تغيير حجم الخط :     

الفصائل تهدد بإسقاط الحكومة.. و74 موقعاً عسكرياً تركياً في العراق: أين السيادة؟ إجازة الطيران لشهر وأول 10 أيام تحت الاختبار: أميركا تراقب الإيرانيين وأموالهم في النجف

مشاركة » الأربعاء سبتمبر 30, 2026 4:24 am

7.jpg
 
غداد/ تميم الحسن


كان يفترض أن تبدأ بغداد هذا الأسبوع احتفالاتها بخروج آخر جندي أميركي من البلاد. لكن قبل أن يبدأ الاحتفال، جاء التهديد بإسقاط الحكومة.
في مساء الاثنين، أصدرت «كتائب حزب الله» بياناً بدل نبرة الأيام التي أرادت بغداد أن تحتفل خلالها بما سمته «أيام السيادة»، مع اكتمال خروج القوات الأميركية التي جاءت إلى العراق بطلب من حكومته عام 2014 للمساعدة في الحرب على «داعش».
كانت رسالة الكتائب مباشرة: إذا لم تعمل حكومة علي الزيدي وفق ما تريده الفصائل، فإنها ستعمل على إسقاطها.
لكن التهديد لم يتوقف عند الحكومة.
هددت الكتائب أيضاً بإغلاق المنافذ الحدودية مع الدول التي وصفتها بالمشاركة في «الحصار الجوي» المفروض على إيران، وأعلنت أنها ستراقب الأجواء العراقية، وستنذر الطائرات التي تعتبرها «معادية»، قبل إسقاطها إذا واصلت التحليق.
في الظاهر، كان كل ذلك يدور حول مسألة تبدو تقنية، وهي الرحلات الجوية بين العراق وإيران. لكن خلف تلك الرحلات كانت تتجمع قصة أكبر بكثير.
طائرة إلى طهران.. وورقة من واشنطن
كانت بغداد قد أعلنت أنها توصلت، عبر مفاوضات مباشرة مع واشنطن، إلى استثناء محدود يسمح باستخدام مطار النجف لنقل المسافرين إلى إيران.
الاستثناء لم يكن مفتوحاً. وبحسب وثيقة متداولة عن التفاهمات العراقية- الأميركية حصلت عليها (المدى)، فإن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية (OFAC) منح الخطوط الجوية العراقية ترخيصاً مؤقتاً ينتهي في 28 تشرين الأول 2026.
الترخيص يسمح بتسيير رحلات محددة بين النجف وإيران، لكنه يضع حولها سياجاً من الشروط.
الرحلات يجب أن تنطلق من النجف وتعود إليها.
والمسافرون الإيرانيون المسموح بنقلهم هم الحجاج الدينيون فقط.
ولا يسمح بنقل الأشخاص الخاضعين للعقوبات الأميركية، بمن فيهم المرتبطون بالحكومة الإيرانية أو الجماعات المسلحة المتحالفة معها.
ومنع نقل الأموال النقدية بكميات كبيرة والشحنات المرتبطة بالمؤسسات العسكرية أو الأمنية أو الاستخباراتية الإيرانية.
حتى الأمتعة تخضع للتدقيق، والسماح بأمتعة شخصية ومواد ضرورية لسلامة الطيران، لا أكثر.
والأهم أن بغداد مطالبة بتقديم بيانات عن الرحلات والمسافرين، بما في ذلك الأسماء وأرقام جوازات السفر، إضافة إلى معلومات عن الوقود والصيانة والخدمات التي دفعتها الخطوط الجوية العراقية في إيران.
الترخيص نفسه ليس وعداً طويل الأجل. فالخزانة الأميركية تستطيع تعديله أو إلغاءه في أي وقت، ويمكن أن يسقط إذا لم يلتزم العراق بالشروط المفروضة على الرحلات الإيرانية.
هنا تحديداً شعرت الفصائل بأن الأمر تجاوز الطيران، وبالنسبة إليها، لم تعد المسألة رحلة حجاج من النجف إلى طهران. أصبحت اختباراً لمن يملك القرار في العراق.
"لا تكونوا كاشيراً"
في بيان كتائب حزب الله، قال مسؤولها الأمني أبو مجاهد العساف إن العراقيين يعرفون من "يختبئون خلف بعض القرارات الحكومية" لتمرير ما لا يريدون تبنيه علناً.
