المدى/ يمان الحسناوي
تتصدّر قضية سنجار العراقية مجددًا المشهد الإقليمي، بعد أن كشف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان عن تفاصيل خطة عسكرية كانت أنقرة تعتزم تنفيذها في القضاء بالتنسيق مع قوات الحشد الشعبي. تصريحات فيدان أثارت جدلاً واسعاً، ليس فقط على المستوى الأمني، بل على صعيد التداعيات السياسية والاستراتيجية في العراق والمنطقة، لتعيد تسليط الضوء على عمق التعقيد في هذه البقعة الحسّاسة من شمال البلاد. يُعد قضاء سنجار من أكثر مناطق العراق هشاشة من حيث البنية الاجتماعية والتعقيدات السكانية، إذ يعيش فيه الإيزيديون، المسيحيون، العرب، الشبك، والتركمان ضمن فسيفساء متعددة الأبعاد، انقسمت وتفككت جزئيًا بعد اجتياح تنظيم داعش عام 2014 وما تلاه من نزوح ودمار.
في مقابلة مع قناة CNN التركية، وصف فيدان سنجار بأنها "محاصرة من قبل الحشد الشعبي"، مشيراً إلى أنه عقد نحو 20 اجتماعاً مع قائد الهيئة فالح الفياض، وجرى اقتراح تنفيذ عملية عسكرية مشتركة تتضمن تقدم الحشد برًا وضربات جوية تركية، فيما وصفه بأنه عملية بسيطة قد تستغرق يومين إلى ثلاثة. وأكد فيدان أن "وجود حزب العمال الكردستاني (PKK) في العراق بات قضية محورية"، متهماً بغداد بأن "اعترافها بتهديد الحزب ظل خطابياً في أغلب الأحيان". وأضاف أن الوضع شهد تغيراً محدوداً في عهد رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في إشارة إلى بعض التحولات السياسية الحاصلة في بغداد.
في هذا السياق، كشف القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفا محمد، عن وجود أكثر من 1500 عنصر من حزب العمال الكردستاني في سنجار، يتقاضون "رواتب ودعماً مباشراً من فصائل مسلحة ضمن الحشد الشعبي، خاصة اللواء 80"، مؤكداً أن هذا الواقع "معلن ولم يُنكر".
وقال محمد لـ(المدى) إن هذا التداخل يجعل ملف نزع السلاح أكثر بطئاً وتعقيداً، مشيراً إلى أن تركيا ترى في هذا التأخر سبباً يدفعها إلى تصعيد الضغط على بغداد وإقليم كردستان لتسريع تفكيك الحزب المسلحة. وتقود هذه التصريحات إلى التساؤل حول المدى الحقيقي لوجود عناصر PKK في سنجار، ومدى تأثير هذا التواجد على المشهد الأمني والسياسي في العراق، وهو ما يضع الملف تحت مجهر جدية الموقف الدولي والإقليمي.
على صعيد ذي صلة، يشير مراقبون إلى خطوات سابقة اتخذها الحزب في منطقة اقليم كردستان، إذ شهدت منطقة رابرين بمحافظة السليمانية في تشرين الثاني 2025 انطلاق أولى خطوات نزع السلاح من مقاتلي PKK، استجابة لدعوة زعيم الحزب المعتقل عبد الله أوجلان بإنهاء العمل المسلح والدخول في العملية السياسية الديمقراطية. هذا التحول تزامن مع إعلان الحزب حل نفسه رسمياً في أيار 2025 بعد أكثر من أربعة عقود من التمرد المسلح ضد تركيا الذي أودى بحياة نحو 40 ألف شخص. لكن رغم هذه الخطوات الرمزية، يبقى الواقع الميداني في سنجار معقداً، لا سيما مع وجود وحدات مقاومة سنجار (YPS) التي تُعد من أبرز القوى المسلحة في المنطقة، وتصفها أنقرة كامتداد لحزب العمال، في حين ينفي مقاتلوها ذلك ويقولون إنهم "مقاتلون محليون هدفهم حماية السكان من التهديدات المتطرفة".
إلى ذلك، رأى الكاتب والصحفي الإيزيدي مراد الخالتي أن تركيا لا تكتفي بالتصريحات المتكررة، بل تعمل على إعادة رسم الخارطة الأمنية في شمال العراق. وقال الخالتي لـ"المدى" إن أنقرة تعتبر قنديل "الرأس المدبّر والقاعدة الخلفية الحصينة" التي يجب إنهاؤها كمعقل تاريخي، وترى في مخمور "حاضنة أيديولوجية ومركز تدريب" يستغل غلافه كمخيم لاجئين ما يستدعي إخضاعه لسيطرة أمنية عراقية مباشرة.
وأضاف الخالتي أن سنجار تُعد الجسر البري الأهم الذي يربط قنديل بمناطق قوات YPG في شرق سوريا، وأن تركيا تسعى لقطع هذا الشريان لمنع انتقال المقاتلين والأسلحة عبر الحدود. واعتبر أن تصريحات فيدان حول الاجتماعات مع الحشد تحمل رسائل مزدوجة، مفادها: إما أن تُخرج الأطراف العراقية عناصر PKK بأنفسهم، أو يتم العمل المشترك، أو تقوم تركيا بذلك وحدها.
