الأسبوعان مجرد إجراء شكلي. ففي حين “يمكن لإيران أن تبدأ في التعافي”، كما اقترح ترامب بسخاء، فالولايات المتحدة ودول المنطقة بحاجة أيضاً إلى فترة تعاف.

هآرتس 9/4/2026
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات