دمشق- “القدس العربي”:
أعاد رفع العلم الإسرائيلي وصور رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى جانب أعلام درزية ولافتات طالبت بالاستقلال، خلال مظاهرة السبت في السويداء، النقاش حول توقيت هذه التحركات وغاياتها وسط حالة من الجدل في الشارع السوري تجاه إصرار البعض للارتهان لمشاريع خارجية، رغم التوافقات الدولية لدعم قيام سوريا موحدة، ما تجلى بإنهاء ملف “قوات سوريا الديمقراطية- قسد” شمال شرق البلاد.
وبدى لافتاً التزامن بين مظاهرة السويداء ومظاهرة أخرى لـ”عرب 48″ في تل أبيب ضد سياسات حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل، وسط توقعات بأن يجد الانفصاليون في السويداء أنفسهم في النهاية كـ”بائعي فلافل في تل أبيب مثل أنطوان لحد”.
الرايات السود والرايات الزرق
وشهدت مدينة السويداء السبت مظاهرة شارك فيها الآلاف من مدن وقرى المحافظة في ساحة الكرامة، وذكرت صفحات على فيسبوك أنها الأكبر في تاريخ المدينة، وجاءت تحت شعار “نكون أو لا نكون”، وأظهرت مقاطع الفيديو التي انتشرت أن المشاركين رفعوا الأعلام الدرزية والإسرائيلية وصوراً لكل من شَيخيْ العقل السوري حكمت الهجري والإسرائيلي موفق طريف، ولافتات تطالب بالاستقلال وحق تقرير المصير والإفراج عن المعتقلين وشكر إسرائيل، كما شهدت هتافات ضد السلطة الانتقالية في دمشق وادعاء المشاركين أنهم في حلف مع دولة إسرائيل في تحقيق حماية جبل الدروز والجنوب السوري.
وجاءت المظاهرة استجابة لدعوات أطلقتها “حركة تقرير المصير” في السويداء، واستجابة لدعوة من الشيخ موفق طريف وشخصيات إسرائيلية أخرى، بحسب صفحات أخرى، الأمر الذي تم نفيه لاحقاً.
كما جاءت بعد حوالي أسبوعين من دعوة للهجري عبر صحيفة “يديعوت أحرنوت” إلى الاستقلال التام عن دمشق، وعدم استبعاد مرحلة انتقالية من الحكم الذاتي.
وبالتزامن، شارك عشرات آلاف الفلسطينيين داخل إسرائيل، بمن فيهم ممثلون عن الدروز، في مظاهرة حاشدة بمدينة تل أبيب احتجاجاً على “تفشي الجريمة والعنف في المجتمع العربي”، وتنديداً بـ”تقاعس وتواطؤ” الشرطة والسلطات الإسرائيلية في مواجهة العصابات الإجرامية، تلبية لدعوة من “لجنة المتابعة العليا” في إسرائيل، تحت عنوان “مسيرة الرايات السوداء ضد الجريمة والعنف والخاوة”.
رعب بين أنصار الهجري
واعتبر الكاتب والصحافي السوري محمد منصور في تصريح خاص لـ”القدس العربي” أن حل ملف “قسد”، “أثار الرعب لدى أصحاب المشاريع الشبيهة التي تنادي اليوم بالانفصال أو ما يسمونه بحق تقرير المصير وصولا إلى التقسيم، وقال إن رفع الاعلام الإسرائيلية وصور نتنياهو في السويداء هو تعبير عن حالة خوف من أن يكون مصير جماعة الهجري هو مصير جماعة “قسد” في شمال شرق سوريا، مشيراً إلى أن المسألة فيها نوع من إعادة تذكير الإسرائيليين برغبة جماعة الهجري بأن يكونوا تحت مظلة تل أبيب، وهو نوع من الإلحاح الرخيص، عبر المعيار الوطني، لأنك تستجدي مظلة عدو لا تربطه بدولتك التي تنتمي لها تاريخياً، سوى حالة عداء قائمة على اختلاف المشاريع والحق التاريخي في هذه الأرض”.
