لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالا لمديرة مكتبها للشأن الإيراني، إريكا سولومون، قالت فيه إن إيران أعطت إشارة عن استعدادها لتصعيد مواجهتها مع الولايات المتحدة، حيث أطلق كبار المسؤولين تحذيرات شديدة اللهجة في الأيام الأخيرة عقب مهاجمة سفن حربية أمريكية للمرة الأولى.
وبات قادة إيران يتحدثون عن نهج أكثر عدوانية في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة والمخاوف من فقدان السيطرة على مضيق هرمز، فقد جعل الحصار الأمريكي تصدير النفط الذي يعد المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد، أمرا شبه مستحيل.
وعليه، تعتبر إيران التصعيد ورقة الضغط الرئيسية التي تمتلكها في مواجهة الولايات المتحدة. ويشير المحللون إلى أن هذا الوضع يزيد من مخاطر أن تؤدي سلسلة الاشتباكات الأخيرة إلى إشعال حرب شاملة. فقد أعلنت إيران، يوم السبت، أنها هاجمت سفينتين عسكريتين أمريكيتين بصواريخ باليستية، مما دفع القوات الأمريكية للرد بضرب ثلاث ناقلات نفط إيرانية.
وبعد ذلك بيوم، أعلن محمد باقر قاليباف، كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس البرلمان، أمام المشرعين بأن عهد “الردود المتكافئة” على الهجمات الأمريكية قد ولى، قائلا: “من الآن فصاعدا، سيقابل أي عدوان على مصالح إيران وأمنها برد أسرع وأشد وطأة وأكثر إيلاما”. وبعيدا عن ذلك، أعلن محسن رضائي، المسؤول الأمني الإيراني البارز، عن خطط لفرض “منطقة مقيدة” للملاحة في الخليج، تتجاوز في نطاقها جهود البلاد الحالية للسيطرة على مضيق هرمز.
وقالت الصحيفة إن إيران صمدت إلى حد كبير أمام الحملة العسكرية المكثفة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في شباط/ فبراير، إلا أن حرب الاستنزاف التي دارت رحاها في الأشهر الأخيرة خلقت تهديدا اقتصاديا يدفع الحكومة الآن إلى تصعيد خطابها وهجماتها.
ومنع الحصار البحري الأمريكي تصدير طهران لجزء كبير من نفطها، مما فاقم الأزمة الاقتصادية المزمنة. وهو ما اضطر الحكومة يوم الثلاثاء إلى رفع أسعار بعض أنواع البنزين بسبب نقص الوقود، وهي خطوة من المتوقع أن تزيد من حالة الاضطراب في بلد يعاني بالفعل من ارتفاع معدلات التضخم والبطالة، فضلا عن الانخفاض السريع في قيمة العملة.
في الوقت نفسه، أتاحت عمليات المرافقة البحرية الأمريكية لعدد محدود من ناقلات النفط العبور عبر مضيق هرمز، مما قوض محاولة إيران إغلاق الممر المائي، وهي الخطوة التي تسببت في ارتفاع حاد بأسعار النفط العالمية. ورغم أن عدد السفن التي تعبر قليل، وأن هذه الجهود مكلفة للغاية بالنسبة للولايات المتحدة، إلا أنها حالت دون مزيد من الارتفاع في أسعار النفط وحدت من قدرة إيران على إلحاق ضرر اقتصادي بواشنطن.
ونقلت الصحيفة عن فرزان ثابت، المحلل المختص بالشؤون الإيرانية في “معهد جنيف للدراسات العليا” قوله: “كيف تستعيد الزخم؟ عن طريق التصعيد”. وأضاف أن إيران ستحاول على الأرجح تكثيف المواجهة العسكرية، مع سعيها في الوقت ذاته لتجنب العودة إلى حرب شاملة. وتابع قائلا: “إن الأمر ينطوي على أضرار جسيمة، لكنهم يأملون في الوقت نفسه أن يؤدي ذلك إلى رفع أسعار النفط العالمية أو إعادة إغلاق مضيق هرمز بالكامل”.
ومع ذلك عبر مسؤولون إيرانيون بارزون عن استعدادهم للتفاوض والعودة إلى مذكرة التفاهم الهشة التي أوقفت الحرب في نيسان/ أبريل، وكان من المفترض أن تمهد الطريق لمحادثات حول اتفاق نووي إيراني.
غير أن الرئيس ترامب أكد أنه لا يبدي أي اهتمام بالمفاوضات، مفضلا المضي قدما في إستراتيجيته القائمة على الاستنزاف وخنق إيران اقتصاديا.
وتعتقد القيادة الإيرانية أن الوقت الراهن قد يكون الأنسب لرفع سقف المواجهة، وذلك قبيل انتخابات التجديد النصفي الأمريكية المقررة في تشرين الثاني/ نوفمبر، حيث قد تؤدي حرب لا تحظى بشعبية إلى الإضرار بفرص ترامب والحزب الجمهوري.
