بغداد/ تميم الحسن
تستعدّ واشنطن، وفق تقديرات سياسيين ومحللين، لإطلاق تحرّكات دبلوماسية مكثّفة تهدف إلى منع وصول "الفصائل" إلى السلطة التنفيذية في الحكومة العراقية المقبلة. وتشير بعض التحليلات إلى أن المرحلة المقبلة قد تمثّل "نهاية العصر الذهبي" لنفوذ الجماعات المسلحة داخل المشهد السياسي العراقي.
ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه "الإطار التنسيقي" الشيعي منافسة محتدمة منذ نحو أسبوعين لحسم اسم رئيس الوزراء الجديد، في سباق يتركز بين رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد السوداني وزعيم ائتلاف دولة القانون نوري المالكي.
لكن في المقابل، تمتلك "الفصائل" أكثر من 80 مقعدًا في البرلمان الجديد، ما يمنحها ثقلاً سياسيًا يدفعها للمطالبة بدور مباشر في تشكيل الحكومة، خصوصًا بعد الإشارات التي صدرت عنها مؤخرًا بشأن احتمال التخلي عن السلاح.
واشنطن ترفع مستوى القلق
يشير السياسي والنائب السابق مثال الآلوسي، إلى أن النتائج التي خرجت بها الانتخابات الأخيرة لم تكن بعيدة عن ترتيبات إقليمية مرتبطة بـ"الولائيين"، وهو ما أطلق جرس إنذار داخل دوائر صنع القرار في واشنطن.
أظهرت النتائج النهائية للانتخابات حصول القوى الشيعية على نحو 200 مقعد، بعدما حصدت أكثر من 5 ملايين صوت. ويُقدَّر أن ما يقارب نصف هذه الأصوات ذهب لصالح الجماعات المسلحة.
ويضيف الآلوسي لـ(المدى): "ففي الوقت الذي تمكّن فيه التيار المقرّب من إيران من تحقيق مكاسب انتخابية، تتعامل الإدارة الأميركية مع المشهد بجدّية قصوى؛ إذ تستعدّ للرد عبر حزمة من القرارات السياسية والتحرّكات الدبلوماسية ومسارات ضغط أمنية واقتصادية".
ومن المفترض أن يبدأ نائب وزير الخارجية الأميركي لإدارة الموارد، مايكل ريغاس، جولة إقليمية تشمل تركيا والعراق وإسرائيل بين 27 تشرين الثاني (اليوم) و5 كانون الأول، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية.
وذكرت الوزارة، في بيان، أن الجولة التي تتضمن محطات في إسطنبول وبغداد وأربيل والقدس، تأتي في إطار تأكيد التزام واشنطن بـ"تعزيز الاستقرار والأمن وحرية الدين والازدهار في المنطقة".
وفي العراق، سيعقد ريغاس سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين، كما سيزور المنشآت الدبلوماسية الأميركية، ويشارك في افتتاح القنصلية العامة الأميركية الجديدة في أربيل، بحسب البيان.
ملفات النفوذ الإيراني تعود إلى الواجهة
ويرى بعض المحللين، بحسب النائب السابق، أن واشنطن تسعى إلى إعادة رسم "حدود النفوذ الإيراني في العراق"، بعد سنوات من تصاعد دور الجماعات المقرّبة من طهران. ويشير هؤلاء إلى أن الولايات المتحدة تمتلك أهدافًا استراتيجية واضحة تجاه إيران، تدفعها إلى محاولة دفع طهران نحو قدر أكبر من البراغماتية، وسط ما يوصف بأنه تحديات داخلية تواجهها الجمهورية الإسلامية، من أزمات اقتصادية إلى ضغوط اجتماعية.
وفي المقابل، يحذّر خبراء، والكلام للآلوسي، من أنّ "فشل الدولة العراقية في ضبط التداخلات الإقليمية — سواء التركية أو الإيرانية — قد يمهّد لمرحلة خطيرة من صراع النفوذ، وربما يفتح الباب أمام حالة حرب باردة بين أجهزة استخبارات تلك الدول على الأرض العراقية، تتقاطع مع ساحات أخرى مثل سوريا".
ويرى الآلوسي أن بعض القوى السياسية العراقية لم تستخلص دروس الحروب الأخيرة في المنطقة، ومستمرّة في ممارسات تتعلق بالفساد، وتهريب الثروات، والاستفادة من المال السياسي، في وقت تتصاعد فيه مخاوف من أن تستخدم الحكومة المقبلة أدوات السلطة لإعادة تمويل ما يسمّى بـ"محور المقاومة".
أما الولايات المتحدة، فيقول النائب السابق، إنها "لا ترغب في رؤية العراق ساحة لصراع مفتوح، وتسعى لحماية مصالحها ومصالح حلفائها، إلى جانب استقرار الدولة العراقية ومنع تفجّر صراع طائفي جديد".
