أكمل الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة معظم استعداده لهجوم أمريكي محتمل في إيران في المستقبل القريب. القوات الجوية وقيادة الجبهة الداخلية ووحدات الاستخبارات ومنظومات أخرى في حالة تأهب قصوى، ولكن ما زال هناك الكثير من الغموض. تشير التقديرات في إسرائيل إلى أن ترامب يهدف إلى توجيه ضربة جوية واسعة النطاق في إيران، على أمل أن تؤدي إلى سلسلة أحداث تنتهي بسقوط النظام.
هذا هو السياق الذي يفسر استمرار الجهود الأمريكية لتركيز القوات في منطقة الخليج الفارسي، لكن على المستوى المهني على الأقل، ما زال هناك غموض حول طبيعة قراره النهائي (ربما كشف ترامب عن مزيد من التفاصيل في محادثاته مع نتنياهو). ومن غير الواضح ما سيكون دور إسرائيل في هذه المواجهة، وكيف يعتقد ترامب بأنه سينجح في إحداث تغيير في النظام في طهران – هدف صعب جداً تحقيقه في عملية جوية قصيرة.
يجب أن تكون نقطة البداية المفترضة في كل ما يتعلق بترامب هي أن تحركاته يصعب التنبؤ بها، وتتميز بالاندفاع، وقد تشمل مثلما حدث قبل ساعات من الهجوم الإسرائيلي ضد إيران في حزيران 2025، خطوات متعمدة من الخداع والتضليل. أمس في مؤتمر دافوس، قال ترامب إن “إيران تريد الحوار، وسنتحاور”. مع ذلك، يتولد الانطباع بأن نظام طهران قد تحدى الرئيس الأمريكي، سواء من خلال المذابح واسعة النطاق التي نفذها ضد المتظاهرين أو من خلال تهديدات صريحة على حياته، وأن ترامب سيجد صعوبة في كبح جماحه لفترة طويلة.
في وسائل الإعلام الأمريكية نشر في الأيام الأخيرة عن نقل قوات بحرية مهمة، من بينها حاملة الطائرات “لينكولن”، إلى منطقة الخليج، وعن وصول طائرات قتالية إلى قواعد في الشرق الأوسط، وعن إرسال طائرات تزويد بالوقود من أمريكا إلى أوروبا، أكثر قرباً إلى الخليج. ترامب، كما نشر، طلب من المخططين العسكريين لديه “خيارات حاسمة” أمام إيران، في حين أنه يتبادل التهديدات مع شخصيات إيرانية رفيعة المستوى. تم رفع الجاهزية في إسرائيل في هذه الأثناء، في حين زار رئيس الأركان إيال زامير، أول أمس، قاعدة سلاح الجو “نفاتيم” في النقب، التي استوعبت هذا الأسبوع ثلاث طائرات إف35 (أدير) جديدة. وأعلن زامير بأن الجيش الإسرائيلي مستعد لكل السيناريوهات، ولتطبيق التجربة العملياتية التي راكمها في المعركة السابقة مع إيران.
حسب تصريحات ترامب العلنية وتعليقات الصحافة الأمريكية، فإنه إذا ما تقرر شن الهجوم فسيكون قصيراً نسبياً وسينفذ من الجو في معظمه، إلى جانب هجمات إلكترونية محتملة و”عمليات تأثير” تهدف إلى تقويض معنويات النظام. وقد يشمل ذلك سلسلة اغتيالات (ترامب يهدد بصراحة بالمس بالمرشد الروحي علي خامنئي)، وهجمات على قواعد وقيادات القوات التي يستخدمها النظام لقمع المظاهرات: الباسيج وحرس الثورة الإيراني. وربما تساعد إسرائيل في التغطية على هذه الهجمات، ولا تخفي رغبتها في إلحاق الضرر مجدداً بخطوط إنتاج الصواريخ البالستية الإيرانية، التي استأنفت نشاطها الكثيف في الأشهر الأخيرة.
شخصيات إسرائيلية رفيعة، بما في ذلك نتنياهو، تقلل من التصريحات العلنية بشأن التوتر، وذلك بناء على أوامر مباشرة من رئيس الحكومة. في الوقت الحالي، لا تشكل إسرائيل أي تهديد يذكر على إيران، خلافاً لما كانت عليه الحال في الأشهر التي سبقت الهجوم السابق. في المقابل، هدد متحدثون إيرانيون بمهاجمة إسرائيل وحلفاء آخرين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، بغض النظر عن التورط المباشر في الخطوات الأمريكية.
