لندن ـ «القدس العربي»: على الرغم من استئثار الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران باهتمام الرأي العام العالمي، فإن ما تشهده الحرب الروسية – الأوكرانية يبدو اليوم أكثر خطورة، بالنظر إلى المرحلة الجديدة التي دخلتها من التصعيد، والتي قد تفضي إلى ما يتكهن به بعض المراقبين ويخشاه آخرون، وهو تحولها إلى مواجهة روسية-غربية، أو على الأقل روسية-أوروبية، في أفق عام 2030.
فالحرب، التي اندلعت في 24 فبراير/شباط 2022، تجاوزت عامها الرابع والنصف، وهي تقترب من إتمام عامها الخامس، من دون أن تلوح في الأفق مؤشرات إيجابية على انفراج قريب. بل على العكس، تشهد تصعيداً خطيراً يعزز خلاصة واحدة واضحة، وهي أن أطراف الصراع لا تزال تراهن على الحسم العسكري قبل إفساح المجال أمام الحلول الدبلوماسية. وخلال الأيام الأخيرة، شنت القوات الأوكرانية هجمات داخل العمق الروسي، مستهدفة البنيات التحتية لقطاع الطاقة. وردت روسيا، فجر الأحد الماضي، بأعنف هجوم تشنه منذ بداية الحرب، فإلى جانب مئات الطائرات المسيّرة والغارات الجوية، أطلقت 41 صاروخا باليستيا من طرازات مختلفة وبقدرات تدميرية متنوعة، في سابقة لم تشهدها الحرب منذ اندلاعها. فخلال السنوات الماضية، كان الجيش الروسي يستخدم أعدادا محدودة من الصواريخ الباليستية عالية التدمير، لكنه لم يلجأ من قبل إلى إطلاق هذا العدد الكبير في هجوم واحد.
ويبدو أن موسكو تراهن بصورة متزايدة على الصواريخ الباليستية، مستفيدة من تراجع قدرات الدفاع الجوي الأوكراني، الذي يعاني نقصا حادا في الصواريخ الاعتراضية. ويعزى ذلك، حسب تقارير متداولة، إلى إعادة توجيه الولايات المتحدة جزءا مهما من منظومات «باتريوت» إلى منطقة الشرق الأوسط، في أعقاب الحرب ضد إيران، ولتعزيز حماية بعض دول الخليج العربية.
وهكذا، لا تولي واشنطن اهتماما للبحث عن حل للحرب الروسية-الأوكرانية، وكأن الرئيس دونالد ترامب اقتنع بأطروحة الدولة العميقة الكلاسيكية في الولايات المتحدة بأن هذه الحرب تعتبر استنزافا لروسيا التي ما زالت تشكل خطرا على مصالح الغرب.
وكان الحلف الأطلسي قد وصف منذ أسبوعين تقريبا في قمته في أنقرة التركية روسيا بأنها الخطر الحالي الحقيقي، متناسيا الصين. كما يبدو أن هذه الأخيرة يهمها استمرار الحرب لأنه سيجعل روسيا أكثر ارتباطا بها عسكريا واقتصاديا.
ويبقى الأوروبيون وحدهم بين الرغبة في استنزاف روسيا التي تعتبر عدوهم المباشر بحكم القرب الجغرافي أكثر من الصين، وبين الخوف من انتقال الحرب الى أراضيهم. وهذا يعزز من فرضية استعداد الجميع لحرب يتكهنون بها في أفق 2030. وعليه، يبقى التساؤل: لماذا يتم التكهن بهذه الحرب؟ التاريخ يحمل بعض الإجابات، ذلك أن اندلاع حرب وسط أوروبا ليس بالجديد على التاريخ، فهذه القارة من القارات التي شهدت أعلى معدلات الحروب منذ عهد الإمبراطورية الرومانية، وتفاقمت بعد النهضة الأوروبية بحكم رغبة كل أمة من أممها في السيطرة والتوسع والتحول الى دولة كبرى. وكانت عوامل أوروبية محضة وراء هذه الحروب قبل أن تشتعل بسبب المستعمرات في العالم. وكان الرأي السائد في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة سقوط جدار برلين أنه لن تقع الحروب في المستقبل، لكنها اندلعت نزاعات خطيرة من البوسنة والهرسك وكوسوفو وما يجري الآن بين روسيا وأوكرانيا من حرب.
