في خضمّ تحولات إقليمية ودولية متسارعة، تتداخل ملفات الطاقة والأمن والعسكرة في مشهد واحد شديد التعقيد، تعود فيه الولايات المتحدة إلى توظيف أوراق النفط والجغرافيا السياسية كمدخل لإعادة رسم موازين القوة.
وبين اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وتصاعد التوتر مع إيران، ومؤشرات الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، تبرز تساؤلات خطيرة حول ما إذا كانت المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من التصعيد الواسع.
قراءة الخبير الأمني أحمد الشريفي تضع هذه التطورات ضمن سياق استراتيجي واحد، يربط بين النفط الفنزويلي، ومضيق هرمز، والأجواء العراقية المفتوحة، واحتمالات المواجهة العسكرية القادمة، بما يجعل العراق جزءاً حساساً من معادلة إقليمية أكبر قد تتجاوز حدوده وتداعياته الداخلية.
وقال الشريفي، في مقابلة تلفزيونية، إن “اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بالتزامن مع وجود شركة شيفرون الأمريكية في فنزويلا، يحمل دلالات استراتيجية مهمة”، مشيراً إلى أن “هذا التطور يعني أن الولايات المتحدة وضعت يدها على أعلى احتياطي نفطي في العالم، لأن فنزويلا تتصدر دول العالم باحتياطي النفط تليها السعودية”.
وأوضح الشريفي، أن “توقيت هذا الملف لا يمكن فصله عن تطورات إقليمية قادمة”، مرجحاً أن “تكون العملية العسكرية المقبلة في منطقة الخليج، وتحديداً عند مضيق هرمز، مع وجود احتمالية حقيقية لإغلاقه في حال توجيه ضربة لإيران”.
وتساءل الخبير الأمني عن “الجهة القادرة على إغلاق المضيق في مثل هذا السيناريو”.
وأشار إلى ما وصفه بـ”المفارقة الغريبة” المتمثلة بقيام الولايات المتحدة بإخلاء جنودها وقدراتها التسليحية، في الوقت الذي يقدّم فيه العراق طلباً رسمياً بانسحاب القوات الأمريكية، معتبراً أن “ذلك يمنح واشنطن فرصة لرفع الحرج عنها، ويُبقي الأجواء مفتوحة أمام أي تحرك عسكري لاحق”.
ورأى أن إسرائيل، في حال قررت تنفيذ ضربات، ستستهدف الفصائل المسلحة وإيران، مبيناً أنها لم تتمكن خلال “حرب الـ12 يوماً” من ضرب الفصائل في العراق أو استهداف الممرات، بسبب ارتباطها باتفاقيات، ولأن الولايات المتحدة كانت تمنعها من ذلك في حينه.
وأكد الشريفي أن “المشهد لا يقتصر على إيران فقط، بل يتجاوزها إلى ما يجري في اليمن وصوماليلاند”، موضحاً أن “السيطرة هناك كانت جزءاً من معادلة أوسع، وأن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند يرتبط بغزة وبالأمن القومي المصري وبأمن الملاحة في البحر الأحمر”.
وبين، أن مسألة الانسحاب الأمريكي، ولا سيما من قاعدة عين الأسد، ستفتح الأجواء العراقية، معتبراً أن “هذا الانفتاح يمثل تمهيداً لعمليات استطلاع قد تتبعها عمليات جوية”.
ولفت إلى أن مطالبة العراق بانسحاب القوات الأمريكية تأتي في انسجام مع الرؤية الأمريكية لإخلاء قواعدها، بما يسمح ببقاء الأجواء مفتوحة أمام إسرائيل، ما يعزز توقعات بحدوث ضربات داخل العراق.
واستغرب الشريفي سبب غياب الحسابات العسكرية العراقية إزاء هذه التطورات، محذراً من أن فتح الأجواء العراقية سيجعلها مستباحة بشكل كامل لتلقي ضربات، ويحوّل العراق إلى خط عبور في أي تصعيد عسكري قادم بين ايران واسرائيل.
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قد اعلن في بيان مفاجئ، السبت ( 3 كانون الثاني يناير 2026)، عن تنفيذ الولايات المتحدة ضربة عسكرية واسعة النطاق ضد فنزويلا، استهدفت بشكل مباشر الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، مشيراً إلى انها أسفرت عن اعتقال مادورو وزوجته ونقلهما جواً إلى خارج فنزويلا.
في غضون ذلك، تشهد إيران موجة متصاعدة من الاحتجاجات في طهران ومناطق أخرى، يقودها طلاب الجامعات والتجار، على خلفية أزمة اقتصادية حادة وارتفاع الأسعار والتضخم، وبعد التراجع الحاد في قيمة الريال الإيراني مع مخاوف من زيادة الضرائب في العام الجديد.
ومع تصاعد العنف حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إيران من قتل المتظاهرين السلميين، إذ قال يوم الجمعة (2 كانون الثاني يناير 2026): “إذا أطلقت إيران النار وقتلت المتظاهرين السلميين بعنف، وهو ما اعتادت عليه، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستأتي لنجدتهم. نحن في حالة تأهّب كامل، وجاهزون للتحرّك”.
وأعلنت، الشهر الماضي، فصائل مسلحة عراقية موافقتها على الدعوة لحصر السلاح، وصدرت مواقف رسمية من قبل الأمين العام لكتائب الإمام علي شبل الزيدي، ومن ثم لحقتها دعوة أمين عام حركة عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، وأيضا فصيل أنصار الله الاوفياء، فضلاً عن المتحدث باسم كتائب سيد الشهداء.
لكن، بالرغم من إعلان أربعة فصائل مسلحة عراقية كبيرة نزع سلاحها ودعوتها لحصره بيد الدولة، ومع تقديم رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان الشكر للفصائل التي استجابت لدعوته بترك السلاح والانخراط في العمل السياسي، إلا أن كتائب حزب الله وحركة النجباء، أظهرتا موقفاً مضاداً ومعارضاً لتسليم سلاحهما إلى الدولة.