بغداد ـ “القدس العربي”: في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة بوادر على استئناف التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة ثانية، وسط مخاوف من تداعيات ذلك على العراق والمنطقة، كشفت الفصائل الشيعية عن معلومات تفيد برصدها أكثر من 170 “خرقاً جوياً أمريكياً ” لسماء العراق، في الأيام الـ30 الماضية، محذّرة الحكومة الاتحادية من الانصياع للنفوذ الأمريكي.
انتهاك صريح
ائتلاف “المقاومة الإسلامية في العراق”، الذي يضم جميع الفصائل الشيعية المسلحة، أفاد في بيان صحافي، بأنه “في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد والمنطقة، واستمرار العدو الصهيوأمريكي في ارتكاب جرائمه بحق أبناء أمتنا، نؤكد استمرار العدو الأمريكي في انتهاك السيادة العراقية والتنصل من التزاماته المعلنة تجاه الحكومة، إذ رُصد (171) خرقاً جوياً موثقاً، نفذتها طائرات قتالية وتجسسية، خلال المدة الممتدة من 30 أيلول/ سبتمبر إلى 23 تشرين الأول/ أكتوبر من العام الجاري، ويُعدّ ذلك انتهاكاً صريحاً للاتفاقيات المبرمة والالتزامات المترتبة عليها، ومخالفة واضحة لما تفرضه من واجبات على جميع الأطراف، الأمر الذي يضع الحكومة أمام التزام أخلاقي بمصارحة شعبنا العراقي بحقيقة ما يجري”.
الفصائل: قرارات إغلاق المطارات والمنافذ الحدودية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هي قرارات مرهونة للإرادة والإملاءات الأمريكية
كما اعتبر البيان أيضاً أن “قرارات إغلاق المطارات والمنافذ الحدودية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، هي قرارات مرهونة للإرادة والإملاءات الأمريكية، وقد أضحى الحديث عن استكمال (السيادة الوطنية) في ظل استمرار الخروقات وانتهاك القرار الوطني مساساً بكرامة أبناء شعبنا وإرادتهم الحرة، فكيف يستقيم الحديث عن سيادة دولة تُقيَّد قراراتها من الخارج، وبما يكرّس هيمنة أمريكا ويعزز نفوذها على حساب استقلال القرار الوطني؟”.
ووفق الفصائل العراقية فإن “الوقوف مع جبهة الحق في مواجهة قوى الشر هو واجب تفرضه الفطرة الإنسانية السليمة، وما تواجهه الجمهورية الإسلامية من عدوان صهيوأمريكي يمثل حقيقة الحرب بين معسكري الحق والباطل”.
وتعليقاً على المعلومات التي أوردتها “المقاومة”، يؤكد النائب عن “الإطار التنسيقي”، عباس حيال، أن الانتهاكات الأمريكية للسيادة العراقية أمر لا يمكن السكوت عنه، مشدداً على أن سيادة البلاد تمثل خطاً أحمر لا يمكن السماح لأي دولة بتجاوزه أو المساس به تحت أي ذريعة.
خط أحمر
وقال في تصريح لمواقع إخبارية مقربة من الفصائل و”الإطار”، إن “سيادة العراق خط أحمر، ولا يمكن السماح لأي دولة بانتهاكها أو التجاوز عليها”، مبيناً أن “الحفاظ على استقلال القرار العراقي وحماية أجواء البلاد وأراضيها يمثلان مسؤولية وطنية لا يمكن التهاون بها”.
وأضاف أن “استخدام الأراضي والأجواء العراقية منطلقاً لتنفيذ اعتداءات عسكرية ضد أي دولة من دول الجوار يعد انتهاكاً لسيادة العراق ومساساً بأمنه واستقراره”، مشدداً على ضرورة “منع استغلال الموقع الجغرافي للبلاد في أي صراعات أو تحركات عسكرية تستهدف دول المنطقة”.
