لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” مقال رأي لمديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس بلندن، سنام وكيل، قالت فيه إن كل الخيارات المطروحة على إيران مثل شن الولايات المتحدة الحرب ضدها أو فرض الرئيس دونالد ترامب صفقة على النظام الإيراني أو تغييرا داخليا في بنية النظام الحاكم، كلها خيارات ليست جيدة.
وبعد 47 عاما على الثورة الإيرانية، تواجه إيران واقعا استراتيجيا لم يمر عليها من قبل، أي أزمة الشرعية التي تواجه النظام في الداخل وتتزامن مع التهديد الحقيقي الخطير بهجوم من الخارج لدرجة أن بقاء النظام لم يعد أمرأ مفروغا منه.
الخيار المطروح أمام النظام الإيراني، هو إما قبول تسوية تفرضها الولايات المتحدة، أو تدمير الجمهورية الإسلامية بشكلها الحالي
وتضيف وكيل أن طهران نجت حتى الآن من الحروب والعقوبات والاغتيالات والاحتجاجات الجماهيرية والعزلة الدولية، وذلك من خلال استراتيجية استعراض القوة في الخارج وقمع المعارضة في الداخل وخلق أزمة دائمة لتبرير سوء القيادة والفشل السياسي.
واليوم، يواجه النظام الإيراني حشودا عسكرية أمريكية أو كما يطلق عليها الرئيس ترامب “أسطولا” في الشرق الأوسط، يضم حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” ومدمرات صواريخ موجهة وانتشارا جويا واسعا وأنظمة دفاع صاروخي.
ويشير هذا الاستعراض للقوة إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تركز على احتواء إيران، بل تريد فرض حل نهائي لنزاع طويل الأمد.
وتقول وكيل إن الخيار المطروح أمام النظام الإيراني، هو إما قبول تسوية تفرضها الولايات المتحدة، أو تدمير الجمهورية الإسلامية بشكلها الحالي.
وأضافت أن سياسة ترامب في ولايته الأولى من إيران برزت من خلال التخلي عن الاتفاقية النووية الموقعة عام 2015، وإعادة فرض العقوبات على طهران، واغتيال قائد فيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني عام 2020. وأعطت كل هذه التحركات صورة عن نهج جديد ضد عدو لدود.
والآن، بعد عودته إلى السلطة، يبدو ترامب مصرّا على إتمام هذا المشروع بإجبار طهران إما على قبول اتفاق بشروط أمريكية، أو مواجهة ضربات عسكرية تهدف إلى تفكيك النظام نفسه.
ويعتبر الوضع الحالي، بالنسبة لإيران، لحظة غير مسبوقة، لأن النظام لم يواجه منذ عام 1979، تهديدات جدية لشرعيته الداخلية وقدرته على ردع الأعداء في الخارج في آن واحد.
ففي الداخل، يعاني النظام من ضعف واستنزاف بعد سنوات من التدهور الاقتصادي والفساد وانهيار العملة والهجرة الجماعية، كل هذا أدى إلى تآكل العقد الاجتماعي مع الشعب. وكشفت الاحتجاجات المستمرة منذ عام 2017، بما في ذلك انتفاضة النساء التي رفعت شعار: “المرأة، الحياة، الحرية ” عام 2022، والمظاهرات الحاشدة في الشهر الماضي، عن مجتمع لم يعد يسكنه الخوف من الدولة. فقد زادت جرأة المتظاهرين وتبدى غضبهم، حتى مع كلفة معارضة النظام الباهظة.
بعد عودته إلى السلطة، يبدو ترامب مصرّا على إتمام هذا المشروع بإجبار طهران إما على قبول اتفاق بشروط أمريكية، أو مواجهة ضربات عسكرية تهدف إلى تفكيك النظام نفسه
وفي الواقع، كانت حملة القمع في كانون الثاني/ يناير، هي الأعنف في تجربة النظام مع الاحتجاجات، حيث تأكد مقتل أكثر من 6,000 شخص، ولا تزال التحقيقات جارية بشأن 17,000 حالة وفاة أخرى مسجلة.
وعلى الصعيد الخارجي، فقدت إيران مكانتها واستعراض القوة الإقليمية. ومنذ هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، تعرض ما يطلق عليه “محور المقاومة” لضربات إسرائيلية متتالية، مما أفقد إيران شعورها بالأمن. ومن خلال غارات جوية علنية في أنحاء المنطقة وداخل إيران نفسها، وعمليات اغتيال لقيادات بارزة، وشن هجمات إلكترونية بلغت ذروتها في حرب الصيف الماضي التي استمرت 12 يوما، نقلت إسرائيل حرب الظل إلى العلن، وبذلك دفعت إيران بنشاط نحو مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.
