0
لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا لإيشان ثارور حذر فيه من تكرار درس فنزويلا في إيران، وكيف قام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتهميش القوى الديمقراطية في كاراكاس، وهو درس على المتظاهرين الإيرانيين الحذر منه.
وقال الكاتب إن التطورات الأخيرة تتسم بسرعة مذهلة، لدرجة أن حدثا وقع قبل أسبوع واحد فقط، قد يشكل سابقة لاضطرابات جديدة. فمع استمرار الاحتجاجات ضد النظام الإيراني في مواجهة عنف وحشي يحتمل أن يكون قد سقط فيه آلاف المتظاهرين، يترقب عدد من المحللين المختصين بالشأن الإيراني مقامرة الرئيس ترامب في فنزويلا بحثا عن مؤشرات لما قد يحدث في الأيام المقبلة.
فقد أمر ترامب بتنفيذ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني/يناير، والتي أسفرت عن قيام القوات الخاصة باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واقتياده إلى مركز احتجاز في نيويورك، منهيةً بذلك 13 عاما من حكمه. وكانت هذه الخطوة بمثابة قنبلة جيوسياسية، والتعبير الأكثر وضوحا عن رغبة ترامب في الهيمنة على النصف الغربي من الكرة الأرضية، وقد امتدت آثارها إلى غرينلاند وإيران.
وجدد ترامب يوم الثلاثاء، دعمه للاحتحاجات في إيران، وحثّ المتظاهرين المناهضين للحكومة على “السيطرة” على مؤسسات الدولة، مؤكدا أن “المساعدة قادمة”، وبات شبح التدخل العسكري الأمريكي يخيم على المنطقة.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن هناك اختلافات واضحة بين الظروف السياسية في كلا البلدين، وكذلك بين هامش المناورة المتاح للولايات المتحدة في كلا السياقين، مع أن أحدا لا يشك برغبة ترامب في فرض إرادته في الخارج، حتى لو كانت تعني تحدي القانون الدولي والضوابط التشريعية في الداخل. ومع ذلك، فإن النهاية الظاهرة في كاراكاس، والتي شهدت تعاون ترامب مع فلول نظام مادورو وتهميش المعارضة المؤيدة للديمقراطية في فنزويلا، قد تكون عبرة للمتظاهرين في إيران.
ونقل الكاتب عن كريستين فونتروز، الباحثة في المجلس الأطلنطي والتي عملت في تنسيق سياسة الشرق الأوسط بالبيت الأبيض خلال ولاية ترامب الأولى، قولها إن قضية مادورو ذات أهمية استراتيجية لا تعد نموذجا بقدر ما هي إشارة. فهي تشير إلى استعداد الولايات المتحدة للتحرك بحزم ضد القادة الذين سبق تجريمهم وفرض عقوبات عليهم، بدلا من السماح باستمرار المواجهات على افتراض أن خطر التصعيد وحده كفيل بردع أي تحرك. وليس من الواضح على الإطلاق ما إذا كان ترامب سيختار شكلا من أشكال العمل العسكري ضد إيران. وتشير التقارير إلى أن الحلفاء العرب الإقليميين متخوفون من التدخل الأمريكي.
ويرى المحللون نظاما فقد شرعيته وثورة شعبية تطالب بإسقاطه، لكن المؤسسة الدينية وجهازها العسكري ما زالا متجذرين جدا بطريقة يصعب إزاحتهما بسهولة. ويبدو أن ترامب يفضل الضربات العسكرية الخاطفة والحاسمة، مثل إسقاطه لنظام مادورو، أو الهجوم الخاطف الذي شنته الولايات المتحدة على المنشآت النووية الإيرانية الصيف الماضي، ولكنه أقل حماسا للمواجهات المعقدة والمطولة.
ويؤكد المحللون أن الهزيمة الكاملة للنظام الإيراني لا يمكن أن تتحقق بالغارات الجوية وحدها. وقد دعا المرشد الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي إلى التحدي علنا، لكن حكومته انخرطت في قنوات دبلوماسية غير رسمية مع الولايات المتحدة. وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، هذا الأسبوع: “ما تسمعونه علنا من النظام الإيراني يختلف تماماً عن الرسائل التي تتلقاها الإدارة سرا، أعتقد أن الرئيس لديه الاهتمام باستكشاف تلك الرسائل”.