يقول محمد علي شعباني، المحلل المختص بالشؤون الإيرانية ورئيس تحرير الموقع الإخباري الإقليمي “أمواج. ميديا”: “تشير كل الدلائل إلى أننا أمام لحظة حاسمة ومصيرية”. ويضيف: “لست متأكدا من أن الإيرانيين سينتظرون إلى ما بعد الانتخابات ليتعرضوا لهجوم في حال فشل الدبلوماسية”.
ويرى حميد رضا عزيزي، وهو محلل بارز للشؤون الإيرانية في “مجموعة الأزمات الدولية”، أن خطوة إيران بمهاجمة سفينتين حربيتين أمريكيتين بصواريخ باليستية مثلت تصعيدا كبيرا.
ففي السابق، لم تبذل القوات الإيرانية أي جهد جاد لاستهداف السفن البحرية الأمريكية، وبدت مترددة في شن هجمات قد تسفر عن وقوع خسائر بشرية أمريكية فادحة. وعن ذلك يقول عزيزي: “من الواضح أن هذه الحسابات قد تغيرت”.
كان القرار الأمريكي بالرد عبر ضرب ثلاث ناقلات نفط إيرانية -وإغراق إحداها- مؤشرا على مدى الجدية التي تعاملت بها واشنطن مع الهجوم الإيراني.
وقال عزيزي: “يحاول كلا الجانبين فرض خطوطه الحمراء ودفع الخطوط الحمراء للطرف الآخر إلى أقصى حد ممكن”.
كما كان القرار بمثابة إقرار بتطور القدرات العسكرية الإيرانية، إذ أشار عزيزي إلى أن الولايات المتحدة لم تكن تعتقد، قبل اندلاع الحرب، أن إيران قادرة على استهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة بدقة. لكن في الأشهر الأخيرة، أثبتت إيران قدرتها على ذلك، بما في ذلك شن هجوم على قاعدة أمريكية في الأردن خلال شهر تموز/ يوليو أسفر عن مقتل جنديين أمريكيين. وأضاف عزيزي أن إيران قد تكتسب براعة مماثلة في استهداف الأساطيل البحرية.
وتأتي هذه التحركات التصعيدية في ظل اضطرابات إقليمية جديدة، حيث شنت ميليشيا الحوثي، هجمات أسفرت عن إصابة العشرات في جنوب السعودية يوم الثلاثاء، وتعهدت المملكة بالرد. وسواء كان هذا التحرك منسقا مع طهران أم لا، فإن تجدد الصراع في اليمن يخدم هدف إيران المتمثل في زيادة الضغط على أسعار الطاقة العالمية.
وبالنسبة للقادة الإيرانيين، تحولت ما يصفونها بـ”الحرب الاقتصادية” الأمريكية إلى خطر يهدد الأمن الداخلي، مما دفعهم لتبني موقف أكثر عدوانية.
وقد يؤدي تزايد الشعور باليأس الاقتصادي بين الإيرانيين إلى اندلاع موجة جديدة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة، ففي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أدت أزمة العملة إلى مظاهرات عمت البلاد، قمعتها قوات الأمن باستخدام القوة المميتة.
ويشعر المسؤولون الإيرانيون بالقلق من احتمال استغلال إسرائيل لأي حالة استياء لدعم المعارضين أو تأجيج تمرد داخلي، وذلك حسبما ذكر هادي برهاني، الأستاذ المتخصص في الدراسات الإسرائيلية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة طهران.
وأشار برهاني إلى تصريحات أدلى بها مؤخرا كل من وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي قال هذا الأسبوع: “لا يزال هناك المزيد لإنجازه. أعني، قبل كل شيء، إسقاط النظام. هذا النظام في إيران نهايته باتت وشيكة”.
ولا ترغب الحكومة الإيرانية في انتظار تحرك إسرائيل.
وقال برهاني: “إنهم يعتقدون أن على إيران تغيير الوضع، ربما من خلال خطوة أكثر ضررا أو عدوانية من شأنها رفع مستوى التوتر الإقليمي”.
كما يرى بعض القادة الإيرانيين أن الوقت الحالي مناسب للتحرك، نظرا لأن الرئيس ترامب سيعود إلى خيار الحرب بعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس على أية حال. ويرى العديد من المحللين أن الرئيس سيشعر إما بأنه أثبت صحة نهجه بفضل فوز انتخابي غير متوقع، أو أنه لم يعد لديه ما يخسره إذا ما واصل المضي قدما في استراتيجيته الخاصة.
ومع ذلك، يتوقع ثابت أن تؤدي الظروف الاقتصادية العالمية المتدهورة في نهاية المطاف إلى دفع إدارة ترامب لتخفيف حدة التوترات.
وأوضح أنه على الرغم من أن عمليات المرافقة البحرية الأمريكية عبر مضيق هرمز قد سمحت بمرور بعض شحنات النفط، إلا أن مخزون النفط الخام العالمي لا يعوض بالسرعة الكافية، كما أن الغاز الطبيعي ومشتقات النفط الحيوية الأخرى لا تصل إلى وجهاتها؛ ومن المرجح أن تتسبب هذه النواقص في إلحاق المزيد من الضرر بالاقتصاد العالمي.