تبرز ثلاثة أسئلة رئيسية من المنظار الإسرائيلي، على فرض أن ترامب حقاً مصمم على الهجوم، وهي: هل ستشارك إسرائيل من خلال تقديم معلومات استخبارية أو حتى شن هجوم مباشر خلال الضربة الأولى الأمريكية؟ كيف سيكون رد فعل إيران على إسرائيل إذا كانت هذه الخطوة أمريكية بحتة؟ والسؤال الأكثر غموضاً هو: ما الذي تستطيع أمريكا فعله لإسقاط النظام بالفعل، وهو الهدف الظاهر لتهديدات ترامب؟ من المرجح أن مخططي البنتاغون قد أشاروا بالفعل إلى هذه الصعوبة لترامب، لكن المشكوك فيه أن الرئيس يستمع إليهم.
لقد اندلعت أحدث الاحتجاجات في إيران في نهاية كانون الأول الماضي، وتحولت بسرعة من مظاهرات ضد غلاء المعيشة إلى حركة واسعة النطاق تطالب بتغيير فوري للنظام. ولكن النظام باستخدام أشد أنواع العنف في تاريخه، قمع الاحتجاجات خلال أسبوعين فقط، ولا تعتبر تقديرات عدد الضحايا دقيقة تماماً، لكن التقدير الأقل الذي تم نشره يتحدث عن 5 آلاف قتيل وأكثر.
لا أحد يعرف على وجه الدقة مدى فعالية التحركات الهجومية، خاصة أن ترامب يفضل الحلول السريعة والنهائية على معارك طويلة. في حزيران، عندما هاجمت الولايات المتحدة منشأة فوردو النووية عقب الهجوم الإسرائيلي، قال ترامب إنه دمر المشروع النووي الإيراني كلياً. كان هذا كذباً، لكن كان يصعب دحض أقواله تماماً. أما إسقاط أي نظام فهو شيء مختلف، كما يعرف نتنياهو، الذي فشل فشلاً ذريعاً في إسقاط حكومة حماس في قطاع غزة. هنا يصعب خلق واقع بديل.
يقود ترامب في الوقت نفسه، تحركات معقدة وأحياناً متناقضة في ساحات مختلفة (إيران، غزة، غرينلاند، أوكرانيا، الصين وتايوان). ويخوض في الخفاء صراعاً على مكانة الولايات المتحدة في تنافس قوي على النفوذ ومصادر الطاقة والتكنولوجيا المتقدمة. أمس، ظهر أنه كبح جماح تهديداته بشأن غرينلاند، وهو مستعد لتسوية تعطيه فقط جزءاً مما يريد. هل سيدفعه تنازله هناك إلى اتخاذ موقف حازم ومهدد أكثر تجاه النظام في إيران، الذي يدعو ترامب علناً إلى إسقاطه؟ أم أن قناة المحادثات بين المبعوث ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ستفضي إلى اتفاق نووي جديد توافق فيه إيران على كبح طموحاتها على المدى البعيد؟
حسابات نتنياهو تجمع إضافة إلى الذرائع الأمنية، بين الاعتبارات السياسية وسعيه الشخصي للبقاء في الحكم ولأشهر كثيرة. لقد ظهرت تحركات نتنياهو في المنطقة وكأنها لعبة بوكر تنطوي على أموال طائلة ومحفوفة بأخطار عالية. وقد يؤثر تجدد الحملة في إيران على المزاج العام وتوقيت الانتخابات القادمة والقضايا التي ستكون في مركزها.
ما يجب أن يأخذه رئيس الحكومة في الحسبان، إذا قرر التدخل، هو تهديد الجبهة الداخلية. في حزيران الماضي، دافعت منظومة اعتراض متعددة الطبقات عن إسرائيل، شملت عدداً متنوعاً من البطاريات الإسرائيلية والأمريكية. ولكن يجدر أن نذكر أن نهاية الحرب الأخيرة كانت بائسة جداً. الإيرانيون، من خلال اليأس، أوقفوا توجيه ضرباتهم لمواقع عسكرية أو استراتيجية بعد فشل معظم هذه الهجمات. وبدلاً من ذلك، أطلقوا الصواريخ على مراكز المدن الكبرى على أمل إسقاط أكبر عدد من الضحايا.
عدد القتلى الإسرائيليين، 30 إسرائيلياً، كان أقل بكثير من أكثر التوقعات تفاؤلاً للمؤسسة الأمنية، ولكن الأضرار كانت جسيمة وواضحة. وقد برزت التداعيات النفسية لتلك التجربة في الأسابيع الأخيرة، مع ازدياد القلق الشعبي من تجدد إطلاق النار. هذا هو السياق الذي ادعى فيه النظام، بدون أي أساس، بأنه انتصر بالفعل في الجولة الأخيرة ضد إسرائيل وأنها هي التي طلبت وقف إطلاق النار في حزيران.
عاموس هرئيل
هآرتس 23/1/2026