لندن- “القدس العربي”:
ترصد فرناز فصيحي، رئيسة مكتب الأمم المتحدة في “نيويورك تايمز” وإحدى أبرز من غطّوا إيران على مدى ثلاثة عقود، كيف تجد طهران نفسها أمام مأزق مركّب يجمع بين اضطرابات داخلية متصاعدة، وتهديدات خارجية بضربات محتملة. ويُظهر التقرير أن السلطة الإيرانية، العالقة بين اقتصاد ينهار وغضب يتسع، تفتقر إلى مخرج واضح يخفف التوتر في الداخل ويمنع التصعيد مع إسرائيل والولايات المتحدة.
تقول فصيحي إن الحكومة الإيرانية اعتادت في السنوات الأخيرة تجاوز موجة تلو أخرى من الاحتجاجات الوطنية التي تتحدى حكمها عبر اللجوء إلى القوة. لكن للمرة الأولى يواجه حكام البلاد تحدياً أكثر تعقيداً: اضطرابات داخلية متنامية تتزامن مع تهديد عسكري خارجي. وتبدو الحكومة عالقة في طريق مسدود في التعامل مع الأمرين معاً، من دون استراتيجية واضحة لوقف الانهيار الاقتصادي الذي يغذي الاحتجاجات، ولا مؤشرات على استعداد قادة إيران لتقديم تنازلات في برنامجها النووي تكفي لتهدئة إسرائيل والولايات المتحدة ودرء خطر جولة جديدة من الضربات.
منذ أسبوع، تعصف الاحتجاجات بإيران. ورغم أنها لم تبلغ حجم واتساع آخر انتفاضتين كبيرتين، إحداهما في 2022 قادتها النساء، والأخرى في 2019 أشعلتها أسعار الوقود، فإنها هزّت مسؤولين كباراً واستدعت ردود فعل سريعة من الولايات المتحدة وإسرائيل. وهدد الرئيس ترامب بالتدخل، قائلاً في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن الولايات المتحدة ستأتي لمساعدة الإيرانيين إذا قتلت إيران “متظاهرين سلميين”، مضيفاً: “نحن في حالة جاهزية كاملة ومستعدون للتحرك”. وتحدث وزير الخارجية الإسرائيلي وعدد من مسؤولي الحكومة دعماً للمحتجين.
وقالت جيلا غمليئيل، وزيرة الابتكار والعلوم والتكنولوجيا في إسرائيل، في مقطع فيديو نُشر الخميس: “إسرائيل معكم، وندعمكم بكل طريقة ممكنة”. والسبت، هاجم الجيش الأمريكي فنزويل، أحد أقرب حلفاء إيران، واعتقل زعيمها نيكولاس مادورو. وفي مؤتمر صحافي قال فيه ترامب إن واشنطن تعتزم “إدارة” الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية في المستقبل القريب، شدد وزير الخارجية ماركو روبيو أن على دول أخرى أن “تأخذ العبرة”.
وبدا قادة إيران وشخصياتها السياسية في حالة ارتباك وصدمة. ولا يمكن المبالغة في تقدير تداعيات ذلك على طهران. وقال علي غولهكي، وهو معلق متشدد في إيران، في مقابلة هاتفية، إن الحالة المتردية للاقتصاد لعبت دوراً محورياً في سقوط قادة كل من فنزويلا وسوريا، عبر خلق دوامة من السخط الشعبي وإحباط قوات الأمن.
وأضاف: “الدرس لإيران هو أننا يجب أن نكون شديدي الحذر كي لا يتكرر السيناريو ذاته هنا. عندما تكافح شرطة مكافحة الشغب وقوات الأمن والجيش من أجل لقمة العيش، تنهار خطوط الدفاع”. وبعد تهديد ترامب بضرب إيران الجمعة، عقد المجلس الأعلى للأمن القومي -الجهة المسؤولة عن الأمن الداخلي والخارجي- اجتماعاً طارئاً متأخراً ليلاً لبحث سبل احتواء الاحتجاجات بعنف أقل لتفادي تأجيج غضب الشارع. كما ناقش الاستعداد لاحتمال وقوع ضربات عسكرية، وفق ثلاثة مسؤولين إيرانيين مطلعين على مداولات الحكومة طلبوا عدم الكشف عن أسمائهم لأنهم يتحدثون عن قضايا حساسة.