وأشار الخالتي إلى أن تركيا تسعى لإقناع بعض أطراف الحشد بأن استمرار وجود الحزب في سنجار يجذب ضربات جوية متكررة ويهدد السيادة العراقية، وبالتالي تعمل على فك الارتباط بين بعض الفصائل ومقاتلي الوحدات الإيزيدية المرتبطة بالـPKK. وأضاف أن السيناريو العسكري قائم بالفعل، لكن بصورة غير تقليدية، إذ يتوقع أن يكون عبر عمليات جوية مركّزة بطائرات مسيرة، مدعومة بضغط سياسي مكثف على بغداد لتطبيق اتفاق سنجار المؤجل. وتابع الخالتي أن تصريحات فيدان توحي بنفاد صبر أنقرة دبلوماسياً، خاصة مع حديثه عن تغييرات قريبة في سنجار ومخمور وقنديل، مضيفًا أن تركيا تشعر اليوم بوجود فائض قوة بعد ترتيباتها في الشمال السوري، وتسعى لفرض وقائع جديدة في شمال العراق.
ووصف الخالتي المشهد العسكري في سنجار بأنه "فسيفساء معقدة"، وقال: "وحدات مقاومة سنجار (YPS)، وهي فصائل محلية إيزيدية مقربة من حزب العمال الكردستاني، تمثل القوة الأكثر نفوذاً داخل المدينة والجبل، ويتواجد الحشد الشعبي يتواجد بكثافة في محيط القضاء وعلى الحدود، ويوفر غطاءً سياسياً وأمنياً لبعض المجموعات، بينما يتواجد الجيش العراقي في نقاط متفرقة، لكن سيطرته أقرب إلى الرمزية منها إلى السيطرة الإدارية الكاملة." وختم الخالتي حديثه بالقول: "تركيا تعتبر تطهير هذا الخط الحدودي مسألة أمن قومي، وتسعى لإنجازه بأي ثمن لضمان نجاح مشروع طريق التنمية وتأمين حدودها الجنوبية. والآن تضع الكرة في ملعب بغداد والحشد: إما الحل بالتفاوض وإخراج المسلحين، أو التدخل المباشر الذي باتت ملامحه تلوح في الأفق."
نية معلّقة واتفاق سنجار المؤجل
تأتي هذه التطورات في ظل اتفاق سنجار الأمني الذي أبرم في أكتوبر 2020 بين بغداد وأربيل، ونصّ على سحب كافة القوات المسلحة، بما فيها "وحدات مقاومة سنجار" المرتبطة بـPKK، من مركز القضاء، وتسليم الملف الأمني إلى الشرطة المحلية. لكن الاتفاق ظلّ معلق التنفيذ، وشهد القضاء في مارس 2025 توتراً أمنيًا بعد مواجهة محدودة بين الجيش العراقي والوحدات المحلية (اليبشة)، عقب محاولة تلك القوات تجاوز نقطة تفتيش للجيش، ما أسفر عن اعتقالات وأشعل احتجاجات محدودة في القضاء.
ويُعتبر فصيل وحدات حماية سنجار (YPS) أحد أبرز القوى المسلحة في المنطقة، حيث تراه تركيا امتداداً لحزب العمال الكردستاني، فيما ينفي مقاتلوه ذلك، مؤكدين أنهم "مقاتلون محليون هدفهم حماية السكان من أي تهديد متطرف".
من جانبه، رأى الباحث في الشأن الاستراتيجي والسياسي، نزار حيدر، أن تركيا تتعامل مع شمال العراق باعتباره جزءًا من أمنها القومي، في ظل استمرار تواجد حزب العمال الكردستاني (PKK) في المنطقة، وانتقال عملياته إلى العمق التركي خلال العقدين الماضيين، محذرًا من أن بغداد تقف على مفترق طرق خطير دون موقف حاسم حتى الآن. وقال حيدر في تصريح لـ(المدى)، إن "كل المؤشرات والتصريحات الصادرة من أنقرة تؤكد أن تركيا تنظر إلى مناطق شمال العراق، لاسيما تلك القريبة من الحدود، بوصفها مناطق تدخل ضمن إطار أمنها القومي"، مشيرًا إلى أن "العمليات التي ينفذها حزب العمال داخل تركيا انطلاقًا من العراق تبرر – من وجهة نظر أنقرة – التدخل العسكري والاستخباراتي المتصاعد".
وأضاف: "الوجود المتزايد لمعسكرات القوات التركية ومراكز استخباراتها على الأراضي العراقية لم يُقابل برد فعل واضح من بغداد، بل إن البرلمان التركي جدد تفويض التمديد العسكري داخل العراق العام الماضي دون أي رد رسمي عراقي يُذكر". وأشار إلى أن ضعف الموقف الحكومي في بغداد أسهم في ترسيخ الرؤية التركية، مؤكدًا أن "اتفاق سنجار الذي أبرم منذ سنوات بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم والجهات المعنية، لم يُنفذ حتى الآن، ما يعزز انطباع أن بغداد تغض الطرف عن تمدد الدور التركي".
