الوثيقة | مشاهدة الموضوع - لمنع ريادة الصين للعالم وإنقاذ البترودولار: واشنطن تنفذ أجندة جيوسياسية عنيفة في بنما وفنزويلا وغرينلاند
تغيير حجم الخط     

لمنع ريادة الصين للعالم وإنقاذ البترودولار: واشنطن تنفذ أجندة جيوسياسية عنيفة في بنما وفنزويلا وغرينلاند

القسم الاخباري

مشاركة » الأحد يناير 11, 2026 9:51 am

5.jpg
 
لندن ـ «القدس العربي»: يعد التوجس من ريادة الصين للعالم المحرك الرئيسي للقرارات الجيوسياسية العنيفة التي تقدم عليها الولايات المتحدة منذ بداية السنة الماضية حتى الآن. وهذا التوجس هو الذي دفع واشنطن إلى إنهاء سيطرة الشركات الصينية على قناة بنما منذ سنة، ويتكرر مع فنزويلا باختطاف واعتقال رئيسها نيكولاس مادورو حماية للبترودولار. كما يشكّل هذا التوجّس الأساس لرغبة الولايات المتحدة في بسط سيطرتها على جزيرة غرينلاند الشاسعة، ولا سيما في ظل رهان بكين وموسكو على الخط البحري القطبي بوصفه مسارًا استراتيجيًا للمستقبل.