وأكد منصور أن عودة رفع الأعلام الإسرائيلية هي تعبير عن أزمة وانسداد أفق للمشروع الذي سعى إليه الهجري ظاناً أنه بالإمكان تحقيقه سواء بمساعدة إسرائيلية أو بغض نظر دولي، لكن المشكلة الكبرى التي تواجه مثل هذا المشروع والمشاريع المشابهة، هي أن القوى الكبرى في العالم تريد سوريا مستقرة وموحدة، وتعتبر أن هذه هي ضرورة إقليمية ملحة للحفاظ على الأمن في المنطقة، وبالتالي فإن كل الآمال التي تعقد حول خرق أجندة الاستقرار ووحدة الأراضي السورية، مصيرها الفشل.
وإن كانت المظاهرة تمثل الحالة العامة في السويداء، قال منصور إن “الرأي الآخر الوطني والعروبي مطارد حالياً في المدينة، ولي أصدقاء جاؤوا إلى دمشق منها لأنهم لا يستطيعون أن يعبروا عن الرأي الآخر، وأحدهم توفيت والدته منذ أسبوع ولم يستطع حضور مراسم دفنها لأن ذلك يشكل خطراً على حياته”.
وأضاف منصور أن “الدويلة التي يقولون إنهم يريدونها هي لا تعترف بالرأي الآخر ولا بتنوع المشاريع أو الآراء السياسية والقناعات الوطنية، وهم فقط يرون أن ما يصدر عن الهجري وجماعته هو الصواب والوطنية، وكل من يخالفهم فهو خائن ومتآمر على الدم الدرزي بحسب تعبيرهم الضيق”، مشدداً على أن “الأخوة الدروز جزء من سوريا، والحالة الوطنية السورية لا يمكن فصلها عنهم، ولكن الأصوات الوطنية لا يمكن أن تعبر عن ذاتها إلا بعد أن تخرج من محافظة السويداء، لأننا شهدنا عمليات قتل وتصفية لأشخاص عارضوا الهجري وانتهى بهم المطاف أن يكونوا جثثا في المشفى الوطني بالسويداء”.
مراهنة خاسرة
وعن تحميل مسؤولية طلب الدعم من إسرائيل للأحداث الدامية التي شهدتها السويداء في تموز/ يوليو الماضي، أوضح منصور أنه لا يمكن لأي عاقل أن يبارك قتل أحد من الأخوة السوريين من محافظة السويداء، ولا يمكن أن يبرر الأخطاء ولا الجرائم التي ارتكبت، ولكن متى كانت هذه التجاوزات والجرائم، التي حدثت في ظروف معينة، وعلينا أن نقرأ المشهد بشكل متوازن من كلا الجانبين، مبرراً للارتماء في حضن عدو تاريخي، متسائلاً: “هل يعتقد أحد في العالم أن إسرائيل يمكن أن تضع مصلحة هؤلاء أو سواهم، فوق مصلحتها الأمنية، وبالتالي فإن المراهنة على هذا الكيان خاسرة، وطنياً ومصلحياً، وخصوصاً في ظل المعادلات الدولية التي تؤكد على وجود توافق وقرار على أن تكون سوريا واحدة وموحدة”.
وقال إن سوريا الجديدة التي ولدت في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي بعد كنس النظام الذي جثم على قلبها لأكثر من نصف قرن، هي ليست معافاة تماماً وتتعرض لهزات وامتحانات وتحديات والكثير منها تجاوزتها إما بصعوبة أو بحنكة سياسية، والأساسي في هذه الولادة الصعبة أنه يجب على السوريين أن يحكموا لغة العقل وأن ينظروا للمستقبل بأفق واسع ويألمنا أن نرى صور المجرم نتنياهو وأعلام إسرائيل ترفع على أرض سورية ضمن تظاهرة شعبية ولكن في النهاية علينا أن ننظر إلى مستقبل وطن نخضع فيه جميعنا لقيم نتوافق عليها وأن نحاول معالجة هذه الجراح سواء كانت مؤلمة على صعيد المشاعر أو مضرة على صعيد المصالح.