وتابع حي: "بعد تصفية الوضع في شمال وشمال شرق سوريا، واحتواء قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، فإن أنقرة تتطلع لتكرار التجربة ذاتها في شمال العراق، عبر خطة جديدة بالتعاون مع الولايات المتحدة لنزع السلاح من جميع الفصائل المسلحة، سواء كانت تابعة للحشد الشعبي أو غيره، في المناطق القريبة من الحدود التركية".
واعتبر الباحث أن العراق مهدد اليوم بـ"تحول خطير في معادلة السيادة"، موضحًا: "إذا لم تتخذ بغداد موقفًا واضحًا، فإنها عمليًا تفسح المجال أمام تطبيق الرؤية التركية بشكل كامل في الشمال العراقي، وهو ما يضع سيادة العراق أمام تحديات كبيرة". وأبدى حي تشككه بقدرة بغداد على اتخاذ موقف حاسم في هذا التوقيت، قائلاً: "الوضع السياسي مرتبك، والبلاد تعيش أزمة تشكيل حكومة، وعدد من الوزارات تدار بالوكالة، وحكومة تصريف الأعمال لا تملك أدوات حاسمة لإدارة هذا الملف، ما يجعل الموقف الرسمي ضعيفًا ومترددًا أمام ملف حساس وخطير بهذا الحجم".
إلى ذلك، حذّر عضو الاتحاد الوطني الكردستاني، مهند عقراوي، من تداعيات تصريحات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأخيرة بشأن تواجد حزب العمال الكردستاني في مناطق عراقية، مشيرًا إلى أن هذه التصريحات ليست جديدة ولكنها تحمل إشارات واضحة إلى نوايا تركية أوسع تجاه إقليم كردستان، على غرار ما حدث شمال سوريا.
وقال عقراوي في تصريح لـ(المدى): إن "تصريحات فيدان ليست مفاجئة، لكن الجديد هو احتمال استنساخ التجربة السورية في العراق، انطلاقًا من مبرر محاربة حزب العمال الكردستاني (PKK)".
وأضاف أن ذكر مناطق سنجار ومخمور وقنديل من قبل وزير الخارجية التركي يعني عمليًا استهداف مناطق داخل إقليم كردستان، بما يشمل دهوك وأربيل والسليمانية. وأوضح أن "تركيا قد ترى فيما جرى بسوريا فرصة لتكراره داخل العراق، وهذه التصريحات لم تصدر من شخصية عابرة، بل من وزير خارجية سبق أن ترأس جهاز الاستخبارات التركية، ما يعطيها طابعاً تنفيذياً أكثر من كونه تحليلياً." من جانبه، أكد الباحث المختص في الشأن الإيزيدي، عيسى سعدو، أن ما تروّج له تركيا من وجود عناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) في سنجار، ينبغي أن يُنظر إليه كملف عراقي داخلي، في ظل وجود قوات أمنية من الجيش والحشد الشعبي والشرطة في المنطقة، مشدداً على أن السيادة العراقية يجب أن تُحترم، وأن تُعالج الملفات الأمنية بعيداً عن التهديدات الإعلامية أو الانتهاكات للأجواء. وقال سعدو في تصريح لـ(المدى)، إن هناك زيارات مستمرة من قبل القيادات الأمنية إلى سنجار، وفي حال وجود مؤشرات فعلية على ما تدعيه تركيا بشأن تواجد حزب العمال، فالمفترض أن يُعالج الأمر ضمن السيادة العراقية، وليس عبر التهديد أو التدخل الخارجي. وأعرب سعدو عن مخاوفه من البُعد الإنساني في هذا التصعيد، قائلاً: "الجميع يعلم حجم الضرر الذي لحق بالإيزيديين جراء جرائم داعش والإبادة الجماعية، ولا تزال المنطقة غير متعافية بشكل كامل، كما أن الآلاف من أبناء المكون ما زالوا في مخيمات النزوح." وأشار إلى أن ما يحدث على الجانب السوري من انتهاكات ضد الأقليات من قبل جماعات تابعة لحكومة الجولاني يثير القلق مجددًا، مضيفاً: "ما شاهدناه من انتهاكات ضد الدروز والعلويين والأكراد مؤخراً يعيد إلى الأذهان أحداث 2014، وما تعرض له الإيزيديون من مذابح على يد الجماعات الإرهابية."
وربط سعدو بين الوضع الحالي والذاكرة التاريخية الأليمة للإيزيديين، قائلاً: "لا تزال الذاكرة الإيزيدية مثقلة بالمعاناة والفرمانات التي شنتها الخلافة العثمانية ضد الإيزيديين عبر التاريخ، وهو ما يجعل أي تحرك تركي جديد مدعاة حقيقية للقلق."
وختم بالقول إن أي تصعيد أو تحرك عسكري سيؤدي إلى زعزعة استقرار سنجار ومحيطها، وتعميق معاناة المدنيين، داعياً الحكومة العراقية إلى تحمل مسؤولياتها في حماية السيادة ومنع تكرار المآسي.