منذ الحملة الانتخابية التي بدأها صيف 2015 للانفراد بزعامة الحزب الجمهوري ومواجهة المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون والتي فاز عليها، كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرفع شعارين مركزيين، وهما مواجهة الصين والتقليص من نسبة الهجرة اللاتينية حتى لا تؤثر على التوازن السكاني وتهدد الطابع الأنكلوسكسوني-البروتستانتي للمجتمع الأمريكي. وإذا كان ترامب قد فشل في تطبيق برنامجه الانتخابي بشكل كبير ضد الصين في ولايته الأولى 2017-2021، فقد عاد أكثر إصرارا في ولايته الثانية، وهذا لا يتم بمعزل عن الدولة العميقة في البلاد التي وجدت في ترامب الرئيس الجريء في تطبيق هذه الأجندة الجيوسياسية العنيفة بما في ذلك ضد حلفائه. وذلك في محاولة لمحاصرة النفوذ الصيني قبل فوات الآوان أو تأخير تطور الصين حتى لا تصبح الدولة التي تقود العالم. وجرى تطبيق هذه الاستراتيجية في ثلاثة ملفات خارجية وهي قناة بنما وفنزويلا بسبب احتياطاتها من النفط ثم الملف الذي قد يتحول إلى أزمة وهي غرينلاند علما أنه بدأ السنة الماضية وهو امتداد لرغبة أمريكية تمتد من أواسط القرن التاسع عشر حتى الآن.
وتعتبر الولايات المتحدة قناة بنما في أعلى سلم اهتماماتها منذ بداية القرن العشرين، حيث ساهمت في انفصال بنما عن كولومبيا سنة 1903 لتنفرد لاحقا بالتوقيع مع بنما على شراء القناة. وظلت القناة أمريكية حتى سنة 1999 التي جرى بموجبها تفويتها إلى بنما وفق اتفاق موقع بين إدارة الرئيس جيمي كارتر والرئيس البنمي عمر تريخوس سنة 1977. وكان الاتفاق قد خلف رفضا في الأوساط العسكرية الأمريكية، ومن الأسباب التي استغلها المرشح الجمهوري رونالد ريغان لمهاجمة كارتر في الحملة الانتخابية، وساهمت في فوز ريغان. غير أن القلق ارتفع خلال السنوات الأخيرة عندما أصبحت شركة صينية مقرها هونغ كونغ، جزءا من CK Hutchison Holdings تدير موانئ على طرفي القناة، وليس القناة نفسها. ونجحت ضغوط إدارة الرئيس ترامب في بدء سحب الحكومة البنمية من الشركة الصينية تسيير الموانئ عند مدخلي القناة. ويمر من القناة 6 في المئة من التجارة العالمية ومنها النفط. ومن خلال الضغط، تكون واشنطن قد حققت تغييرا في اللوجيستيك من صيني إلى أمريكي وكذلك الأولويات، وحرمت الصين من معرفة المعطيات الكاملة حول السفن وحمولتها التي تمر من القناة. وكان ترامب قد صرح «نحن لا نستبعد استعادة قناة بنما لتحسين أمننا القومي وضمان ألا تقع في الأيدي الخطأ»، والتصريح يكشف الأجندة حول هذه القناة مستقبلا.
3 كانون الثاني/يناير 2026، يعتبر زلزالا في العلاقات الدولية، لأن واشنطن أقدمت على اختطاف رئيس دولة وهو رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو ومحاكمته بتهمة تهريب المخدرات. وباستثناء الإدارة الأمريكية، يوجد إجماع عالمي أن الهدف الحقيقي هو السيطرة على النفط الفنزويلي الذي يشكل أكبر احتياطي في العالم. ولم يخف الرئيس دونالد ترامب هذا الهدف نهائيا في تصريحاته، ومن ضمن القرارات الأولى بعد اعتقال مادورو هو جعل النفط تحت الإشراف ولو النسبي للإدارة الأمريكية التي سترسم كيفية التصدير سواء للولايات المتحدة أو باقي العالم.
وتعتبر فنزويلا من الدول التي تبيع البترول إلى الصين بالعملة الصينية، وهي بالتالي تخلت عن الدولار رفقة بعض المستوردين الآخرين. ونظرا لرغبة الصين رفقة دول البريكس في التقليل من اعتماد التجارة العالمية على الدولار، لاسيما في حالة النفط، فقد استشعرت واشنطن الخطر من هذه المبادرة، وهي من الأسباب الرئيسية للهجوم واعتقال الرئيس مادورو. وعاشت الولايات المتحدة حالة سابقة ذات حساسية كبرى رغم أنها كانت محدودة. في سنة 2000، قررت إدارة الرئيس صدام حسين بيع النفط باليورو بدل الدولار. ورغم أن الصادرات العراقية كانت محدودة بسبب العقوبات، إلا أن الخطوة كانت ذات رمزية كبيرة وقد تقتدي بها عدد من الدول مستقبلا، الأمر الذي يشكل خطرا على العملة الأمريكية. وعليه، مباشرة بعد سقوط نظام حسين سنة 2003، كانت أولى القرارات التي اتخذتها واشنطن، تسعير النفط بالدولار. وكما وقع في العراق، أعادت واشنطن مباشرة بعد اعتقال مادورو تسعير النفط الفنزويلي بالدولار، وستمنع بيعه بعملات أخرى، حفاظا على استمرار ربط تسعيرة النفط بالدولار. وهذا يشكل ضربة كبيرة لمخططات الصين التي تريد جعل جزء هام من النفط العالمي، بحكم أنها أكبر مستورد، يتم عبر عملتها اليوان. وعليه، نظام بيع النفط بالدولار الأمريكي يخلق طلبا عالميا مستمرا على الدولار، وهذا يمنح الولايات المتحدة قوة مالية وجيوسياسية كبيرة تدعم استمرار ريادتها للعالم.
وعليه، حرمان الصين من سهولة التعامل مع أكبر دولة ذات احتياطي نفطي في العالم مثل فنزويلا يعني عرقلة مخطط بكين لجعل عملتها رئيسية في سوق النفط أو على الأقل تأخير ذلك لفترة زمنية غير هينة. ورغم ما حصل في فنزويلا، يرى الخبراء أن السيناريو الأكثر واقعية هو: أسواق النفط تصبح متعددة العملات بينما يظل الدولار أهم من غيره. قضية حفاظ واشنطن على البترودولار هو السبب الرئيسي للعملية العسكرية الأمريكية يوم 3 كانون الثاني/يناير. في الوقت ذاته، يفسر لماذا همشت واشنطن المعارضة الفنزويلية، لأن إرساء الديمقراطية ليس أولوية في أجندة الرئيس ترامب، كما أكدت كبريات الصحف مثل «الباييس» و«لوموند» و«نيويورك تايمز».

