بغداد ـ «القدس العربي»: منذ إعلان الإطاحة بوكيل وزارة النفط لشؤون التصفية السابق ومدير شركة مصافي الشمال، عدنان الجميلي، في نهاية أيار/ مايو الماضي، على خلفية قضايا فساد فاقت الـ120 مليون دولار، بدأ الشارع يتابع أنباءً رسمية تتحدث عن ضبط مبالغ مالية بين الحين والآخر، جرى الوصول لها عبر اعترافات المسؤول المتهم.
ورغم حجم الأموال الطائلة المضبوطة حتى الآن، غير أنها لم تكن السبب الرئيسي في الصدى الواسع الذي خلفته قضية الجميلي، بل الطرق المبتكرة لإخفاء تلك الأموال.
لم يكن خبر اعتقال الوكيل الجميلي في 30 أيار/ مايو الماضي، خبراً عرضياً يشبه العشرات، وربما مئات الأخبار التي اعتاد العراقيون قراءتها يومياً والمتعلقة بقضايا وشبهات فساد، خصوصاً بعد الكشف عن تفاصيل القضية التي أدت إلى اعتقال عشرات المسؤولين والنواب والسياسيين المرتبطين به، ولا يزال التحقيق فيها جارياً.
وحسب معلومات مجلس القضاء العراقي، فإن المبالغ المالية الإجمالية المضبوطة في قضية الجميلي ارتفعت لتصل إلى 127 مليار دينار و24 مليون دولار، أي بمجموع يبلغ نحو 121 مليون دولار، بالإضافة إلى العقارات والعجلات التي تم حجزها و«المخشلات الذهبية» المضبوطة.
وأدت إجراءات التحقيق مع الجميلي إلى كشف أسماء متورطة معه، فضلاً عن مواقع وطرق إخفاء الأموال المضبوطة، والتي شكّلت «محتوىً دسّما» للمدونين والمواقع الإخبارية المحلية.
في 23 حزيران/ يونيو الماضي، ضبطت الجهات التحقيقية مبلغاً مالياً يقدّر بعشرات ملايين الدولارات، كان مخبّأً في حفرة بعمق 4 أمتار تحت الأرض.
وفي التفاصيل، أعلن قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، إلقاء القبض على محافظ صلاح الدين الأسبق ومدير الصحة فيها حاليا رائد الجبوري، بناءً على اعترافات أدلى بها الجميلي أثناء استجوابه.
واضاف أن «استمرار التحقيقات في هذه القضية ونتيجة للمتابعة الدقيقة لضبط المتحصلات المالية الناتجة عن الهدر الحاصل بالمشاريع المنفذة من المتهم وأطراف القضية، فقد تم ضبط مبالغ مالية نقدية بلغت أكثر من (67) مليار دينار و (مليون دولار) كان جزء منها مخبأ في منازل عدد من الاشخاص، أما الجزء الآخر فكان مخبأ تحت الارض بعمق أربعة أمتار تم العثور عليها بعد حفر الأرض بآليات متخصصة».
هذه الطريقة لم تكن الوحيدة في إخفاء الأموال المتحصلة من صفقات الفساد، بل كانت هناك طرق أخرى أشدّ غرابة، من بينها إخفاء 20 مليون دولار في قناني المياه سعة 20 لترا.
ففي 6 تموز/ يوليو الجاري، كشف قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد المركزية، عن ضبط (25) مليار دينار عراقي جديدة، فضلاً عن ضبط مبلغ (مليون دولار) إلى جانب ضبط مصوغات ذهبية تقدر بحوالي (5) كيلو غرامات، في قضية وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية المتهم الموقوف، عدنان الجميلي، والأطراف المتورطة معه. وحسب القاضي فإنه نتيجة للمتابعة لضبط المتحصلات المالية الناتجة عن الهدر الحاصل في المشاريع المنفذة من قبل المتهم وأطراف القضية، أسفرت عن ضبط هذه المبالغ «التي كانت موضوعة في قناني مياه بلاستيكية ومخبأة داخل منزل المتهم في مدينة تكريت» مركز محافظة صلاح الدين.