وأشار إلى أن “العراق يسعى إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الجوار، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتجنب اتساع رقعة الصراعات”، لافتاً إلى أن “احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية يمثلان أساساً مهماً لتوطيد العلاقات بين بلدان المنطقة”.
وشدد على ضرورة “اتخاذ موقف واضح إزاء أي تجاوز على السيادة العراقية، والعمل على حماية أجواء البلاد وأراضيها من الاستخدامات التي قد تعرض أمنها ومصالحها الوطنية للخطر”، مؤكداً أن “العراق لن يكون منطلقاً للاعتداء على أي دولة مجاورة”.
ورغم التزام الفصائل بعدم الاشتراك في أي تصعيد عسكري بين واشنطن وطهران في الفترة الماضية، غير أن استمرارها في الموقف ذاته مستقبلاً، بعد انسحاب قوات التحالف الدولي من العراق، يبدو أنه لا يزال في حاجة إلى مزيد من الضمانات، خصوصاً إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال ترى في العراق “بيئة غير آمنة” على مواطنيها.
لا تسافروا إلى العراق
وقد حذرت وزارة الخارجية الأمريكية، من السفر للعراق، فيما قالت إن بغداد لا تستطيع ضمان سلامة مواطنيها.
وقالت في تحذيرها حسب بيان لها: “تجنبوا السفر إلى العراق بسبب الإرهاب، والاختطاف، والنزاعات المسلحة، والجريمة، والمخاطر الصحية، ومحدودية قدرة الحكومة الأمريكية على تقديم خدمات الطوارئ للمواطنين الأمريكيين في العراق”.
وأضافت: “لا تسافروا إلى العراق لأي سبب كان، إن قدرة الحكومة الأمريكية على تقديم خدمات الطوارئ للمواطنين الأمريكيين في العراق محدودة بسبب المخاطر الأمنية”.
حذرت وزارة الخارجية الأمريكية، من السفر للعراق، فيما قالت إن بغداد لا تستطيع ضمان سلامة مواطنيها
وتابعت: “لا تستطيع الحكومة العراقية ضمان سلامة المواطنين الأمريكيين من اندلاع أعمال عنف أو نزاعات مسلحة مفاجئة”.
وأكدت: “نُلزم موظفي الحكومة الأمريكية العاملين في العراق بالعيش والعمل وفقًا لبروتوكولات أمنية صارمة نظرًا للتهديدات الخطيرة، وقد تُفرض تعديلات إضافية على عدد الموظفين الأمريكيين الخاضعين لمسؤولية رئيس البعثة الأمنية نظرًا لتطورات الوضع الأمني”.
وأفادت بأنه “نظراً للمخاطر الأمنية، يحتاج موظفو الحكومة الأمريكية إلى تصريح خاص للسفر إلى العراق، كما يواجه المواطنون الأمريكيون في العراق مخاطر جسيمة، تشمل العنف والاختطاف”.
ولفتت إلى إن “هناك خطراً من أعمال عنف إرهابية، بما في ذلك الهجمات الإرهابية وغيرها من الأنشطة في العراق وتشجع الفصائل المسلحة وتنظيم داعش، على شن هجمات ضد الأفراد والمصالح الأمريكية في العراق، وينفذونها بأنفسهم”.
وأكدت الوزارة أن “الجماعات المسلحة تهدد المواطنين الأمريكيين والشركات الدولية، وتشن هجمات باستخدام العبوات الناسفة اليدوية الصنع، والنيران غير المباشرة، والطائرات المسيرة في مناطق عديدة، بما في ذلك المدن الكبرى. وشملت أهداف الهجمات الأخيرة الفنادق والجامعات والبنية التحتية للطاقة والمطارات وغيرها من المواقع التي يُنظر إليها على أنها تابعة للولايات المتحدة، بما في ذلك المنشآت الدبلوماسية”.
ووسط الموقفين “الأمريكي والفصائلي” المتناقضين، لا يزال رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، متمسكاً بالنأي بالعراق عن المشاركة في أي حرب، مؤكداً إن بلاده ستكون “نقطة لقاء بين الأطراف المختلفة، وليس ساحة للعداء أو المواجهة”.