وقال هؤلاء إن مسؤولين كبارا أقرّوا في اجتماعات ومحادثات خاصة، مع استمرار الاحتجاجات، بأن الجمهورية الإسلامية دخلت “وضع البقاء”. ويبدو أن أمامهم أدوات قليلة للتعامل مع انهيار اقتصادي يغذي الاضطراب، أو مع تهديد تصعيد جديد مع إسرائيل والولايات المتحدة.
وقال الرئيس مسعود بزشكيان ذلك علناً في الأسابيع الأخيرة أكثر من مرة، وذهب في إحدى المناسبات إلى حد إعلان أنه “لا يملك أفكاراً” لحل مشكلات إيران الكثيرة. وقال بزشكيان في خطاب الخميس، وهو أول ظهور علني له منذ بدء الاحتجاجات: “أي سياسة في المجتمع تقوم على الظلم محكوم عليها بالفشل. تقبلوا أننا يجب أن نصغي إلى الناس”. وما اتخذته الحكومة حتى الآن لمعالجة الأزمة الاقتصادية مثل تغيير محافظ البنك المركزي والإعلان عن تغييرات في سياسة العملة حقق نتائج محدودة.
أما إصلاح الاقتصاد فعلياً، فيتطلب تغييرات كبرى قد تفضي إلى اتفاق نووي مع واشنطن يرفع العقوبات، وإلى حملة جدية على الفساد.
ويبدو أن الحكومة إما عاجزة عن اتخاذ هذه الخطوات أو غير راغبة فيها. ويقول محللون إن أزمات البلاد مترابطة. فقد تضرر الاقتصاد بشدة بسبب العقوبات الأمريكية على مبيعات النفط والمعاملات المصرفية الدولية، التي فُرضت عام 2018 عندما انسحب ترامب من الاتفاق النووي مع طهران. وبعد أن أعاد مجلس الأمن الدولي فرض عقوبات في سبتمبر، هوى الريال الإيراني أكثر. كما ساهم الفساد المستشري وسوء الإدارة في تفاقم الوضع.
ويزيد من متاعب إيران استمرار الصراع مع إسرائيل. فقد نفذت إسرائيل اغتيالات وتفجيرات استهدفت منشآت نووية وعسكرية، بينما سلّحت إيران ومولت جماعات مسلحة في لبنان وغزة والضفة الغربية. وفي يونيو شنت إسرائيل هجوماً مباغتاً على إيران أشعل صراعاً استمر 12 يوماً وانتهى بقصف الولايات المتحدة منشآت إيران النووية وإلحاق أضرار جسيمة بها.
وقال المسؤولون الثلاثة إن القلق تصاعد هذا الأسبوع من أن إسرائيل قد ترى في استمرار عدم الاستقرار الداخلي “فرصة” لتوجيه ضربة جديدة. وأضافوا أن تصريحات ترامب ومسؤولين إسرائيليين زادت من تلك المخاوف. وعقد بزشكيان اجتماعين طارئين مع لجنة مستشاريه الاقتصاديين الأسبوع الماضي، طالباً إرشادات ونقاط حديث مكتوبة إذا تفاقمت الأزمات، وفق مسؤولين اثنين مطلعين طلبا عدم الكشف عن اسميهما. وقالا إن بعض المستشارين اقترح أن يدفع بزشكيان باتجاه “تحويل اللوم” في خطاباته العامة إلى بنية “السلطة المزدوجة” في إيران، حيث تُتخذ القرارات الأساسية من المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي.
والسبت، اتخذ خامنئي موقفاً أكثر تشدداً من الرئيس، قائلاً في خطاب علني إن “المشاغبين يجب وضعهم في مكانهم”، وحمّل “الأعداء الخارجيين” مسؤولية تراجع العملة ومشكلات اقتصادية أخرى. لكنه أقرّ في الوقت نفسه بأن لتجار بازار طهران الحق في الاحتجاج على تقلب الأسعار. وانطلقت موجة الاضطرابات الحالية هذا الأسبوع بعدما أغلق أولئك التجار محالهم احتجاجاً. ومع امتداد الإضرابات إلى مدن أخرى، أعلنت الحكومة عطلة وطنية لمدة أربعة أيام تنتهي الأحد في محاولة لاحتواء الوضع.
