عود على بدء… دخلت إيران عام 2026 على موجة احتجاجات شعبية انتقلت سريعاً من موجة غضب اقتصادي متسارع إلى اختبار سياسي مباشر لبنية النظام وتحالفاته الاجتماعية التقليدية. انطلقت شرارة الاحتجاجات في 28 كانون الأول/ديسمبر 2025 من التجار في «البازار الكبير» بطهران، الذين أغلقوا متاجرهم احتجاجاً على التدهور الحاد في قيمة الريال الإيراني وتآكل القدرة الشرائية بسبب ارتفاع الأسعار. وقد بدأ بالتمدد إلى المدن الكبرى.
في الذاكرة السياسية الإيرانية، لا يُنظر إلى «البازار» بوصفه سوقًا تقليديًا فحسب، بل باعتباره فاعلاً سياسياً واجتماعياً لعب دوراً حاسماً في لحظات التحَوُّل الكبرى. ومن هنا، فإن مقارنة تحرّك «البازار» اليوم بما قام به في أواخر عهد الشاه ليست ترفاً تاريخياً، بل مدخلاً ضرورياً لفهم دلالات الاحتجاجات الراهنة وحدود تأثيرها على الحكم في الجمهورية الإسلامية.
ففي السنوات الأخيرة من حكم الشاه، ولا سيما بين 1977 و1979، كان «البازار» في موقع خصومة بنيوية مع الدولة، بعدما همَّشه مشروع التحديث القسري القائم على اقتصاد نفطي ريعي وتحالف مع النخب المرتبطة بالقصر. هذا التهميش ضرب الدور الاقتصادي والاجتماعي لـ«البازار»، وقطع جزئياً صلته التاريخية بالمؤسسة الدينية، ما دفعه، مع تصاعد التضخم وتآكل المداخيل، إلى التحوُّل ركيزة أساسية للاحتجاج. استخدم التجار الإضراب كأداة عصيان مدني منظّمة شلّت الاقتصاد وأسهمت في كسر هيبة الدولة، قبل أن يتكرّس تحالفهم مع رجال الدين المعارضين، وفي مقدمهم آية الله الخميني، إطاراً لتحويل الغضب الاجتماعي إلى ثورة شاملة.
اليوم، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فـ»البازار» في ظل الجمهورية الإسلامية لم يكن خصماً للنظام، بل جزءاً من تحالف تأسيسي جمعه برجال الدين، ثم بالحرس الثوري لاحقاً. لسنوات، حظي التجار بالحماية والامتيازات، وكانوا عنصراً من شرعية الحكم. غير أن هذا التوازن بدأ يتفكك مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، وانهيار العملة، واتساع نفوذ اقتصاد موازٍ تهيمن عليه مؤسسات مرتبطة بالحرس الثوري، ما حوّل الدولة من شريك إلى منافس يثقل النشاط التجاري.
ويعكس إضراب «البازار» في هذه الاحتجاجات هذا التحوّل أكثر مما يعكس موقفاً أيديولوجياً واضحاً. فهو تعبير عن فقدان الثقة بقدرة النظام على تأمين الاستقرار وحماية رأس المال التجاري. وتُظهر تجربة إيران التاريخية أن احتجاج «البازار» نادراً ما يبقى معيشياً بحتاً، إذ يحمل تعطيلُ الأسواق رسالةً سياسيةً بأن عقد الولاء القديم يتآكل.
انكسار التحالف التاريخي
يرى الباحث والمحلل الأحوازي نوري آل حمزة «أن ما تشهده البلاد اليوم يختلف نوعيًا عن موجات الاحتجاج السابقة، سواء من حيث طبيعة الحراك أو الجهات المنخرطة فيه أو السياقين الإقليمي والدولي المحيطين به. فالسمة الأبرز للاحتجاجات الحالية هي دخول البازار، أي كبار التجار، على خط التحرك منذ يومه الأول، وتوجيهه هجوماً مباشراً على نظام علي خامنئي، وهو تطوُّر يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز المطالب المعيشية، ويعكس اهتزازًا داخل إحدى الحواضن التقليدية للاقتصاد والنظام». ويقول: هذه الفئة شكّلت تاريخياً أحد أعمدة النظام منذ عام 1979. و«البازاريون» يمثلون القاعدة الاقتصادية التقليدية المحافظة، وكانوا يستفيدون نسبياً من الوضع القائم عبر الحماية من المنافسة الخارجية وشبكات العلاقات مع النظام، وعندما يغلقون أبوابهم ويهتفون: «الموت للديكتاتور وخامنئي سيسقط»، فهذا يعني أن الشرخ وصل إلى قلب التحالف التاريخي بين النظام و«البازار». وينقل هذا التحوُّل الأزمة من هامش المجتمع إلى مركزه، ويُحوِّل الاحتجاج من ظاهرة قابلة للاحتواء إلى تهديد استراتيجي محتمل.