وأشار ثارور إلى التكهنات حول ما سيحدث في إيران، مشيرا إلى ما كتبه المسؤول الاستخباراتي الإسرائيلي السابق، والخبير في شؤون إيران داني “دينس” سيترنوفيتش في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي: “من المرجح أن يدرك عدد كبير من الفاعلين داخل إيران مدى ضيق هامش المناورة المتاح للنظام الثوري”، وأضاف: “حتى لو تم قمع الاحتجاجات بنجاح، ستظل المشاكل الهيكلية الأساسية في إيران دون حل”. وتابع: “في ظل هذه الخلفية، قد تلوح في الأفق فرصة، وربما حتى قدر من الشرعية الداخلية لدفع الزعيم نحو اتفاق شامل يتضمن التخلي عن تخصيب اليورانيوم”.
وهنا يبرز سيناريو مشابه لما حدث في فنزويلا. ويبدو أن إدارة ترامب قد توصلت إلى تسوية مع خليفة مادورو المؤقتة، ديلسي رودريغيز، مقابل سيطرة الولايات المتحدة على صادرات النفط الفنزويلية. وقد يكون ترامب يتطلع إلى ترتيب مماثل مع إيران الغنية بالنفط، وقد يشعر النظام الإيراني المعزول، الذي يعاني من العقوبات ويواجه كارثة اقتصادية داخلية، بأنه مضطر للموافقة.
وكتب علي ألفونه، الباحث في معهد دول الخليج العربي بواشنطن: “لتحقيق استقرار النظام، لا بد من معالجة نظام العقوبات، الأمر الذي يتطلب بدوره التعامل مع واشنطن”. وأضاف: “لا يزال من الممكن التوصل إلى ترتيب على غرار النموذج الفنزويلي، حيث يمكن للقيادة الإيرانية الجماعية تهميش أو إزاحة خامنئي، وفتح مفاوضات مع ترامب، ودعوة شركات النفط الأمريكية للعودة إلى إيران، وتأمين تخفيف العقوبات بما يكفي لتحقيق استقرار الاقتصاد”.
وهناك أسباب عديدة تجعل هذا الأمر مستبعدا. فخامنئي “يتقدم في السن ويمكن الاستغناء عنه بسهولة، لكن هيكل السلطة الواسع الذي يترأسه محاصر بتواطئه واعتماده الأساسي على معاداة أمريكا”، كما كتبت سوزان مالوني، مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز. وأضافت: “يدرك جميع أتباع آية الله أنهم سيغرقون مع السفينة، ولهذا السبب التزم الإصلاحيون الإيرانيون، الذين كانوا يشاد بهم، الصمت طوال حملة القمع الدموية الأخيرة”.
وقال آلان آير، الباحث في معهد الشرق الأوسط والدبلوماسي الأمريكي السابق المختص بالشأن الإيراني، إنه لا يعتقد أن سيناريو مشابها لما حدث في فنزويلا “محتمل” على المدى القريب في إيران. وأضاف: “يبدو أن ترامب مهتم الآن بزيادة الضغط على النظام، الذي يزداد ضعفا يوما بعد يوم مع استمرار الاحتجاجات. لا أعتقد أن هذا النظام مستعد حاليا لإجراء التغييرات اللازمة في هيكل سلطته لحث الرئيس ترامب على السعي إلى حل وسط. لكن الوضع متقلب للغاية، والوقائع تتغير باستمرار”.
وفي إطار آخر، لدى مؤيدي ترامب أهداف مختلفة للاستفادة من سابقة فنزويلا. وقال ماثيو كرونيغ، الذي عمل في البنتاغون خلال ولاية ترامب الأولى، لمجلة “فورين بوليسي”: “قد تكون كوبا هي التالية. فالحكومة الكوبية تعاني بالفعل من ضغوط كبيرة بسبب سوء الإدارة الاقتصادية، وهناك ضغط إضافي الآن مع قطع النفط الفنزويلي، أعتقد أن هناك تركيزا على تطبيق النموذج الفنزويلي في هافانا”.