الوثيقة | مشاهدة الموضوع - نيويورك تايمز: كيف اشتبك حليفان قويان لواشنطن في اليمن؟
تغيير حجم الخط     

نيويورك تايمز: كيف اشتبك حليفان قويان لواشنطن في اليمن؟

مشاركة » الجمعة يناير 02, 2026 1:18 pm

8.jpg
 
لندن- “القدس العربي”:

تكشف غارة سعودية استهدفت شحنة إماراتية في اليمن عن انتقال الخلاف بين الرياض وأبوظبي من المنافسة الهادئة إلى مواجهة مكشوفة، في نزاع تتشابك فيه الحسابات العسكرية والاقتصادية والنفوذ الإقليمي.
وفي تقرير للصحافية فيفيان نيريم من الرياض، تتبع القصة كيف تحوّل تحالفٌ قديم بين أبرز حليفين لواشنطن في الخليج، إلى صراع مصالح يمتد من اليمن إلى السودان، ويهدد بإرباك أسواق واستثمارات ومفاوضات حساسة.

عندما صعد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واجهة السلطة قبل نحو عقد، كان مسؤولون ومعلّقون في واشنطن يقارنونه أحياناً بالحاكم الفعلي لدولة الإمارات العربية المتحدة المجاورة، الشيخ محمد بن زايد.

قدّم الرجلان نفسيهما بوصفهما “مصلحين” بقبضة سلطوية. وفي عام 2015 تحالفا في اليمن، مطلقَين تدخلاً عسكرياً كارثياً لصدّ متمردين مدعومين من إيران. ثم اتحدا لاحقاً في مواجهة سياسية حادة مع الجارة قطر.

لكن اليوم، تتسع الهوة بينهما، فيما يدفعان بلدين نفطيين في الخليج إلى مسار من المواجهة والتنافس في الشرق الأوسط وأفريقيا وما وراءهما.

ويوم الثلاثاء، انفجرت توترات طال أمدها إلى العلن، بعدما استهدفت غارة جوية تقودها السعودية شحنة إماراتية لدى وصولها إلى اليمن، وسط اتهامات بأن الإمارات ترسل أسلحة إلى جماعة انفصالية.

كان ذلك ذروة درامية لخلاف بين شريكين سابقين باتا يدعمان أطرافاً متنازعة في اليمن والسودان، ويتبنيان سياسات نفطية مختلفة، ويتخذ كل منهما إجراءات ضد الآخر في ملفات اقتصادية وتجارية.

وبفعل الثقل العالمي للسعودية والإمارات -كبلدين من كبار مصدّري الطاقة، يملكان ثروات سيادية هائلة ونفوذاً دبلوماسياً واسعاً- فإن هذا الشرخ مرشح للتأثير في الأسواق، وتعطيل الاستثمارات، وإرباك مفاوضات حساسة في أنحاء العالم.

بالنسبة إلى واشنطن، يحمل هذا الانفجار بذور “صداع” سياسي ثقيل. فقد أمضى وزير الخارجية ماركو روبيو يوم الثلاثاء يجري اتصالات مكثفة مع نظرائه السعوديين والإماراتيين.

ويأتي ذلك فيما قدم البلدان وعوداً كبيرة بضخ أموال في الولايات المتحدة، وهما لاعبان رئيسيان يأمل الرئيس ترامب الحصول منهما على دعم لسياساته في الشرق الأوسط، بما في ذلك في إسرائيل وغزة.

وقالت ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج وشبه الجزيرة العربية في “مجموعة الأزمات الدولية”: “لا أحد في الخليج يريد رؤية أزمة خليجية جديدة، لذا لدى الجميع مصلحة في احتواء هذا”.

ومع ذلك، يبقى الانقسام العميق قائماً. ففي سنواته الأولى، انتهج الأمير محمد سياسة خارجية هجومية، وشن حملة القصف في اليمن خلال أشهر من تعيينه وزيراً للدفاع. لكنه منذ ذلك الحين اتجه إلى تهدئة صراعات الإقليم سعياً وراء أجندته الاقتصادية الداخلية.

على النقيض، تحولت الإمارات إلى لاعب إقليمي “متمرّد” بملامح طموحات توسعية. وخلال إدارة ترامب الأولى، ساعدت في هندسة سلسلة اتفاقات طبّعت بموجبها الإمارات والبحرين والمغرب علاقاتها مع إسرائيل، في خطوة كسرت سياسة راسخة لدى كثير من الدول العربية.

كما زادت الحكومة الإماراتية من انخراطها خارج الإقليم، واستثمرت بكثافة في أفريقيا.

وخلال الأشهر الماضية واجهت الإمارات موجة انتقادات دولية على خلفية دور مزعوم في السودان، إذ اتُهمت بدعم “قوات الدعم السريع”، وهي قوة شبه عسكرية تقاتل الجيش السوداني في حرب أهلية مدمرة.

وكان مسؤولون إماراتيون قد نفوا سابقاً تقديم دعم لتلك القوة، رغم أن الأدلة، بحسب التقرير، موثقة على نطاق واسع. وفي المقابل، دعمت السعودية الجيش السوداني واستضافت محادثات سلام بين الطرفين.

وخلال زيارة إلى الولايات المتحدة في نوفمبر، ضغط الأمير محمد على ترامب للمساعدة في التوصل إلى اتفاق سلام في السودان. ومن شأن انخراط محتمل لإدارة ترامب أن يزيد الضغط الدولي على الإمارات بسبب السودان.

وقال روبيو في نوفمبر، في إشارة إلى الأطراف المتورطة في السودان: “هناك من يمدّهم بالمال وهناك من يمدّهم بالسلاح… ونحن نعرف من هم”.