ويشير آل حمزة إلى أن استمرار الإضراب في الأسواق الكبرى قد يؤدي إلى شلل فعليّ في سلاسل التوريد والتجارة الداخلية، ما يُحوِّل الأزمة إلى «خطر وجودي» على النظام. ويرى أن العامل الحاسم سيكون في قدرة الحراك على الانتقال من «البازار» إلى شرائح أوسع، مثل عمَّال المصانع وسائقي الشاحنات والمتقاعدين والأحياء السكنية. فإذا تحقق ذلك، يفقد النظام، بحسب تقديره، القدرة على تسويق رواية «المؤامرة الخارجية» أو «أعمال الشغب المحدودة.»
حراك مركّب بلا قيادة جامعة
في قراءة موازية، يرى الخبير في الشؤون الإيرانية الكاتب مصطفى فحص أن الحراك الشعبي الحالي هو تعبير عن أزمة عميقة تتجاوز البعد المعيشي الظرفي إلى مأزق بنيوي يطال النظام نفسه، من دون الجزم بعد بقدرته على إحداث زعزعة حاسمة في بنيته. ويتوقف عند خصوصية هذا الحراك التي تكمن في طبيعته المركّبة منذ اللحظة الأولى، إذ لم يبدأ باحتجاجات مطلبية معيشية ثم تسيَّس لاحقًا، كما جرى في محطات سابقة، بل جمع منذ انطلاقه البُعدَين المعيشي والسياسي بشكل مباشر. وقد أضفى هذا التداخل السريع على الحراك زخماً وتصعيداً لافتَين، تُرجم في لهجة الشعارات وحدّة الخطاب، إلا أنه يحذّر من القراءة التبسيطية التي تفترض أن كل المشاركين فيه يتحركون بدافع واحد أو تحت سقف سياسي موحّد، ولا سيما الاعتقاد بأن الحراك يهدف تلقائياً إلى إعادة إنتاج نظام بهلوي أو استدعائه كبديل جاهز.
فالترويج لفكرة عودة بهلوي، يقول فحص، يضعف الحراك سياسياً، ويقدّم خدمة مجانية للنظام القائم، إذ يُتيح له تخويف شرائح واسعة من المجتمع الإيراني، وخصوصاً الشعوب غير الفارسية. فبالنسبة إلى الأتراك والعرب والأكراد، يُنظر إلى نظام بهلوي بوصفه نموذجاً قمعياً قومياً فارسياً إقصائياً، ما يجعلهم يفضّلون النظام الحالي العقائدي الضعيف. ويضيف أن هذه الحساسيات لا تنفصل عن تجارب سابقة، حيث لم تُبدِ الشعوب الفارسية تضامناً حقيقياً مع قضايا هذه الشعوب، فحين قضت مهسا أميني قيد الاحتجاز وتحرَّك الأكراد، لم تتحرَّك الشعوب الفارسية؛ وحين أحرق شاب شيعي نفسه، لم ينظر إليه الإيرانيون على أنه «بو عزيزي إيران» لأن الشاب عربي. تبدو الشعوب غير الفارسية راهناً أكثر حذراً وتردّداً في الانخراط الكامل في أي حراك تخشى أن ينتهي بخدمة مصالح فارسية ضيّقة. من هنا، يخلص إلى أن فكرة البدائل المشتركة بين الفرس وغير الفرس لم تنضج بعد، وهو ما يُشكِّل أحد أعمق التحديات أمام أي مسار تغييري شامل.