ثم وجه الرسالة مباشرة إلى الزيدي: "الحكومة التي لا تعمل لصالح الشعب، سيعمل على إسقاطها بشتى الطرق".
ولم يترك البيان التهديد في مستوى الكلام السياسي.
قال العساف إن استمرار الحصار الجوي على إيران بعد الأول من تشرين الأول قد يقود إلى إغلاق منافذ الدول المشاركة فيه.
ثم أضاف أن "المقاومة الإسلامية" ستراقب الأجواء العراقية، وستنذر أولاً، قبل أن تعمل على إسقاط الطائرات التي تعتبرها معادية.
وكانت الجملة الأكثر وضوحاً موجهة إلى مكتب رئيس الوزراء: لا ينبغي له، بحسب البيان، أن يكون "كاشيراً" للخروقات الأميركية بعد الأول من تشرين الأول.
وهكذا، في اليوم الذي كان يفترض أن تبدأ فيه الدولة بعرض سيادتها، كانت جماعة مسلحة تعلن أنها ستراقب الأجواء، وتحدد ما تعتبره خرقاً، وتهدد الحكومة نفسها إذا لم تغير مسارها.
"الفصائل تستعرض قوتها"
مسؤول سابق، قريب من القصر الحكومي، قال لـ(المدى) إن ما يحدث يبدو كأنه "استعراض قوة في اللحظة التي تغادر فيها القوات الأميركية".
وطبقاً للمسؤول، فإن بيان كتائب حزب الله قد يكون صورة أولية لما يمكن أن يحدث بعد الانسحاب، عندما "تبدأ الجماعات المسلحة بمحاولة اختبار قدرتها على التأثير في الأرض والقرار".
لكن الباحث في الشأن السياسي أحمد الياسري يقرأ التهديد بطريقة مختلفة.
بالنسبة إليه، بيانات "كتائب حزب الله" غالباً ما تتأثر بدرجة الضغط التي تتعرض لها. عندما يكون الضغط مرتفعاً، ترتفع حدة اللغة؛ وعندما توجد تسوية، تصبح البيانات أكثر هدوءاً.
لكن هذه المرة، كما يقول لـ(المدى)، هناك سبب مباشر جعل رد الفعل أكثر حدة و "الطيران الإيراني".
إيقاف الرحلات الإيرانية، في رأيه، لم يكن مجرد قرار إداري، بل ضربة تجارية كبيرة تعرض لها الجماعات المسلحة بالعراق، ولذلك تحتاج الفصائل إلى رد يثبت أنها ما زالت موجودة وقادرة على التأثير.
"الأكشن" الذي تقوم به الفصائل، بحسب الياسري، هو جزء من إعادة رسم موقعها السياسي وإثبات حضورها في العراق، وليس بالضرورة مقدمة لانقلاب أو مواجهة عسكرية مباشرة.
فالفصائل، كما يقول، تواجه مشكلة في تحويل قوتها العسكرية إلى مشروع سياسي شامل.
لديها خلافات مع الأكراد، ومشاكل مع السنة، وحتى داخل البيئة الشيعية نفسها، ولذلك فإن السؤال ليس فقط: هل تستطيع إسقاط الحكومة؟ بل: "من سيقف معها إذا حاولت؟".
قوة بلا دولة؟
هناك مفارقة أخرى في المشهد. الفصائل التي بنت جزءاً من شرعيتها على فكرة مقاومة الوجود الأميركي تجد نفسها الآن أمام لحظة يفترض أن تنتهي فيها المهمة العسكرية الأميركية.
لكن خروج الأميركيين لا يعني بالضرورة أن كل الأسئلة التي بررت وجود الفصائل قد اختفت.
الياسري، وهو رئيس المركز العربي- الأسترالي للدراسات الستراتيجية يرى أن هذه الجماعات تعمل، في جانب أساسي من وظيفتها، ضمن استراتيجيات أمنية إيرانية أوسع.
ويصفها بأنها "قوات وظيفية" ذات أجندات محددة، مرتبطة باستراتيجيات الحرس الثوري الإيراني لحماية المصالح والأمن القومي الإيراني.
لهذا السبب، فإن ردود أفعالها داخل العراق، في قراءته، لا تعني بالضرورة أنها تريد السيطرة على الدولة، بقدر ما تعكس محاولة الحفاظ على الدور الذي نشأت من أجله.
