لندن – “القدس العربي”:
قالت مجلة “إيكونوميست” إن دول الخليج الحليفة للولايات المتحدة تواجه لحظة خطيرة عظيمة، وتساءلت أنه في حالة عدم تجنب الحرب الشاملة، فهل عليها الوقوف مع طرف؟
وأشارت المجلة إلى مشاهد الذعر التي عمت دول الخليج القريبة من إيران بعد ان امتلأت الأجواء بالدخان بعد ضربات المسيرات الإيرانية، حيث تراكض الناس مذعورين، فيما دوت أصوات صواريخ الدفاع الجوي الاعتراضية فوق رؤوسهم. وقتل عامل جراء سقوط حطام صاروخ تم اعتراضه.
وقالت المجلة إن دول الخليج كانت تعيش ولأشهر، وسط استعدادات أمريكا لضرب إيران، خوفا من حدوث مثل هذه المشاهد. ولهذا سارعت هذه الدول لثني دونالد ترامب عن الهجوم، وحثت الجمهورية الإسلامية على إبرام اتفاق، لكن جهودها باءت بالفشل.
والآن وصلت الحرب التي كانت تخشاها إلى الشرق الأوسط.
وقد بدأت الحرب بموجة من الغارات الجوية الأمريكية والإسرائيلية صباح 28 شباط/فبراير، واستمر القصف طوال اليوم، مستهدفا قادة إيران وقواعدها العسكرية. وبحلول المساء، كان من الصعب تقييم حجم الأضرار. ولم تضيّع إيران وقتها في الرد، ليس فقط على إسرائيل، بل على جيرانها العرب عبر الخليج. ففي البحرين، استهدفت إيران قاعدة بحرية أمريكية بصاروخ وطائرة مسيرة انتحارية. وأسقطت الكويت وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة وابلا من الصواريخ الإيرانية، رغم مقتل شخص واحد بشظايا في أبو ظبي. ولا تعد دول الخليج طرفا في الحرب. ومع ذلك، فإن منطق إيران في ضربها ذو شقين:
الأول، تستضيف هذه الدول قواعد أو جنودا أمريكيين. فالبحرين مقر الأسطول الخامس الأمريكي، وقطر مقر القيادة المركزية الأمريكية. وقد وصلت عشرات الطائرات الحربية الأمريكية في الأسابيع الأخيرة إلى قاعدة الظفرة الجوية في أبو ظبي، وقاعدة الأمير سلطان الجوية جنوب شرق الرياض. وقبل الحرب، منعت السعودية والإمارات، أمريكا من استخدام قواعدهما لمهاجمة إيران. لكن بالنسبة لإيران، هذا التمييز لا يهم.
الثاني، هو أن جميع الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي من الحلفاء المقربين للولايات المتحدة. ويعتقد النظام أنه إذا تم توجيه ضربة قوية لهم، فقد يدفعون الرئيس ترامب إلى طلب السلام.
وتقول المجلة إن الخوف من مثل هذا الرد كان أحد الأسباب التي دفعت قادة الخليج لحث أمريكا على عدم الهجوم. أما السبب الآخر فهو الاعتقاد بأن ترامب سيحاول إسقاط النظام، مما قد يدفع بلدا يبلغ تعداد سكانه 92 مليون نسمة إلى الفوضى التي اجتاحت العراق بعد الغزو الأمريكي عام 2003.
وقادت سلطنة عمان الجهود للتفاوض على اتفاق نووي من شأنه أن يجنبها الحرب. وعقد مبعوثون من أمريكا وإيران ثلاث جولات من المحادثات، كان آخرها في جنيف في 26 شباط/فبراير، وكان من المقرر عقد اجتماع متابعة في فيينا الأسبوع المقبل. وفي 27 شباط/فبراير، صرح بدر البوسعيدي، وزير الخارجية العماني، لشبكة “سي بي إس نيوز” بأن التوصل إلى اتفاق “في متناول أيدينا” ويمكن “الاتفاق عليه غدا”. وبعد ساعات، بدأت القنابل تتساقط.
وتعلق المجلة أن المسار الدبلوماسي، أصبح بالتأكيد ميتا، فهذه هي المرة الثانية التي تتعرض فيها إيران لهجوم أثناء انخراطها في محادثات مع أمريكا (كانت الأولى في يونيو/ حزيران). ورغم أن إيران بدت مستعدة لتقديم بعض التنازلات بشأن برنامجها النووي، إلا أن الفجوة بين الطرفين لا تزال واسعة. وقال البوسعيدي بأن إيران مستعدة لتوقيع اتفاق يمنعها من تخزين كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب. إلا أن الإيرانيين أنفسهم لم يؤكدوا ذلك، وحتى لو كانت تصريحاته دقيقة، فإن العرض لا يرقى إلى مستوى مطالبة ترامب بمنع إيران من تخصيب اليورانيوم نهائيا.