بهلوي والمشروع الملتبس
احتجاجات «البازار» بدأت تتوسَّع بحذر. فتحركات الشعوب غير الفارسية، بحسب نوري آل حمزة لن تكون عفوية أو فورية، بل ستجري وفق حسابات دقيقة وخطط مرحلية، بانتظار اتضاح مآلات المواجهة بين النظام والمحتجين في المركز. ويتوافق في القراءة مع فحص بأن مشروع إعادة طرح نجل الشاه، رضا بهلوي لا يخدم الحراك، بل يندرج في إطار عملية استخباراتية تهدف إلى إضعافه سياسيًا. فإحياء صورة نظام الشاه، الذي كان نموذجاً استبدادياً سابقاً، من شأنه تنفير شرائح واسعة من المجتمع، ولا سيما الشعوب غير الفارسية التي ترى أن أي نظام ملكي جديد بقيادة بهلوي لن يضمن لها حقوقها القومية والسياسية. ويُشير في هذا الإطار إلى وجود فبركات إعلامية، من صور ومقاطع فيديو تُظهر هتافات مؤيدة لابن الشاه داخل التظاهرات، معتبراً أن الهدف منها تعميق الانقسام داخل المعارضة ودفع الأقليات إلى التردد أو الانكفاء
.
الدعم الأمريكي: سلاح ذو حدّين؟
الجديد في هذه الاحتجاجات تحذير الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في رسالة نشرها على منصة «تروث سوشال»، من أنه إذا أقدم النظام الإيراني «على إطلاق النار على المحتجين السلميين وقتلهم بعنف»، فإن الولايات المتحدة ستتحرك لإنقاذ الشعب. وهي في «حالة تأهب كاملة» ومستعدة للتحرك. هذا الموقف الأمريكي «سلاح ذو حدّين»، وفق فحص، الذي عاش والده العلامة هاني فحص لما يزيد على عشر سنوات في إيران بعد «انتصار الثورة». ويلفت إلى أن شكوكاً لطالما سادت لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين حول وجود تفاهمات خفية بين النظام والبيت الأبيض، إلا أن المرحلة الحالية مختلفة، إذ يدرك الشارع الإيراني أنه لا يوجد اتفاق أمريكي قائم مع طهران، حتى لو لم تبادر واشنطن إلى دعم الحراك بشكل مباشر. ويستبعد أن تستثمر الولايات المتحدة هذا الحراك فقط كأداة ضغط لإعادة النظام إلى طاولة المفاوضات بشروطه، مرجّحاً وجود تيار داخل الولايات المتحدة يسعى فعليًا إلى إسقاط النظام، لا إلى احتوائه.
وفي سياق أكثر حساسية، يكشف فحص أن عوامل إقليمية ودينية لعبت في السابق دوراً في منع إسقاط النظام بحرب الـ12 يوماً، مشيراً إلى أن تركيا، بقيادة رجب طيب اردوغان، والسعودية بقيادة محمد بن سلمان، وباكستان، إضافة إلى المرجع الديني في النجف آية الله علي السيستاني، وفّروا غطاءً حال دون تنفيذ هذا السيناريو. غير أنه يُحذِّر من أن هذا الغطاء ليس مضمون الاستمرار، وقد يتآكل إذ لم يستجب علي خامنئي للمطالب الأمريكية. كما يلفت إلى أن الدول الإقليمية تُعارض بشدة عودة بهلوي، الذي يُنظر إليه كحليف مباشر لإسرائيل، لأن ذلك من شأنه أن يضع تركيا والسعودية أمام تهديدات مباشرة لأمنهما القومي.
قد لا يخفف الدعم الأمريكي من قبضة النظام، برأي نوري آل حمزة، بل يدفع إلى تصعيد القمع، وهذه المرة قد يطال الفرس أنفسهم بشكل أوسع، خلافًا لما درج عليه سابقًا حين كان القمع الأشد يتركز على الأطراف القومية كالأكراد والعرب والبلوش. الصدام بين النظام والشارع الفارسي بات حتميًا، بالتوازي مع استمرار الصدامات مع القوميات الأخرى. لكن موقف ترامب سيُفهم بالنسبة للمحجتين كـ«ضوء أخضر» أمريكي، ويُشكِّل عنصر تشجيع للشعوب غير الفارسية المضطهدة تاريخيًا، مثل الأحوازيين والأكراد والبلوش، التي لم تحظَ في السابق بدعم أمريكي مباشر بهذا الوضوح. وعلى الرغم من إدراك هذه الشعوب لمخاطر القمع، إلا أن هذا الغطاء السياسي الخارجي أسهم في رفع منسوب الثقة بإمكانية التحرُّك، ولو بشكل مدروس ومتدرّج.