وبحسب مقاطع مصورة على وسائل التواصل وتقارير إعلام إيراني، ظلّت غالبية محال بازار طهران مغلقة الأحد، مع ورود تقارير عن احتجاجات متفرقة وحضور كثيف لشرطة مكافحة الشغب. وفي الأيام القليلة الماضية، تحول الاضطراب إلى أعمال شغب في أماكن كثيرة، حيث هاجم شبان مباني حكومية واشتَبكوا مع قوات الأمن وأضرموا النار في سيارات ودراجات نارية وحاويات قمامة، وفق مقاطع فيديو ومنصات إعلام إيرانية وخدمة “بي بي سي فارسي”.
وضربت قوات الأمن محتجين واستخدمت الغاز المسيل للدموع، ويمكن سماع إطلاق نار في بعض المقاطع من مدن غربي إيران. وقُتل ما لا يقل عن ثمانية محتجين وعنصري أمن، وفق تقارير رسمية وجماعات حقوقية ومقاطع لجنازات. وقال مهدي رحمتي، محلل إيراني يقدم مشورة لمسؤولين بشأن الاستراتيجية الإقليمية: “للأسف، أعتقد أن الحكومة لا تملك فهماً ولا استراتيجية للوضع الداخلي ولا للضغوط الدولية المتصاعدة”. وأضاف: “لا يمكن إنكار وجود غضب خام.. إحدى النظريات أنهم يتركون المحتجين يفرغون غضبهم لأننا عند نقطة انفجار”.
وعقد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اجتماعاً خاصاً الخميس مع بعض رؤساء المؤسسات الإعلامية المرتبطة بالحكومة، ووصف الأزمة المتفاقمة بأنها “معركة بقاء” لحكم الجمهورية الإسلامية وللبلاد، وفق شخصين مطلعين. وقالا إن عراقجي أبلغ ممثلي الإعلام أن آفاق التفاوض مع واشنطن “معدومة” حالياً، وأن قرار الانخراط مع الولايات المتحدة ليس بيده.
ولأسبوع، خرجت حشود إلى الشوارع للتعبير عن غضبها من الحكومة والدعوة إلى إنهاء حكم رجال الدين. وتركزت الاحتجاجات غالباً في بلدات صغيرة ومناطق فقيرة وفي الجامعات، حيث ردد المتظاهرون “الموت لخامنئي” و”حرية، حرية”. وقال ناشطون ومقيمون داخل إيران إن بعض الهتافات عممت الإدانة للحكم الاستبدادي، مثل: “الموت للظالم، سواء كان ملكاً أم مرشداً”.
لكن في طهران باستثناء وسط المدينة حيث البازار، وحرم الجامعة، وبعض الأحياء العمالية، بدت الحياة طبيعية إلى حد كبير، بحسب سكان. وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل أن منتجعات التزلج شمال طهران كانت مكتظة بمتنزهين من الميسورين. ولا تبدو الاحتجاجات الحالية بحجم انتفاضة 2022، التي تمحورت حول حركة تقدمية لحقوق المرأة للمطالبة بإنهاء فرض الحجاب الإلزامي واستمرت لأشهر. لكن المظاهرات هذه المرة قد تتمدد وتصبح أكثر عنفاً. وقالت وكالة فارس المرتبطة بالحرس الثوري السبت، إن بعض أعمال الشغب في المحافظات الغربية اتخذت شكل “خلايا منظمة” و”هجمات شبه مسلحة”.
وذكرت أن المحرّضين في محافظة إيلام كانوا يحملون أسلحة نارية وأسلحة ثقيلة وقنابل يدوية. وأظهرت مقاطع مصورة حشوداً هناك ترتدي أقنعة وتطلق النار من بنادق هجومية في الهواء وهي تهتف: “الموت لخامنئي”. وفي بيان مشترك، دعا 17 ناشطاً إيرانياً مؤيداً للديمقراطية، من بينهم الحائزة جائزة نوبل للسلام نرغس محمدي المسجونة، والمخرجان جعفر بناهي ومحمد رسولوف، قوات الأمن إلى الامتناع عن مهاجمة المحتجين. وجاء في البيان: “إن الطريق الوحيد لإنقاذ إيران هو الانتقال بعيداً من الجمهورية الإسلامية، وهو مطلب ليس مؤقتاً ولا يمكن قمعه”.