والأهم من ذلك، هو أن ترامب لم يعد مهتما باتفاق نووي. ففي رسالة مصورة نشرت بعد بدء القصف، حث فيها الإيرانيين على “السيطرة على حكومتكم”. وبعد ساعات، اتصل بصحيفة “واشنطن بوست” وقال إن هدفه هو “حرية الشعب” الإيراني.
وتقول المجلة إن الرئيس معروف بتقلب مواقفه، لكن الهدف الآن هو تغيير النظام، وليس الحد من التسلح.
ومن هنا لجأ البوسعيدي إلى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن إحباطه. وكتب على موقع إكس: “أحث الولايات المتحدة على عدم الانجرار أكثر، هذه ليست حربكم”. وقد أثار منشوره، وهو أول تعليق له على الحرب، استياء بعض المتابعين في الخليج، ذلك أنه أدان أمريكا دون أن يتطرق إلى قصف جيرانه في دول مجلس التعاون الخليجي.
وتعلق “إيكونوميست” أن هذا الرد، يشير إلى المعضلة التي تواجه حكام الخليج. ذلك أن منطقتهم تتمتع بسمعة كونها واحة استقرار في منطقة مضطربة، والصواريخ التي تحلق فوق رؤوسهم تضر بمصالحهم. فقد أغلقت قطر والإمارات مجالهما الجوي مؤقتا، مما أجبر اثنتين من أكبر شركات الطيران في العالم على إلغاء مئات الرحلات. كما تشير بيانات تتبع السفن إلى أن ناقلات النفط بدأت تتجنب مضيق هرمز، الممر المائي لثلث النفط الخام المنقول بحرا في العالم. ويبدو أن إيران تتجه نحو إغلاقه. مع ذلك، من المرجح أن يتمكن الخليج من تجاوز حملة قصيرة ومحدودة دون عواقب وخيمة.
ومع ذلك، هناك إشارات عن توسيع إيران مجال حملتها وأهدافها في الخليج. ففي مساء السبت، استهدفت طائرة مسيرة من طراز “شاهد” المطار التجاري في الكويت، ما أسفر عن إصابة عدد من العمال وإلحاق أضرار بالمبنى. كما سمع دوي انفجارات في دبي، المركز التجاري للإمارات، حيث اشتعلت النيران في فندق فاخر بمنطقة جميرا، وهي جزيرة اصطناعية راقية حافلة بالفلل التي تبلغ قيمة الواحدة منها 10 ملايين دولار. وقالت السعودية إن إيران حاولت استهداف منطقتها الشرقية، التي تضم صناعة النفط.
وتقول المجلة إن الهجمات على القواعد الأمريكية أمر، أما استهداف البنية التحتية للبلاد هذه، فهو أمر آخر.
وتضيف أن دول الخليج، طالما نظرت إلى الجمهورية الإسلامية كخطر: فهي تدير برنامجا نوويا وتخزن الصواريخ وتسلح الجماعات الوكيلة في المنطقة. ومع ذلك، فقد أمضت هذه الدول السنوات القليلة الماضية في التقارب مع خصمها، على أمل تجنب هذا السيناريو تحديدا. فقد استأنفت السعودية العلاقات الدبلوماسية مع إيران عام 2023 بعد تجميد دام سبع سنوات. وفعلت الإمارات ذلك أيضا. وحثت هذه الدول علنا الرئيس ترامب على عدم شن حرب. إلا أن هذه الدول تجد نفسها الآن تحت الهجوم من إيران.
وفي ظل التهديد الإيراني، اندلعت أزمة بين الحلفاء في الخليج، حيث أمضت السعودية والإمارات الشهرين الماضيين في خلاف حاد بسبب اختلاف أهداف سياستهما الخارجية. ولم يتحدث مسؤولو البلدين البارزين منذ أواخر كانون الأول/ديسمبر. إلا أن ولي العهد السعودي اتصل يوم السبت بالرئيس الإماراتي لمناقشة الحرب.
وحتى الآن، لا يوجد إجماع بين هذه الدول بالنسبة للخطوة التالية، فلا يزال بعض المسؤولين الخليجيين يأملون في إحياء الدبلوماسية، بينما يعتقد آخرون أن الأمر قد حسم. ويشير أحد السعوديين المقربين من الديوان الملكي إلى أن دول الخليج قد ترفع قيودها على شن الولايات المتحدة ضربات من أراضيها، فإذا كانت إيران قد استهدفتها بالفعل، فمن الأفضل لها أن تنحاز إلى أحد الطرفين. هذا رغم أن مجلس التعاون الخليجي قضى شهورا في محاولة تجنب حرب إقليمية، ليجد نفسه منجرا إليها رغما عنه.