ويستشهد بحزب الله اللبناني باعتباره مثالاً على جماعة مسلحة استطاعت البقاء داخل النظام السياسي، لكنها لم تتحول إلى ممثل لكل الطوائف أو لكل المجتمع.
بالمنطق نفسه، يقول الياسري، يمكن أن ترتفع قوة الفصائل العراقية، وأن تكبر إمكاناتها العسكرية والسياسية، لكن ذلك لا يعني تلقائياً أنها تستطيع تحويل هذه القوة إلى سيطرة كاملة على البلاد.
هناك أيضاً عامل آخر، وهو إسرائيل والولايات المتحدة. فأي محاولة لتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة للقوى المسلحة، وفق هذه القراءة، قد تستدعي رداً إسرائيلياً أو أميركياً، خصوصاً في ظل الصراع الإقليمي المستمر مع إيران.
لذلك يرى الياسري أن التصعيد الحالي قد يكون، قبل كل شيء، "صناعة لرد الفعل"، و "رسالة إلى الحكومة، وإلى واشنطن، وإلى طهران، وإلى الجمهور الداخلي، بأن الفصائل ما زالت تملك أوراقاً".
السيادة التي تبدأ من مطار النجف
لكن عبد السلام برواري، النائب السابق في إقليم كردستان، ينظر إلى المسألة من زاوية أكثر اتساعاً.
بالنسبة إليه، هناك حقيقتان يجب ألا تنفصلا عن بعضهما، كما يقول لـ(المدى).
الأولى أن الوجود الأميركي بعد عام 2014 جاء بطلب من الحكومة العراقية، وأن استمرار وجود القوات بعد هزيمة "داعش" جرى ضمن اتفاق بين بغداد وواشنطن، له موعد محدد لخروج آخر جندي.
أما الثانية، فهي أكثر إحراجاً بالنسبة إلى الاحتفال. إذا كان العراق سيحتفل بـ"يوم السيادة"، يقول برواري، فإن عليه أن يسأل أولاً: "هل تملك الدولة فعلاً قرارها الأمني؟".
فوجود جماعات مسلحة تهدد علناً بإسقاط الحكومة، أو تتخذ مواقف مخالفة لسياسة الدولة، يعني أن تعريف السيادة لا يزال ناقصاً. ثم يضيف عاملاً آخر: القوات التركية الموجودة داخل الأراضي العراقية.
ويتحدث برواري عن انتشار عسكري تركي يمتد لنحو 1000 كيلومتر من الحدود السورية إلى الحدود الإيرانية، ويتوغل بعمق يتراوح بين 20 و40 كيلومتراً داخل الأراضي العراقية، مع وجود أربع أو خمس معسكرات وأكثر من 74 موقعاً عسكرياً.
ولا يقتصر أثر هذا الانتشار، بحسب برواري، على الجانب العسكري؛ إذ يضم مطاراً في بامرني، فيما أدى الوجود التركي والعمليات العسكرية إلى منع نحو 200 قرية من إعادة الإعمار والعودة إلى حياتها الطبيعية.
انسحاب الأميركيين لا ينهي السلاح
لذلك، فإن الأول من تشرين الأول، في نظره، لن يكون بالضرورة صباحاً جديداً بالمعنى الذي تحاول بغداد تقديمه.
ويقول برواري إن انسحاب القوات الأميركية "في الحقيقة لا يغير أي شيء" بالنسبة إلى المشهد العراقي.
لكنه يرى أن أحد المبررات التي استخدمتها الفصائل لتبرير بقائها وعملياتها، بما فيها الهجمات بالطائرات المسيرة على إقليم كردستان، قد يتراجع بعد الانسحاب الأميركي، وكأن "البساط سحب من تحت أقدامها".
لكن ذلك، بحسب برواري، لا يعني بالضرورة انتهاء دور الفصائل. فهناك من كان يرى أن استمرار الصراع الأميركي- الإيراني سيمنحها دائماً أسباباً جديدة للبقاء، وستجد هذه الجماعات، في ظل هذا الصراع، أكثر من مبرر للحفاظ على سلاحها ودورها.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات