تغيير حجم الخط     

ترامب في مأزق حرب إيران: تصعيد ضد الحلفاء ورسائل نووية متناقضة

القسم الاخباري

مشاركة » الأحد أغسطس 23, 2026 3:52 am

4.jpg
 
واشنطن ـ «القدس العربي»: يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام مأزق متزايد في الحرب على إيران، مع عجزه حتى الآن عن إجبار طهران على الاستسلام أو تحقيق الانتصار السريع الذي وعد به، فيما تستمر تداعيات الصراع تنعكس على أسعار الطاقة والاقتصاد الأمريكي، وتثير مخاوف بشأن قدرة إدارته على احتواء الأزمة قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.

ويرى محللون أمريكيون أن تصعيد ترامب لهجته خلال الأيام الأخيرة ضد إيران، بل وضد بعض حلفاء الولايات المتحدة، يعكس تنامي الإحباط داخل الإدارة من عدم وجود مخرج واضح للحرب.
وفي مستهل الأسبوع، هدد ترامب عُمان، الحليف الأمريكي الذي يؤدي دور الوسيط في الاتصالات الرامية إلى إنهاء الحرب، قبل أن ينشر خريطة لمضيق هرمز والأراضي المطلة عليه في عُمان والإمارات وإيران، واضعاً عليها عبارة «أرض أمريكية جديدة»، في إشارة إلى دعواته السابقة لوضع المضيق تحت السيطرة الأمريكية.
ثم أعلن ترامب ما وصفه بـ«يوم القيامة الاقتصادي» ضد إيران، محذّراً الدول التي تدعم طهران من عواقب قاسية، في وقت يظل فيه مضيق هرمز محوراً رئيسياً للصراع، نظراً إلى دوره في نقل نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
وقال أندرو ليبر، الباحث في شؤون الشرق الأوسط لدى مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في واشنطن، إن ترامب «في وضع لا يستطيع الخروج منه»، مضيفاً أن هذا المأزق يختلف عن أزمات أخرى واجهها الرئيس، إذ «لا يبدو أن هناك من يستطيع إنقاذه».
ويشير محللون إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في طول أمد الحرب، وإنما في أن ترامب يواجه معادلة يصعب حلها. فإذا واصل التصعيد، فقد يؤدي ذلك إلى مزيد من ارتفاع أسعار النفط والبنزين والتضخم، وإذا اتجه إلى التسوية، فقد يبدو وكأنه تراجع عن أهداف الحرب بعد أشهر من التهديدات والتأكيدات على تحقيق النصر.
وتزداد الضغوط الاقتصادية مع استمرار اضطراب حركة الملاحة في هرمز. وقد ارتفع متوسط سعر البنزين في الولايات المتحدة إلى أكثر من أربعة دولارات للغالون، مقارنة بنحو 3.13 دولار في الفترة نفسها من العام الماضي. ويرى محللون أن استمرار الأزمة قد يرفع تكاليف النقل والغذاء والأسمدة، إضافة إلى تداعيات على صناعات تعتمد على مواد أولية تمرّ عبر سلاسل الإمداد العالمية.
ويحذّر المؤرخ والكاتب الأمريكي خوان كول من أن إيران قد لا تحتاج إلى تحقيق انتصار عسكري مباشر على الولايات المتحدة كي تلحق ضرراً سياسياً بترامب، إذ يمكنها استخدام أزمة الطاقة لإبقاء أسعار الوقود والتضخم مرتفعين حتى انتخابات الثالث من تشرين الأول/اكتوبر.
وبحسب هذا التصور، فإن الناخبين، ولا سيما في المناطق الريفية، قد يحمّلون الإدارة مسؤولية ارتفاع تكاليف المعيشة. وإذا أدت الأزمة الاقتصادية إلى خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس، فقد يواجه ترامب تحقيقات وضغوطاً سياسية متزايدة، فيما قد تتراجع قدرته على فرض الانضباط داخل حزبه.
ولا تتوقف المشكلة عند إيران، فقد أثار ترامب خلال الأيام الماضية استياءً لدى بعض حلفاء واشنطن بسبب لهجته تجاه عُمان، في وقت تخشى الإدارة الأمريكية من أن تتمكن طهران ودول خليجية من التوصل إلى ترتيبات منفصلة لإعادة فتح المضيق.
