تغيير حجم الخط     

دكتور محمد حسن كحط: العراق وحصانة سراق المال العام دكتور محمد حسن كحط

مشاركة » السبت يوليو 04, 2026 5:57 am

يتندر العراقيون في أدبياتهم الشعبية بالمثل القائل “المال السايب يعلّم السرقة” لكن هذا المثل يتحول في أروقة المؤسسات الحكومية إلى واقع مرير يعكس سهولة فائقة في اختلاس المليارات، حتى بدت البلاد في كثير من الأحيان وكأنها بلا قانون ولا رقابة ولا ضمير رادع يحرك شعور المسؤول الحكومي بمسؤوليته الأخلاقية تجاه شعبه. إن مشهد الفساد في العراق يتجاوز الممارسات التقليدية؛ إذ يكفي توقيع واحد من مسؤول أو كتاب رسمي مفبرك يجري تمريره في غفلة من الرقابة المتهالكة، لتختفي موازنات كاملة كان يمكن أن تبني مدناً بأكملها. هذا الغياب الصادم للحس الوطني حوّل الوظيفة العامة من تكليف لخدمة المجتمع إلى غنيمة سهلة وسط غياب تام لآليات المحاسبة الفورية وثغرات بنيوية تجعل من السارق آمناً من العقاب بل ومحصناً بقوانين صُمّمت لحمايته.
الحقيقة الأكاديمية والقانونية الصادمة هي أن المنظومة التشريعية في العراق باتت في بعض مفاصلها مظلة يستظل بها الفاسدون بدلاً من أن تكون سيفاً مصلتاً عليهم. فغالباً ما يجري تكييف القوانين واستغلال ثغرات “إطلاق السراح بكفالة مقابل تسوية مالية” أو ما يُعرف شعبياً بـ “بوك واشرد. هذه الثغرة تتيح للسارق أن يختلس مئات الملايين ثم يساوم الدولة على إعادة جزء بسيط منها ليخرج حراً طليقاً ويتمتع بالمتبقي، وهو ما يفرغ العقوبة الجنائية من محتواها الردعي. هذا المشهد يجسد تماماً المثل الشعبي حاميها حراميها، حيث يتحول القانون من أداة للعدالة إلى آلية لتسوية الجريمة وشرعنتها تحت غطاء سياسي يمنع الاقتراب من الرؤوس الكبيرة.
عند مقارنة هذه التجربة العراقية المريرة بتجارب دولية استطاعت كبح جماح الفساد تظهر الفجوة العميقة في تطبيق القانون ومفهوم الردع. ففي ماليزيا، عندما تفجرت قضية الصندوق السيادي (1MDB) والتي اعتُبرت واحدة من أكبر قضايا الاختلاس في العالم، لم يجد رئيس الوزراء الأسبق نجيب رزاق قوانين تحميه أو تسويات سياسية تخرجه بكفالة مخفضة بل لاحقه القضاء بصرامة وأُدخل السجن لينال جزاءه، مما أثبت أن هيبة الدولة فوق الجميع. وفي إندونيسيا تمتلك مفوضية مكافحة الفساد (KPK) صلاحيات استثنائية صارمة تشمل التنصت القانوني والمداهمات الفورية ودون الحاجة لإذن مسبق من الجهات السياسية. الأمر الذي مكّنها من إسقاط وزراء ومحافظين وتفكيك شبكاتهم بالكامل. أما في العراق فإن الإجراءات القانونية غالباً ما تصطدم بحواجز الحصانات والخطوط الحمر والتوازنات الحزبية التي تحول دون معاقبة الفاسد عقاباً حقيقياً يوازي جرمه.
هذه البيئة الرخوة هي التي أنتجت الأرقام الفلكية التي صدمت الرأي العام العراقي مؤخراً، فقصة الملاحقة القضائية أثيرت بالأساس في تشرين الأول 2022 إثر رسالة رسمية مسربة من وزارة المالية كشفت سرقة الأمانات الضريبية بمصرف الرافدين والمعروفة بـ “سرقة القرن”. اليوم تشير البيانات الرسمية الصادرة عن لجنة النزاهة النيابية إلى أن التحقيقات الموسعة قفزت بحجم الأموال المفقودة في هذا الملف وحده إلى نحو 8 تريليونات دينار عراقي (ما يقارب 5.4 مليار دولار) تورطت فيها شبكة معقدة من المسؤولين ورجال الأعمال أبرزهم المتهم الرئيس نور زهير وشخصيات رفيعة سابقة كوزير المالية الأسبق عبد الأمير علاوي ورئيس جهاز المخابرات الأسبق رائد جوحي. ولم تتوقف الضربات عند هذا الحد بل كشفت المحاكم المختصة خلال الشهرين الماضيين عن ضبط 11 مليون دولار ونحو 4 مليارات دينار نقداً بحوزة وكيل وزير النفط الموقوف علي معارج، تلاها العثور على 57 مليون دولار نقدياً و27 كيلوغراماً من الذهب في منزل النائبة عالية نصيف، مما يبرهن على أن غياب الرقابة والضمير جعل من بيوت المسؤولين مخازن مكتنزة بمليارات الشعب.
وفي محاولة لمعالجة هذا الهدر البنيوي وحماية ما يمكن استرداده من تلك الأموال السائبة، وجه رئيس الوزراء علي الزيدي وزارة المالية بفتح حساب مصرفي خاص ومستقل لإيداع الأموال المستردة من قضايا الكسب غير المشروع. تأتي هذه الخطوة لعزل الأموال المعادة عن البيروقراطية التقليدية وضمان توجيهها إلى مشاريع الخدمات والبنى التحتية حتى لا تقع مجدداً في يد فاسد آخر يعيد تدويرها.
في الختام يظهر التحليل السردي لهذه الأحداث أن استئصال الفساد في العراق لن يتحقق بمجرد ملاحقة الشخوص أو فتح حسابات للإيداع بل يتطلب ثورة تشريعية حقيقية تلغي القوانين التي تحمي السارقين وتمنحهم حق المساومة. إن بناء دولة حقيقية يستلزم إغلاق منافذ الاختلاس السهلة عبر الأتمتة الرقمية الكاملة ورفع الحصانة السياسية عن الجميع وإعادة إرساء قيم المسؤولية والضمير في الوظيفة العامة. فدون قضاء صارم يقطع دابر الفساد على غرار التجربتين الماليزية والإندونيسية، ستبقى ثروات العراق مستباحة وسيبقى “المال السائب” يغري كل من خلا قلبه من الضمير والشعور بالمسؤولية الوطنية.
كاتب عراقي
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات