تغيير حجم الخط     

للمرة الأولى.. بغداد تشارك في حصار طهران بعد إغلاق المنافذ الحدودية

مشاركة » الأحد سبتمبر 13, 2026 1:21 pm

6.jpg
 
بغداد/ تميم الحسن


للمرة الأولى، وجدت بغداد نفسها داخل الحصار المفروض على طهران.
لم تعلن الحكومة العراقية أنها انضمت إلى الحصار الذي تقوده واشنطن، لكنها أغلقت ثلاثة منافذ حدودية من أصل خمسة مع إيران.
جاءت الخطوة وسط معلومات عن إعادة تفعيل ما يعرف بـ"غرفة إيران"، واحتمال ارتباطها بخطة لفك الحصار عن طهران، وهجمات طالت السعودية وانطلقت، وفق التحقيقات العراقية، من جنوب البلاد.
وكانت السعودية تستعد للرد، قبل أن ينجح رئيس الحكومة علي الزيدي في إقناعها بمنح العراق فرصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
ثلاثة منافذ مغلقة
المعلومات الأمنية التي وصلت إلى (المدى) رجحت أن يكون منع دخول الأسلحة والمسلحين من إيران أحد أسباب إغلاق المنافذ، وأن الهدف كان السيطرة على الوضع الأمني.
أما الرواية الرسمية فجاءت أكثر حذراً.
قالت خلية الإعلام الأمني إن الجهات المختصة باشرت "بعمليات ترتيب إداري وأمني في عدد من المنافذ الحدودية"، وإن ذلك "يستوجب إغلاقها"، مع اتخاذ إجراءات قانونية وتكثيف العمل الاستخباري والتحقيق والتدقيق لمعرفة ملابسات "الخروقات والمخالفات" التي حصلت فيها.
وأشارت الخلية إلى أن منفذي زرباطية والمنذرية مفتوحان أمام حركة المسافرين.
وبحسب المصادر، أُغلقت منافذ الشيب وزرباطية ومندلي بعد قصف بطائرات مسيرة استهدف أنابيب نفط بالسعودية.
وقد يبدو الأمر إجراءً حدودياً، لكن توقيته جعل المعابر جزءاً من قصة أكبر.
"إجراء أمني" أم توسيع للحصار؟
أحمد الياسري، رئيس المركز العربي-الأسترالي للدراسات الاستراتيجية، يضع الخطوة في سياق أوسع.
يقول لـ(المدى) إن إغلاق المنافذ يمثل "أعلى مراحل التصعيد" مقارنة بما فعلته الحكومات العراقية السابقة، ويعطي انطباعاً بأن العراق يتحرك في "مساحة الحياد أو في المساحة الأقرب لأمريكا".
لكن الرسالة الثانية، بحسب الياسري، تتعلق بجدية الحكومة في حصر السلاح.
ويرى أن هناك محاولات لـ"ذر الرماد في العيون" عبر إعلان حصر السلاح، بينما يجري في الوقت نفسه استخدام السلاح بشكل استراتيجي بما يتناسب مع المواجهة الأمريكية مع إيران.
مع ذلك، لا يصف الياسري إغلاق الحدود بأنه إجراء تصعيدي بالمعنى المباشر.
يقول إن الحكومة "لن تقف مكتوفة الأيدي وستتخذ إجراء"، وإن إغلاق المنافذ هو "إجراء تحقيقي"، يمكن أن تتخذه أي دولة عند حصول قضايا أمنية خطرة، من خلال إقامة نقاط تفتيش على حدودها لمنع الهروب وملاحقة المتورطين.
لكن القراءة الأخرى، كما يقول، واضحة أيضاً: "إغلاق المنافذ يعني زيادة رقعة الحصار على إيران".
وبغداد، في هذه الحالة، بحسب الياسري، تضغط على طهران بأداة عراقية، وهو إجراء أمني لا يعلن المواجهة معها، لكنه يضيق عليها.
عودة "غرفة إيران"
جاءت هذه الإجراءات بالتزامن مع معلومات عن إعادة تفعيل ما يعرف بـ"غرفة إيران" أو "غرفة الشرع"، التي كانت قد تشكلت في العراق عام 2025 في سياق خطة لإسقاط النظام السوري الجديد.
الغرفة، وفق المعلومات، تضم عناصر من الحوثيين وفصائل مرتبطة بإيران، لكن الخطة هذه المرة مختلفة.
الهدف، بحسب المصادر، هو فك الحصار عن طهران عبر ضرب الخليج، بالتزامن مع تقدم الحوثيين باتجاه باب المندب.
وكانت تقارير قد تحدثت عن مدربين حوثيين عملوا إلى جانب الفصائل خلال الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وفي آب الماضي، ردت السعودية على مقار للحشد بعد هجمات استهدفت مواقع داخل المملكة.
وحين بدأت التحقيقات العراقية في الهجمات، ظهرت فرضيتان.
الأولى تضع الفصائل المسلحة التي تطلق على نفسها اسم "المقاومة العراقية الإسلامية" في الواجهة.
والثانية تضع الحوثيين في المشهد، باحتمالين: أن يكون الهجوم انطلق من اليمن، أو أنه نفذ من العراق بتسهيل من فصائل عراقية، مع وجود عناصر حوثية في جرف الصخر جنوب بغداد.
وكانت (المدى) قد نشرت في أيلول 2025 تقريراً عن اجتماعات للحوثيين في البصرة والنجف وكربلاء وبغداد، الأمر الذي رفع حينها احتمالات تعرض العراق لضربات أمريكية وإسرائيلية.
وبحسب المعلومات المتداولة، يمتلك الحوثيون مكتباً إعلامياً في العراق، كما يشاركون في فعاليات يقيمها الحشد الشعبي، ويمثلهم أبو إدريس الشرفي.
الهجوم الذي خرج من ميسان
وفي الخميس الأخير، تعرضت مواقع نفطية في المملكة السعودية لهجمات.
في البداية، رفضت بغداد، بحسب مصادر خاصة لـ(المدى)، الاعتراف بأن الهجمات انطلقت من العراق، رغم عقد 8 اجتماعات بين الطرفين، وبحضور أمريكي وتدقيق أمريكي.
لكن الرواية تغيرت وأعلنت بغداد أن الهجمات انطلقت من جنوب العراق.
وأمر علي الزيدي بتشكيل مجلس تحقيقي بحق قيادة عمليات ميسان، قبل أن يعفي قائد العمليات جليل الشريفي، الذي كان قد تسلم منصبه في 2025.
وقال مكتب رئيس الوزراء إن "القائد العام أمر بإعفاء قائد العمليات من منصبه، على خلفية ثبوت انطلاق الاعتداءات التي طالت الأشقاء في المملكة العربية السعودية من أحد المواقع داخل المحافظة".
وفي تطور لاحق، أعفى الزيدي قائد شرطة محافظة ميسان من منصبه، ونقل مديري الأجهزة الأمنية في المحافظة إلى الإمرة، تمهيداً لإحالتهم إلى التحقيق.
كان ذلك اعترافاً نادراً من بغداد، وكان أيضاً محاولة لقطع الطريق على رد سعودي.
فقد أعلنت الخارجية العراقية أن الرياض آثرت عدم الرد في تلك المرحلة، بناءً على طلب الزيدي منح بغداد فرصة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، مع تأكيدها الاحتفاظ بحق حماية سيادتها وأمنها ومنشآتها، وذلك عقب لقاء وزير الخارجية فؤاد حسين بنظيره السعودي.
وكانت بغداد تواجه احتمال فرض عقوبات أمريكية شديدة، قد لا تتوقف عند شخصيات محددة، بل تطال مؤسسات، بسبب تعثر ملف نزع السلاح.
وفي نهاية الأسبوع الماضي، فرضت عقوبات على 9 شخصيات يعتقد بارتباطها بـ"كتائب حزب الله"، من بينهم اثنان من أشقاء محسن المندلاوي، نائب رئيس البرلمان السابق والقيادي في الإطار التنسيقي، والمرشح المحتمل لمنصب نائب رئيس الوزراء الحالي.
باب المندب يدخل الحساب
لكن القصة لا تتوقف عند الحدود العراقية. ويرى الياسري أن تحركات الحوثيين الأخيرة في باب المندب جاءت بدفع من إيران، وأن تأثيرها سيصل إلى العراق.
الفكرة الإيرانية، وفق هذه القراءة، هي فتح جبهة باب المندب لمواجهة ضغط ترامب.
فإغلاق المضيق ميدانياً، بعد التقدم الحوثي باتجاه ميناء المخا، يمكن أن يقلل من أهمية مضيق هرمز ويهدد طرق النفط والتجارة العالمية.
لكن هذه الورقة قد تنقلب على طهران، فهي، وفق الياسري، قد تستدعي تدخلاً سعودياً ومصرياً وصينياً ودولياً، وتحول ملف اليمن وباب المندب إلى قضية أمن دولي، لا مجرد مواجهة بين ترامب وإيران وإسرائيل.
الزيدي يريد منع الحرب
وعن تأثير ذلك على العراق، يقول الياسري إن العراق بدأ يشعر بأن كثرة استهداف القواعد الأمريكية تعني عملياً دفعاً إيرانياً للعراق نحو الدخول في المعركة.
ولهذا يريد الزيدي، بحسب قراءته، توسيع دائرة الحياد.
"العراق يجب أن يكون في دائرة أوسع للحياد"، يقول الياسري، موضحاً أن الزيدي "لا يفكر بالمواجهة، ولكن يفكر بالمنع من المواجهة".
إغلاق المنافذ، والتحقيق في الهجوم على السعودية، وإقالة قائد عمليات ميسان، كلها إجراءات يمكن أن تخدم هذا الهدف.
ويشير الياسري إلى أن بغداد تقول لأمريكا والسعودية إنها تتحرك لمنع استهدافهما من الأراضي العراقية، وبالتالي تمنع انتقاماً قد يستهدف العراق نفسه.
وفي الوقت نفسه، تريد الحكومة، برأيه، إرسال رسالة إلى إيران، مفادها أن ليس كل الشيعة فصائل، وليس كل العراق مندمجاً في نشاط الحرس الثوري وخططه الاستراتيجية، خصوصاً عندما تبدأ تلك الخطط بالإضرار بالمصالح العراقية.
عندما تصبح المصالح أقوى من الأيديولوجيا
هنا يصل الياسري إلى خلاصة أبعد، ويقول إن المنطقة تدخل "حرب مصالح"، وإن العقيدة الأيديولوجية ستتراجع.
لن يبقى السؤال، كما يرى، متعلقاً فقط بالشيعة والسنة، أو الأمريكيين والإيرانيين، أو سوريا، الدول الشيعية نفسها يمكن أن تختلف مع إيران إذا تضررت مصالحها.
ويضرب أمثلة بالصين وكوريا الجنوبية والهند وباكستان، مشيراً إلى أن حتى الدول الصديقة قد تغير مواقفها عندما تصبح مصالحها مهددة.
ومن هنا، يعتقد أن إيران بدأت تركز على الحلفاء الأصغر، مثل الحوثيين والفصائل، فيما تترك روسيا والصين خارج المواجهة المباشرة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى محليات