ويؤكد أن "العصر الذهبي" للمجموعات المسلحة في العراق يقترب من نهايته، وأن العودة إلى مشهد شبيه بعام 2006 وإعادة نفس الوجوه أصبحت شبه مستحيلة".
"أدوات ناعمة وخشنة"
وتعتمد واشنطن، بحسب الآلوسي، في هذه المرحلة على مزيج من أدوات القوة الناعمة والخشنة، مدعومة بالدبلوماسية الأميركية النشطة في بغداد، إضافة إلى تحركات المبعوث الأميركي الخاص مارك سافيا. ويتابع قائلًا: "يُنظر إلى سافيا على أنه فرصة إنقاذ للنظام السياسي العراقي، عبر الدفع نحو صيغة حكم مستقرة، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وضمان بيئة تسمح بإطلاق مشاريع تنموية".
ويعتقد الآلوسي أن فشل مهمة سافيا قد يفتح الباب أمام سيناريو أكثر تصعيدًا، وربما مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وشبكة النفوذ الإيرانية في العراق والمنطقة.
ومؤخرًا، جدّد مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العراق، مارك سافايا، دعم الولايات المتحدة للمؤسسات الأمنية "الشرعية" في البلاد.
وقال سافايا في تدوينة على منصة "إكس" إن "واشنطن دعمت العراق في مواجهة داعش والتصدي للتأثيرات السلبية على استقراره الإقليمي". لكنه شدّد على ضرورة إجراء إصلاحات أساسية داخل المنظومة الأمنية.
وأشار إلى أن الشركات الأميركية، التي قدّمت للعراق مليارات الدولارات من التجهيزات والدعم، لا تزال شريكًا رئيسيًا في تعزيز أمن البلاد وسيادته.
إيقاف تجارة الظل
إلى ذلك أكد الدبلوماسي السابق غازي فيصل أن التصريحات الأميركية الأخيرة بشأن العراق تعكس موقفًا استراتيجيًا ثابتًا، يقوم على معارضة أي نفوذ سياسي أو أمني أو اقتصادي لإيران أو لنظام ولاية الفقيه داخل البلاد، سواء عبر الأحزاب المتحالفة مع طهران أو الفصائل المسلحة.
وقال فيصل لـ(المدى) إن "الولايات المتحدة لن تسمح باستمرار مظاهر هذا النفوذ، خصوصًا ما يتعلق بشبكات الجريمة المنظمة، وعمليات تهريب النفط الإيراني، وتحويل الدولارات من العراق إلى إيران، إضافة إلى ما يُعرف بتجارة الظل التي تتيح لطهران تمرير صادرات غير مشروعة، أو الحصول على سلع محظورة عبر شركات ومؤسسات وهمية تعمل من داخل العراق".
وأضاف أن "واشنطن أشارت مرارًا إلى وجود 16 قاعدة عسكرية للفصائل المسلحة داخل العراق، وتُظهر تقارير صحفية انتشار عناصر مسلّحة من مجموعات مثل زينبيون وفاطميون والحوثيين، إضافة إلى مستشارين من الحرس الثوري الإيراني، وورش لتصنيع الأسلحة".
وأوضح فيصل أن هذه الفصائل نفذت أكثر من "34 هجومًا صاروخيًا" على السفارة الأميركية في بغداد، إلى جانب استهداف قوات التحالف الدولي، وقصف منشآت اقتصادية في كردستان وشركات أجنبية بينها "شل"، وهو ما يجعلها — وفق القانون الأميركي — تنظيمات إرهابية عابرة للحدود، ويتيح لواشنطن اتخاذ إجراءات مباشرة ضدها.
شروط أميركية
وبناء على ذلك، يرى فيصل أن الولايات المتحدة تشترط أن تكون الحكومة العراقية القادمة "خالية من حلفاء إيران"، سواء من الفصائل المسلحة الموالية للمرشد الإيراني علي خامنئي، أو من الشخصيات السياسية المرتبطة بهذه المنظومات.
كما دعا إلى أن تُدار العلاقة بين بغداد وواشنطن وفق اتفاقية الإطار الاستراتيجي الموقعة عام 2008 والمصادق عليها برلمانيًا في 2009، باعتبارها الأساس القانوني لتنظيم التعاون بين البلدين.
ويشير فيصل إلى أن واشنطن تضع شروطًا واضحة أمام تشكيل الحكومة المقبلة، أبرزها أن "تكون حكومة صديقة للولايات المتحدة، وأن تعتمد سياسات تحمي المصالح الأميركية في العراق والمنطقة، وهي المصالح التي ترى واشنطن أن الفصائل المسلحة تشكّل تهديدًا مباشرًا لها".
وختم بأن المصالح الأميركية — سواء داخل العراق أو في الإقليم — تمثل قضية جوهرية ترتبط بالأمن الإقليمي وجهود مكافحة الإرهاب، وأن أي تهديد لاستقرار المنطقة سيقابل بتحرك أميركي "واضح وصارم".