وترى فاروق أن الإمارات في السنوات الأخيرة “تُسخّر أدواتها المالية والعسكرية المتنامية لتحقيق طموحاتها الجيو-اقتصادية عبر إسقاط نفوذها”، فيما ركزت السعودية على احتواء الأزمات الإقليمية وإدارتها.

وقال أنور قرقاش، المسؤول الإماراتي البارز، في مقابلة مع شبكة CNN في نوفمبر: “نحن بلد مؤثر في المنطقة. ربما لا يعجب ذلك البعض، لكن هذه هي الحقيقة. وبناءً عليه، لدينا رؤية إقليمية لما نريد أن نراه في البلدان من حولنا”.

ووصف بدر السيف، الأستاذ المساعد في جامعة الكويت، خطوط الصدع بين البلدين بأنها “اختلاف في الرؤى للعالم”.

ويقول محللون ودبلوماسيون إن تحركات الشيخ محمد في الإمارات تبدو مدفوعة باعتبارات أيديولوجية، بينها معارضته للإسلام السياسي الذي يراه تهديداً للمنطقة. أما الأمير السعودي، فيقدَّم في المقابل بوصفه “براغماتياً صلباً” مستعداً لتغيير مواقفه السياسية عند الضرورة.

هذه الفوارق في الذهنية والشخصية بدت -بحسب مراقبين- كافية لجعل الصدام أمراً شبه حتمي في مرحلة ما.

أولى الإشارات العلنية إلى خلل في العلاقة ظهرت عام 2019. فمع تعرض الحملة التي تقودها السعودية في اليمن لضغوط دولية متزايدة بسبب اتساع نطاق القتل والجوع والمرض في البلاد، سحبت الإمارات معظم قواتها. لكنها في الوقت نفسه قدمت دعماً لـ”المجلس الانتقالي الجنوبي” الانفصالي، الذي بدأ يخوض قتالاً علنياً ضد الحكومة اليمنية.

وبعد ذلك بوقت قصير، اشتدت المنافسة الاقتصادية بين البلدين. فخطط الأمير محمد لتحويل السعودية إلى مركز عالمي للأعمال والذكاء الاصطناعي والسياحة تمثل تهديداً محتملاً لدبي، المركز المالي والجوي الأبرز في الإمارات.

وغالباً ما يقول مسؤولون سعوديون وإماراتيون إن المنافسة «ودية» ومفيدة للجميع. لكن في 2021 بدأت الحكومة السعودية تضغط على الشركات الدولية لنقل مقارها الإقليمية من دبي إلى الرياض، وهددت بحرمان الشركات التي لا تمتثل من الوصول إلى عقود حكومية مربحة. أشدّ الاحتكاكات بين البلدين كانت في اليمن، أفقر دول شبه الجزيرة العربية.

ففي ديسمبر، اجتاح الانفصاليون أجزاء من جنوب وشرق اليمن، وسيطروا على مساحات واسعة من أراضٍ غنية بالنفط في مناطق لطالما اعتُبرت ضمن نفوذ السعودية، معلنين نيتهم تشكيل دولة منفصلة.

ولا يزال سبب دعم الإمارات لهذه الجماعة غير واضح. إلا أن محللين يرجحون أن القيادة الإماراتية قد تنجذب إلى فكرة بسط نفوذها على مدن الموانئ اليمنية الواقعة على طرق تجارة عالمية بالغة الأهمية. وفي المقابل، يقول مسؤولون إماراتيون إنهم يدعمون “حق اليمنيين في الأمن وتقرير المصير”.

أما المسؤولون السعوديون فوصفوا تحركات الجماعة الانفصالية الأخيرة بأنها تهديد أمني للمملكة التي تشترك مع اليمن بحدود طويلة وسهلة الاختراق. ويوم الثلاثاء، عندما قصفت قوات تقودها السعودية في اليمن الشحنة الإماراتية قائلة إنها تضم أسلحة متجهة للانفصاليين، اتهمت وزارة الخارجية السعودية الإمارات بالضغط على الجماعة لتنفيذ هجومها الأخير.

ونفت الحكومة الإماراتية ذلك، وقالت إن الشحنة لا تحتوي على أسلحة. لكنها بعد ساعات أعلنت أنها ستسحب ما تبقى من قواتها العسكرية من اليمن “بمحض إرادتها” في أعقاب الغارة، بدأ معلقون سعوديون وإماراتيون -اعتادوا عادة تبادل عبارات الاحترام الأخوي- يتبادلون نيراناً كلامية.

وكتب ضاحي خلفان، نائب قائد شرطة دبي المعروف بصراحته، على وسائل التواصل الاجتماعي أن الزعم بأن الإمارات هددت أمن السعودية “مؤسف” وغير صحيح. ثم وجه انتقاداً مبطناً للأمير محمد، عبر الإشادة بحاكم سعودي سابق هو الملك عبدالله، الذي يستحضر منتقدو الأمير ذكراه كثيراً.

وكتب خلفان: “رحم الله الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأسكنه أعلى الجنان… في أحلك الليالي يُفتقد البدر”. وفي المقابل، لمح مؤثرون سعوديون على وسائل التواصل إلى أن الحكومة الإماراتية تتحرك بانتهازية وبـ”أوهام عظمة”. وكتب سعود الدوسري، نجل وزير الإعلام السعودي: “شيء أن تلعب فوق وزنك… وشيء آخر أن تصدق أنك قوة إقليمية”.

وأعرب السيف، أستاذ جامعة الكويت، عن أمله أن ظهور الخلاف “على الملأ” سيسرّع التوصل إلى حل، أو على الأقل يفضي إلى “صيغة أكثر وضوحاً للتعايش”.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى المقالات

cron