غريلاند: الهدف المقبل

لا تخفي الإدارة الأمريكية الحالة رغبتها في السيطرة على الجزيرة الضخمة غرينلاند سواء عبر شرائها أو إلحاقها بالولايات المتحدة على شاكلة بويرتو ريكو. وصرح الرئيس ترامب الجمعة من الأسبوع الجاري «سنفعل شيئًا ما مع غرينلاند، بالطريقة السلمية أو بالقوة…وصول سفينة تابعة لها قبل 500 عام لا يعني أنها تابعة للدنمارك». وهذا يعني مقدمة للسيطرة الأمريكية عليها. في الجوهر، يمثّل مقترح ترامب، إحياء لهدف جيوسياسي قديم يعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين كانت الولايات المتحدة تعيد رسم خريطتها المستقبلية، وتبحث بمختلف الوسائل عن ضم ألاسكا وغرينلاند لتعزيز أمنها القومي. وقد نجحت فعلاً عام 1867 في شراء ألاسكا من روسيا في واحدة من أكبر الصفقات العقارية السياسية في التاريخ. في المقابل، أخفقت واشنطن في تلك المرحلة في الاستحواذ على غرينلاند. وتشير وثيقة محفوظة في الأرشيف الأمريكي تعود إلى عام 1867 إلى ما نصّه حرفياً: «يجب علينا شراء آيسلندا وغرينلاند، وخاصة الأخيرة، لأسباب سياسية وتجارية». وتوضح تلك الوثيقة أن الموقع الجغرافي المميز للجزيرة وثرواتها الغنية كفيلان بتعزيز زعامة الولايات المتحدة على مستوى العالم. وفي السياق ذاته، وافقت الدانمارك في العام نفسه على بيع جزر العذراء الغربية في الكاريبي إلى الولايات المتحدة، غير أنّ الصفقة لم تُوقَّع رسمياً إلا عام 1917، لتُعرَف منذ ذلك الحين باسم «جزر العذراء الأمريكية».
في الحرب العالمية الثانية، أنشأت واشنطن قاعدتين عسكريتين في الجزيرة، وارتفع عددها إلى 15 قاعدة خلال الحرب الباردة، قبل أن يتراجع هذا العدد لاحقًا، لتظل واشنطن محتفظة بقاعدة واحدة فقط في الوقت الحالي. وقد أظهرت وثيقة رسمية أمريكية صادرة في نيسان/ابريل 1946 أن اجتماع اللجنة الاستراتيجية والتخطيط التابعة لهيئة الأركان المشتركة الأمريكية انتهى بإجماع شبه كامل على ضرورة شراء الجزيرة من الدنمارك. وبعد هذا الاجتماع، قدم الرئيس الأمريكي هاري ترومان عرضًا قيمته 100 مليون دولار للدنمارك لشراء الجزيرة، إلا أن الأخيرة رفضت العرض. ورغم ذلك، منحت الدنمارك تسهيلات كبيرة للولايات المتحدة لإنشاء قواعد عسكرية على الجزيرة.
ورغم كل هذا، أكد ترامب هذا الأسبوع أن غرينلاند أولوية أمنية استراتيجية في مواجهة النفوذ الروسي والصيني، وطرح فكرة أن السيطرة الكاملة على الجزيرة ضرورية لـ «ردع الخصوم في المنطقة القطبية». مشددا على أن استخدام القوة العسكرية «دائمًا خيار» من بين عدة خيارات لضم غرينلاند إذا لم تنجح الطرق الدبلوماسية. ويبقى هاجس واشنطن هو أن روسيا والصين قد تسيطران بطريقة ما على الجزيرة لاسيما في ظل رهانهما على الطريق القطبي، بمعنى مرور السفن عبر القطب الشمالي نحو أوروبا والقارة الأمريكية.
وللحفاظ على ريادتها للعالم ومحاصرة الصين، تنفذ واشنطن أعنف أجندة جيوسياسية خلال العقدين الأخيرين.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى الاخبار

cron