وتكشف هذه التطورات، وفق محللين، عن تباين واضح داخل الإدارة الأمريكية بشأن مسار المفاوضات. ففي الوقت الذي تحدث فيه مبعوثون أمريكيون عن اتصالات أكثر نشاطاً مع إيران، نفى ترامب وجود أي مفاوضات، مؤكداً استمرار الحصار البحري.
وكان النائب الجمهوري دون بيكون قد دعا ترامب إلى «أن يقول أقل»، محذّراً من الرسائل المتناقضة التي تصدر عن الإدارة بشأن الحرب والمفاوضات. وقال إن الصراع يحتاج إلى دعم من الحزبين، وإن على الرئيس أن يكون مستعداً لحرب أطول مما توقع في البداية.
ويضيف ملف آخر مزيداً من التعقيد إلى حسابات ترامب، يتعلق بالأسلحة النووية. فقد أثارت تصريحات أدلى بها الرئيس أثناء حديثه عن كوريا الشمالية تساؤلات بشأن الرسالة التي توجهها الولايات المتحدة إلى إيران.
وعندما سُئل ترامب عن احتمال استئناف التواصل مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، قال إنه لا يستطيع كشف تفاصيل الاتصالات، لكنه أكد أنه «على وفاق معه»، معتبراً ذلك أمرا جيدا.
ثم انتقل الحديث إلى القدرات النووية لكوريا الشمالية وإيران، في تصريحات رأى محللون أنها تحمل مفارقة استراتيجية.
فبينما تواصل إدارة ترامب الضغط على طهران لمنعها من امتلاك سلاح نووي، يمكن أن يُفهم من حديث الرئيس عن كوريا الشمالية أن امتلاك عدد محدود من الأسلحة النووية يوفر لدولة صغيرة قدرة كبيرة على ردع الولايات المتحدة.
ويرى الكاتب نيكولز أن هذه الرسالة قد تصل إلى طهران بصورة معاكسة تماماً لما تريده واشنطن: إذا كانت كوريا الشمالية قد تمكنت من حماية نظامها بفضل امتلاكها ترسانة نووية، فقد تستنتج إيران أن امتلاك السلاح النووي هو الضمان الأفضل لبقائها في مواجهة الضغوط الأمريكية.
كما أثارت تصريحات ترامب مخاوف بشأن احتمال كشفه بصورة غير مقصودة معلومات استخباراتية حساسة عن حجم الترسانة النووية لكوريا الشمالية، وهي معلومات يفترض أن تحاط بأعلى درجات السرية.
وتتزامن هذه الإشارات المتناقضة مع تحوّل داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية نفسها، إذ جرى الدفع بشخصيات من جيل الحرب العراقية-الإيرانية إلى مواقع مؤثرة، بينهم محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، الذي تولى منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي.
ويعتقد محللون أن طهران تراهن على قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمّل الألم لفترة أطول من قدرة الولايات المتحدة على تحمّل أزمة طاقة عالمية. وتشمل المطالب الإيرانية الإفراج عن أموال مجمّدة، وانسحاب القوات الأمريكية من الخليج، ووقف الضغوط الأمريكية على إسرائيل بشأن لبنان والضفة الغربية وغزة، فضلاً عن الاعتراف بدور إيران في مضيق هرمز.
وفي المقابل، يخشى محللون من أن يؤدي استمرار الأزمة إلى نفاد هوامش المناورة لدى أسواق النفط، خصوصاً إذا عادت الصين إلى مستويات مرتفعة من الاستيراد، ما قد يفاقم الضغط على الإمدادات العالمية.
وبذلك، تتحوّل حرب إيران بالنسبة إلى ترامب من محاولة لإظهار القوة الأمريكية إلى اختبار سياسي واقتصادي أكثر تعقيداً. فكلما طال أمد الحرب، تضاءلت فرص إعلان انتصار سريع، بينما تتزايد كلفة الطاقة والتضخم والضغوط الانتخابية.
ويرى محللون أن طهران تراهن على الوقت، فيما يحاول ترامب إظهار أنه لا يزال يملك زمام المبادرة. لكن استمرار الرسائل المتناقضة، والتصعيد ضد الحلفاء، والتلويح بخيارات قصوى، قد تجعل الخروج من الحرب أصعب من الدخول فيها، وتحوّل مضيق هرمز من ساحة عسكرية إلى ورقة ضغط اقتصادية وسياسية تهدد بإعادة تشكيل الحسابات الأمريكية قبل الانتخابات.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى الاخبار

cron