نيوزيلندا ـ «القدس العربي»: كشفت دراسة جديدة عن أدلة تشير إلى أن منطقة محددة في الدماغ قد تساهم في بعض حالات ارتفاع ضغط الدم، فيما تمكن العلماء على الفور من التوصل إلى طريقة محتملة لعكس هذه الحالة، وهو ما يعني التغلب على ارتفاع ضغط الدم الناتج عن هذا السبب.
ووفقاً للدراسة التي أُجريت عام 2025 من قبل فريق يضم باحثين من جامعة «ساو باولو» في البرازيل وجامعة أوكلاند في نيوزيلندا، يمكن للمنطقة «الجانبية المجاورة للوجه «pFL» في الدماغ أن تحفز تغيرات بيولوجية تؤدي إلى رفع ضغط الدم.
وترتبط منطقة «pFL» بالتحكم في التنفس، وتحديداً بعمليات الزفير القوية والمتعمدة التي تحدث أثناء ممارسة الرياضة أو عند السعال أو الضحك.
وبحسب تقرير مطول استعرض نتائج هذه الدراسة في موقع «ساينس أليرت»، واطلعت عليه «القدس العربي»، ففي اختبارات أُجريت على الجرذان، وجد الباحثون أن هذه المنطقة قادرة أيضاً على القيام بأمر آخر: وهو تضييق الأوعية الدموية. ويقول الباحثون إن هذا المزيج بين التحكم في التنفس وإرسال إشارات للأوعية الدموية قد يكون المحرك لارتفاع ضغط الدم في بعض الحالات.
وقد يفسر هذا الأمر سبب معاناة الكثير من الأشخاص (حوالي 40 في المئة وفقاً لبعض التقديرات) من ضغط دم غير منضبط، رغم تناولهم أدوية خافضة لضغط الدم.
وتشير الدراسة إلى أن الخلايا العصبية في منطقة «pFL» قد تربط بين التغيرات في إيقاعات التنفس، التي قد لا تكون ملحوظة بالضرورة، وبين زيادة نشاط الجهاز العصبي الودي (المسؤول عن استجابة «الكر والفر») الذي يُساعد في التحكم بضغط الدم؛ وهو ما يتوافق مع أبحاث سابقة ربطت بين ارتفاع ضغط الدم والدماغ والجهاز العصبي.
وكتب الباحثون في ورقتهم العلمية المنشورة: «نظراً لأن حوالي 50 في المئة من مرضى ارتفاع ضغط الدم لديهم مسببات عصبية المنشأ، فإن التحدي يكمن في فهم الآليات التي تولد حالة (الاستثارة الودية) المرتبطة بارتفاع ضغط الدم». وأضافوا: «من شأن هذا الاكتشاف أن يوفر توجيهاً سريرياً تشتد الحاجة إليه لتطوير استراتيجيات علاجية جديدة».
وفي تجاربهم على الجرذان، استخدم الباحثون تقنيات الهندسة الوراثية لتنشيط أو تعطيل الخلايا العصبية في منطقة «pFL»، ثم راقبوا النتائج؛ حيث قاموا برصد النشاط العصبي المرتبط بالتنفس، ونشاط الجهاز العصبي الودي، ومستويات ضغط الدم.
وقام الباحثون بتنشيط عصبونات منطقة «pFL» لدى بعض الجرذان، ووجدوا أن ذلك أدى إلى تحفيز دوائر دماغية أخرى تسببت في النهاية في رفع ضغط دم الحيوانات. وتمكنوا بعد ذلك من رسم خريطة تفصيلية لنشاط جذع الدماغ والأعصاب، بما في ذلك العصبونات الأخرى التي تتواصل معها منطقة «pFL»، ومقارنة ذلك بقراءات مأخوذة من مجموعة ضابطة من الجرذان التي لا تعاني من ارتفاع ضغط الدم.
وقد تبين أنه لدى الجرذان المصابة بارتفاع ضغط الدم، لم تقتصر وظيفة عصبونات «pFL» على المساعدة في التنفس فحسب، بل ساهمت أيضاً في تضييق الأوعية الدموية. كما كشفت هذه النتائج عن مسار علاجي محتمل جديد.
ويقول عالم وظائف الأعضاء جوليان باتون، من جامعة أوكلاند: «اكتشفنا أنه في حالات ارتفاع ضغط الدم، تنشط المنطقة الجانبية المجاورة للوجه (lateral parafacial region)، وعندما قام فريقنا بتعطيل نشاط هذه المنطقة، انخفض ضغط الدم إلى مستوياته الطبيعية».
وتساهم النتائج المنشورة أيضاً في تفسير سبب ارتفاع خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم لدى الأشخاص الذين يعانون من انقطاع النفس الانسدادي النومي (أي مشاكل التنفس أثناء الليل).
ويعود الأمر مجدداً إلى تلك العلاقة الوثيقة بين التنفس وتدفق الدم؛ ففي حين أن عصبونات «pFL» لا تشارك في عملية التنفس الطبيعي، إلا أنها تنشط استجابةً لارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون أو انخفاض مستويات الأكسجين، وهي الظروف التي تحدث أثناء نوبات انقطاع النفس النومي.
ويشير تقرير «ساينس أليرت» إلى أن هذا البحث اقتصر على استخدام نماذج حيوانية؛ لذا فمن المحتمل -وإن لم يكن مؤكداً- أن تكون الدوائر العصبية ذاتها مسؤولة عن العمليات نفسها لدى البشر.
ومع ذلك، ونظراً لأن ما يقرب من ثُلث سكان العالم يعانون من مشكلة ارتفاع ضغط الدم، وأن الكثير منهم لا يستطيعون الحصول على الأدوية العلاجية اللازمة، فإن الحاجة إلى خيارات علاجية جديدة تُعد أمراً ملحاً. فالإصابة بارتفاع ضغط الدم تزيد بشكل كبير من مخاطر الإصابة بالعديد من أمراض القلب، كما ارتبطت بحالات صحية أخرى متعددة، مثل الخرف.
ويتمثل التحدي التالي في تحديد كيفية استهداف الأدوية لعصبونات «pFL» تحديداً دون التأثير على وظائف أخرى، وقد أفاد الباحثون بأنهم أحرزوا تقدماً في هذا الجانب أيضاً.