نحو استعادة القبضة الأمنية
والبوادر غير المشجعة، استعادة النظام لأدواته الأكثر قسوة، من خلال تعيين المرشد الجنرال أحمد حميدي نائبًا للقائد العام لـ«الحرس الثوري». وتشديد خامنئي، في مرسومه، على اضطلاع هذا الرجل الحديدي بـ«دور جهادي وثوري» في «رفع الجاهزية العملياتية لـ(الحرس الثوري) ودفع مهامه قدمًا في إطار التفاعل مع هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة»، ما يجعل المرحلة المقبلة مفتوحة على استعدادات لاستخدام القوة القصوى بما في ذلك اقتحام المنازل والاستعانة بالآليات العسكرية الثقيلة لقمع الاحتجاجات، خصوصاً إذا استخدم سردية «التآمر الخارجي»، وربط الحراك مباشرة بأجندات أجنبية، فهكذا سردية لا تزال من أكثر الأسلحة فاعلية بيد النظام، لأنها تُتيح له تبرير العنف داخليًا وإعادة شدّ عصب مؤيديه في لحظات الاضطراب.
تُشير التقارير الميدانية إلى اتساع رقعة الاحتجاجات لتشمل مناطق في الأحواز وكرمانشاه وأصفهان وهمدان ومشهد، إضافة إلى تجمعات طلابية في عدد من الجامعات، وترديد شعارات سياسية مباشرة ضد خامنئي كـ«الموت للدكتاتور» وضد صرف الأموال على الأذرع كـ «لا غزة ولا لبنان… روحي فداء لإيران» فضلاً عن إحراق صور ولوحات رموز النظام وعودة التظاهرات الليلية. في المقابل، جاء رد السلطة، حتى الآن، مزيجاً من العنف المحدود ومحاولات الاحتواء السريع، عبر استخدام الغاز المسيل للدموع، وإطلاق النار في الهواء، واعتقالات متفرقة، وقتل محدود ومضبوط للمحتجين. وسُجِّلت تظاهرات مضادة بمشاركة عائلات «الحرس الثوري»، لإظهار وجود قاعدة شعبية داعمة للنظام، غير أن هذه التحركات لم تنجح حتى الآن في وضع شارع مقابل شارع، ربما لأن فقدان الثقة بأي وعود حكومية، وغياب أي قدرة حقيقية على وقف انهيار العملة، بات شعوراً عاماً في البلاد يصيب جميع أطياف المجتمع من محافظين ومعتدلين وإصلاحيين، ومن عموم الشعوب الإيرانية الفارسية وغير الفارسية. في مواجهة الغضب المتصاعد، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى معالجة مشكلات الفساد والبطالة والاضطرابات الاقتصادية، مؤكدًا ضرورة الإصغاء لمطالب المتظاهرين والبحث عن حلول جدية للمشاكل الاقتصادية الداخلية. حصلت حوارات، لكن الاعتقاد السائد هو أن الرئيس وحكومته سيكونان محاصَـرَين من قبل الحرس الثوري وكيان الثورة، ومحطّ هجوم مُركَّز من قبل المتشددين الذين يريدون الإطاحة ببزشكيان الذي يريد احتواء الاحتجاجات عبر تقديم تنازلات من قِبل النظام، فيما الأخير ذاهب الى عسكرة الدولة بشكل كامل في ظل المخاوف من انهيار تركيبة النظام العقائدي.
ما تشهده إيران اليوم أخطر من معظم موجات الاحتجاج السابقة، ليس بالضرورة لأنه بات انتفاضة شاملة، بل لأن انتقاله السريع من الاقتصادي إلى السياسي، ومشاركة «البازار» فيه، يكشفان تصدّعاً في قلب النظام نفسه. إنها البدايات لفصل جديد من فصول التحديات أمام الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي قد لا تستطيع الهروب إلى الأمام باتجاه مواجهة مع الخارج. فحرب الـ12 يوماً أضعفت بُنيتها العسكرية والأمنية كما أذرعها. ولا يبدو المرشد راغباً في إجراء مراجعة، كما لا يمتلك في بنيته الحالية القدرة على التراجع خطوة إلى الوراء، حيث يميل خامنئي إلى خيار الحسم الداخلي بدل التسوية، مستندًا إلى قيادة عسكرية وأمنية ترى في الحسم العنيف الطريق الوحيد للبقاء.
ومع ذلك، يبقى المسار مفتوحاً على سيناريوهات متعددة، بين نظام يرفض الإصلاح ويستعد للمواجهة المفتوحة، ويميل أكثر فأكثر إلى عسكرة الدولة وقمع راديكالي؛ وبين حراك لم تكتمل بعد أدواته السياسية الجامعة ووحدة قيادته وأهدافه الموحَّدة. عند هذين المسارين، تبدو إيران واقفة عند حافة مأزق تاريخي لم تتضح بعد نهاياته.