الزيدي: سياسة الحكومة تقوم على التهدئة وإطفاء فتيل الأزمة، وما زلنا مستمرين في جهودنا وتحركاتنا لتحقيق هذا الهدف
وأدلى الزيدي بتصريحات خلال مقابلة مع المحطة الحكومية، ذكر فيها أن “العراق يمكن أن يؤدي دوراً تحتاج إليه الجمهورية الإسلامية الإيرانية في مرحلة معينة، كما يمكن أن يحتاج المجتمع الدولي أو الولايات المتحدة الأمريكية إلى الدور العراقي في مرحلة أخرى”.
وأضاف أن “سياسة الحكومة تقوم على التهدئة وإطفاء فتيل الأزمة، وما زلنا مستمرين في جهودنا وتحركاتنا لتحقيق هذا الهدف”.
وبشأن احتمالات استمرار التهدئة ومستقبل التطورات الإقليمية بعد الانتخابات النصفية الأمريكية، قال رئيس مجلس الوزراء، إن “جميع الاحتمالات واردة، لكن النهاية لا بد أن تكون الوصول إلى اتفاق”.
ويرى النائب شاكر التميمي أن “المعطيات الحالية، وما تشهده المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة من تطورات، تشير إلى وصول المحادثات إلى طريق مسدود، وسط تصاعد احتمالات اندلاع حرب في المنطقة خلال الأيام المقبلة، أو في أي لحظة، الأمر الذي ينذر بتداعيات خطيرة على العراق ودول المنطقة”.
وأضاف في تصريح لوسائل إعلام حكومية أن “العراق سيكون في مقدمة الدول المتضررة من أي مواجهة عسكرية محتملة بين إيران والولايات المتحدة، نظراً إلى انعكاساتها المباشرة على أمنه واستقراره، فضلاً عن الأضرار التي ستلحق ببقية دول المنطقة”، مشدداً على ضرورة “تحرك الدول التي تمتلك علاقات مع الطرفين، وبذل الجهود الدبلوماسية لحل الأزمة ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة”.
نائب عراقي: الولايات المتحدة ودول المنطقة لن تكون بمنأى عن تداعيات الحرب وأضرارها
ووفق النائب العراقي فإن “الولايات المتحدة ودول المنطقة لن تكون بمنأى عن تداعيات هذه الحرب وأضرارها، وأن النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية يتمتع بالقوة ولا يمكن إسقاطه، فيما سيؤدي أي اضطراب أمني داخل إيران إلى زعزعة الاستقرار في عموم المنطقة، وليس داخل الأراضي الإيرانية وحدها”.
وأشار إلى أن “هذه التقديرات تستند إلى طبيعة الأوضاع الإقليمية، وما تمتلكه الجمهورية الإسلامية الإيرانية من حضور وعلاقات في المنطقة، فضلاً عن التعاطف الشعبي معها في عدد من دول المنطقة، الأمر الذي يجعل تداعيات أي مواجهة عسكرية أوسع من حدود الدول المنخرطة فيها”.
خسائر اقتصادية
وأوضح أن “الحرب التي فرضتها الولايات المتحدة وإسرائيل على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ستكون لها تداعيات وخيمة على جميع دول المنطقة، وقد تمتد آثارها الاقتصادية والأمنية إلى أوروبا والولايات المتحدة ودول أخرى في العالم”.
ولفت إلى أن “منطقة الخليج تمثل مركزاً مهماً لإنتاج النفط ومصدراً أساسياً للطاقة، فضلاً عن أهميتها الاقتصادية بالنسبة إلى أوروبا والولايات المتحدة، ما يجعل أي حرب واسعة فيها سبباً لخسائر اقتصادية كبيرة لن تقتصر على الدول المتحاربة، بل ستطال الاقتصاد العالمي”، مؤكداً أن “اندلاع مثل هذه المواجهة سيؤدي إلى أضرار وخسائر تطال جميع الأطراف دون استثناء”.