مستشار الزيدي لـ«القدس العربي»: صعوبة تهريبها إلى الخارج وراء خزنها بهذه الوسائل
وفي آخر تطورات قضية الجميلي، أعلن مجلس القضاء العراقي أيضاً (في 9 تموز/ يوليو الجاري) ضبط (14) مليار دينار عراقي جديدة، نحو 11 مليون دولار «كانت مخبأة في إحدى الحفر المعدة لتصريف الأمطار».
ويبدو إن الجميلي ليس المسؤول العراقي الوحيد الذي يبتكر طرقاً غير تقليدية في اخفاء الأموال، بل لجأ وكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع والمدير العام الأسبق لشركة نفط ميسان، علي معارج البهادلي، إلى وضع الأموال خلف حائط وهمي.
التحقيقات الأولية في قضية البهادلي المعتقل منذ 28 حزيران/ يونيو الماضي، على خلفية تهم فساد، كشفت عن ضبط مبالغ مالية بلغت 11 مليون دولار و4 مليارات دينار عراقي (نحو 14 مليون دولار في المجمل) فضلاً عن ضبط عدد من العقارات، حسب مصادر قضائية رسمية أرفقت الخبر بصور توثّق لحظات إخراج الأموال من خلف حائط أنشىء لغرض التمويه قرب حمام سباحة داخلي.
قبل ذلك، كشفت مصادر عن معلومات عن ضبط 22 مليون دولار دخل أجهزة للتبريد.
وانتشرت في مواقع إخبارية محلية ومنصات على شبكة التواصل الاجتماعي، صورة تُظهر ضابطين اثنين وهما يقومان بإخراج «رُزم الدولارات» من داخل جهاز تكييف عامودي.
مُتداولو تلك الصورة أفادوا بأنها تعود لقضية الجميلي بعد أن دلّ عليها أثناء التحقيقات الجارية معه، مؤكدين أن المبلغ يقدّر بـ22 مليون دولار.
لجوء المسؤولين العراقيين الى إخفاء هذه الأموال الضخمة بهذه الطرق يأتي لعدم قدرتهم على الهرب بها الى خارج البلاد، بسبب إجراءات التدقيق الدولية، حسب تصريح الدكتور مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي.
ويضيف لـ«القدس العربي» أن «هؤلاء الفاسدين لا يملكون طريقاً لخزن أموالهم أو التصرف فيها واستثمارها، فهم يلجأون لهذه الطرق في إخفائها لكونهم غير قادرين على تهريبها خارج البلاد، على اعتبار أن القواعد المتعلقة بغسيل الأموال هناك صارمة، ولم تعد الأمور كما كانت في السابق».
وأشار إلى إن «جميع الدول تسأل عن مصدر الأموال وتتحرى عنها» موضحاً أن «تحويل هذه الأموال إلى عقارات سواء داخل البلاد أو خارجها يجعلها معرضة للكشف، ولذلك نرى الفاسدين يعمدون إلى إخفاء تلك الأموال بهذه الطرق».
ووفق المستشار الحكومي فإن إجراءات ملاحقة أموال المتهمين بالفساد في الخارج، يجب أن تبدأ بورود معلومة مثبتة تفيد بأن الشخص المطلوب «لديه وديعة مصرفية أو سندات أو عقار وغيرها في الخارج» وعلى إثر ذلك تقوم المؤسسة العراقية المُتضررة بإقامة دعوى قضائية أمام المدعي العام الذي يتولى مسؤولة تحريكها أمام المحاكم العراقية أولاً.
ولفت إلى أنه «بعد أن تستكمل المحاكم العراقية جميع المتطلبات، وتُصدر حكماً نهائياً، تُرسل ملف القضية ـ عن طريق وزارة العدل ـ إلى وزارة الخارجية التي تقوم بدورها بتكلف محامٍ من الدولة المعنية بتحريك شكوى لدى دولته، لندخل في إجراءات المحاكم في تلك الدولة وقراراتها».
ويرى صالح أن المهم في هذه القضايا هو «قطع دابر مثل هكذا حالات» معتبراً أن «من يقوم بخزن الأموال بهذه الطرق سيلجأ لتهريبها في حال أتيحت له الفرصة، أما إذا لمس وجود إجراءات رادعة فلن يقدم على هذه الخطوة».