تشويه المشاركة
وجاء تنظيم مظاهرة السويداء ليتزامن في ذات اليوم مع مظاهرة أخرى ضد سياسات حكومة نتنياهو في تل أبيب. وفي تصريح خاص لـ”القدس العربي” قال الأمين العام لـ”الاتحاد القُطري للأدباء الفلسطينيين- الكرمل” والسياسي والعضو السابق في الكنيست الإسرائيلي سعيد نفاع، إن “العنف بين الأقليّة العربيّة الفلسطينيّة في الداخل لم يتخطّ أيّا من مكوّناتها، وكان طبيعياً أن تخرج نداءات تتحمّل همّ التصدّي ومنهم العرب الدروز الفلسطينيّون، فأطلقت القيادات العربيّة نداءات للمشاركة سرعان ما لبّيت، وأصدر الشيخ موفقّ طريف نداء مصوّراً يحث على المشاركة، وهنا تدخّلت جهات مشبوهة وعمّمت باسمه بياناً وكأنّه يدعو لمظاهرة السويداء، الأمر الذي نفاه، وعلى هذه الخلفيّة، تم ضرب مشاركة الدروز في مظاهرة تل أبيب عبر تنظيم المظاهرة في السويداء وهذا هو الاستنتاج العقلانيّ لكلّ متابع بريء من الهوى”.
ورأى نفاع أن عدد المشاركين في مظاهرة السويداء بحسب تقديراته لا يتجاوز في أحسن الأحوال 25 ألفاً وهي أقلية من أصل نحو نصف مليون، و”إذا كانت هذه الأقليّة تمثّل الأكثريّة فالطامّة كبرى، لكنني أستبعد ذلك بناء على متابعاتي وما يصلني من معلومات” وفق قوله.
وأوضح نفاع أن القائمين على مظاهرة السويداء إذا لم يتلقّفوا مبادرة عمّان الثلاثيّة وعلى ضوء كلّ التقارير الأمميّة التي صدرت ومن خلال قراءة صحيحة للتطوّرات الإقليميّة، لا شكّ سيكون مصيرهم كمصير أنطوان لحد.
وبيّن نفاع أن التوجه والمطالب بالانضمام لإسرائيل سقط كليّا من على جدول أعمال “القيادات” الدرزيّة في الداخل، وكذا في الجبل (السويداء) بعد أن وصلت رسائل واضحة من هنا، ومن أعلى مستويات الدولة، موضحاً أنه في نهاية الأمر يأتمرون هنا (إسرائيل) بالتوجّهات الأمريكيّة وبيانها الثلاثي، ومؤكداً وجود حراك مضاد داخل السويداء وإن كان منحسراً حالياً لكّنه حيّ وقائم وسينطلق إن تصرّف النظام (في دمشق) بما يتوجّب عليه، لكن ستبقى إسرائيل لاعباً موجوداً كي تبقى السويداء شوكة في خاصرة الدولة بغضّ النظر عن التوافقات القائمة بين النظام وبين إسرائيل.
وأكد نفاع أن كلّ من يختزل الطرح بالانضمام إلى إسرائيل بمذابح تمّوز 2025 يفعلها لـ”غرض في نفس يعقوب”، وقال هذا التوجّه وُلد ميْتاً وسوّقته قوى من عندنا “لا في العير ولا في النفير” فغرّرت بمن كان عندهم كل الاستعداد في الجبل خدمة لمصالح وأجندات ضيّقة.
وتابع: “إن إسرائيل لن تتنازل عن مواقع تأثيرها في أيّ بقعة في سوريا، وجامعتها في السويداء تربة خصبة، ولكّنها في نهاية الأمر ستفعل ما يمليه (المبعوث الأمريكي إلى سوريا) توماس باراك من سياسات أمريكا، وما من شكّ أنّه وبعد الانتهاء من ملفّ “قسد” سيأتي دور ملفّ السويداء، ومرجعيّته اتفّاق عمّان الثلاثي الذي ما كان ليتمّ لولا الضوء الأخضر من إسرائيل، والذي عمليّاً هو تبنٍّ لكل التوافقات التي كانت تمّت بين النظام والسويداء منذ آذار 2025 حين كان التوجّه الغالب في الجبل التوجه الذي عمل على ترتيب العلاقة مع النظام الجديد وعُمل على إفشال، ونجح ذلك في تمّوز”.
وخلص نفاع إلى القول إن السلطة في الشام تفعل حسنًا إن تحمّلت مسؤوليّتها لإعادة ثقة أو على الأقل بداية إعادة ثقة، بخطوات عينيّة ملموسة تجاه الجبل، و(قائد قوات قسد) مظلوم عبدي تصرّف بحكمة ولعلّ من يتعلّم من تصرّفه في الجبل”.