وعليه، فالتاريخ يحمل تحذيرات ودروسا وليس سردا للماضي فقط. وارتباطا بالوضع الحالي، لا يمكن استبعاد حرب كبيرة مستقبلا والتي ارتفع الحديث عنها خلال السنتين الأخيرتين، ويعززها عدد من العوامل.
والحديث عن عام 2030، لا يعني اندلاعها في هذا التاريخ بقدر ما أنها قد تندلع قبله أو بعده أو يتفاقم التوتر دون الوصول الى حرب شاملة.
ويعمل العديد من الدول الأوروبية على زيادة إنفاقها العسكري بشكل كبير وتحديث جيوشها في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. وتتصدر ألمانيا هذا المسار بتخصيص قرابة مئة مليار يورو للتسلح خلال السنوات المقبلة سواء من خلال شراء أسلحة أوروبية وأمريكية أو تطوير صناعتها الحربية. يضاف الى هذا أن تحذيرات تقارير أجهزة الاستخبارات الغربية تؤكد أنه إذا أعادت روسيا بناء قواتها بعد الحرب في أوكرانيا، فقد تصبح قادرة على تحدي دولة من دول الحلف الأطلسي، وتشترك هذه التقارير في جعل عامي 2029 و2030 منعطفا خطيرا.
ارتباطا بهذا، يرى الخبراء أنه في حال حدوث مواجهة مباشرة، فإن المناطق الأكثر عرضة للخطر ستكون إستونيا ولاتفيا وليتوانيا أو بولندا، وجميعها أعضاء في حلف الناتو. ووعيا منها بخطورة التطورات المقبلة، تحاول باريس ولندن الرهان على الردع النووي، وذلك من خلال جعل المظلة النووية لا سيما الفرنسية تغطي معظم دول أوروبا، مما سيجعل روسيا تفكر جديا في الحرب قبل اللجوء الى السلاح النووي التكتيكي. كما يقيم الغرب جزءا من استراتيجيته على أن القيادة الروسية بزعامة الرئيس فلاديمير بوتين لن تتراجع نهائيا عن إقامة روسيا الكبرى ولو تطلب الأمر حربا شاملة.
في هذا الصدد، لا يمكن الاستهانة بتصريح الأمين العام للحلف الأطلسي مارك روته الذي حذر في عدة خطب من أن الحلفاء يجب أن يستعدوا لأن روسيا قد تكون قادرة على استخدام القوة ضد إحدى دول حلف الناتو بحلول عام 2030، مشددا على ضرورة زيادة الإنفاق الدفاعي والإنتاج العسكري. ولا تقل أهمية تصريحات الجنرال الألماني كريستيان فرودينغ أحد أعمدة التفكير العسكري في الغرب حاليا بقوله يوجد اقتناع لدى الدول العضو في الناتو أن سنة 2029 قد تكون سنة الحرب مع روسيا.
ويبقى اللافت أن لا أحد من العشرات من المسؤولين في الغرب ينفي استحالة تفادي الحرب مع روسيا سنة 2030، بل يجعلون من هذه السنة «عام كل المخاطر» بالتأكيد على أنه إذا انتهت الحرب في أوكرانيا أو تراجعت حدتها وتمكنت روسيا من إعادة بناء قواتها، فقد تصبح قادرة على تهديد دول الحلف. وهذا يبرز جيدا لماذا يجري استنزاف روسيا عبر أوكرانيا، فهذه الأخيرة تؤدي فاتورة أمن أوروبا والغرب وتحارب نيابة عنه. إن عام 2030 تحوّل الى أفق زمني لحرب يخشاها الجميع ويستعد لها الجميع ولا أحد يعمل على تفاديها.