كما أسهمت إيران بخلق ظروف ضعفها، فسياستها لدعم وتعزيز نفوذها الإقليمي عبر الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان واليمن كوسيلة لردع أي هجوم ورفع تكلفة الحرب على أعدائها، كشفت، بدلا عن ذلك، عن نقاط ضعف متعددة. فقد أصبحت سياسة حافة الهاوية النووية، التي كانت في السابق مصدرا للضغط، المبرر الرئيسي للضغوط الدولية. أما أيديولوجيتها الثورية، التي كانت أداة للتعبئة، فقد أصبحت بشكل متزايد أداة لعزلتها، في منطقة سئمت الصراع الأيديولوجي.
ومن هنا، فالسؤال المطروح خلال الأيام المقبلة لم يعد حول حتمية الصدام أو الحرب، لكن عن شكله؟
وطرحت سنام وكيل ثلاثة سيناريوهات: السيناريو الأول هو فرض صفقة تقبل فيها إيران وتحت ضغط شديد، اتفاقا يحد من برنامجها النووي ويسمح بعمليات تفتيش دقيقة ويفرض قيوداً على قدراتها الصاروخية ويقلل من دورها الإقليمي، مقابل تخفيف العقوبات وربما استثمارات أمريكية لاحقة في البلاد.
وتعلق وكيل أن هذا الخيار قد يمنع حربا فورية، لكنه سيأتي بتكلفة سياسية باهظة وسينظر إليه داخل إيران على أنه صفقة من أجل بقاء النظام.
السيناريو الثاني، هو حرب يتم التحكم بها وتنسق فيها الولايات المتحدة سلسلة ضربات ضد القيادة الإيرانية وقوات الصواريخ والدفاعات الجوية والبنية التحتية النووية المتبقية، من أجل شل النظام.
ومن المرجح أن يؤدي هذا الخيار إلى تصعيد إقليمي إيراني يتراوح بين هجمات على القواعد الأمريكية ومحاولة السيطرة على الممرات الملاحية واستهداف المدن الإسرائيلية، وربما القيام ببعض التعبئة بالوكالة عبر الخليج. وسيكون الهدف من هذا السيناريو هو تغيير النظام، لكن النتيجة ستكون حتما فتح الباب أمام حالة طويلة من عدم الاستقرار وتفتت النخب وفتح باب الصراع العنيف حول من سيحكم إيران في المستقبل.
بالنسبة لإيران وعموم الشرق الأوسط، لم يعد السؤال هو ما إذا كان بالإمكان نزع فتيل الأزمة، بل حجم الضرر الذي سيلحق بها قبل أن تنتهي تماما
وفي السيناريو الثالث هو انهيار نتيجة للضغط الخارجي بدون أن يكون أحد قادرا على السيطرة عليه. وسيؤدي هذا إلى اضطرابات داخلية تقود إلى تفكك النظام، وسينشأ عن ذلك فراغ في السلطة وليس تحولا سلسا. وقد تحوّل الفصائل الأمنية المتنافسة والانهيار الاقتصادي والتدخل الإقليمي، إيران إلى مصدر عدم استقرار، وعلى المدى الطويل، بشكل يجعلها صورة عن دول مثل ليبيا وسوريا، بل ستكون أخطر على المنطقة من وضعها الحالي.
وبالمحصلة، فكل السيناريوهات الثلاث تحمل مخاطر على الشعب الإيراني، فسواء كان ذلك عبر فرض تسوية أو حرب محدودة أو انهيار النظام، فإن أياً من المسارات المحتملة لا يشير إلى استقرار فوري أو انتقال ديمقراطي. علاوة على ذلك، فإن جميع الأطراف، بمن فيها إسرائيل والولايات المتحدة وإيران عالقة في منطق التصعيد لا التحلي بضبط النفس.
كل هذا يجعل من الوضع الراهن خطيرا. فلم تعد هناك أي ضوابط دبلوماسية فعالة. فالأنظمة والآليات التي كانت تحكم احتواء الصراع سابقا لم تعد مجدية، ولم يعد لأوروبا أي دور في الوساطة مع إيران. أما روسيا، فهي منشغلة بحربها في أوكرانيا ومترددة في الاستثمار في أي حلول للخروج من الأزمة. أما الصين فحذرة وغير راغبة في القيادة. وتحاول دول المنطقة التدخل وإدارة الجهود الدبلوماسية الأخيرة، لكنها في الوقت نفسه تستعد للتداعيات.
وبالنسبة لإيران وعموم الشرق الأوسط، لم يعد السؤال هو ما إذا كان بالإمكان نزع فتيل الأزمة، بل حجم الضرر الذي سيلحق بها قبل أن تنتهي تماما.