بغداد/ تميم الحسن
يملك أحمد الجبوري، المعروف بـ"أبو مازن"، تريليون دينار على الأقل، وفق تقديرات مصادر سياسية ومحلية في صلاح الدين، فيما يعتقد خصومه أن ثروته تتجاوز ذلك.
لكن السؤال الذي يلاحق الرجل منذ سنوات لا يتعلق بالمال وحده، بل بقدرته المتكررة على الإفلات من تبعات الملفات التي تلاحقه.
احتاجت الحكومة، بحسب ما تسرب مساء السبت، إلى سلسلة معقدة من الإجراءات لاعتقال أبو مازن للمرة الثانية خلال نحو 7 سنوات.
فالرجل الذي شغل منصب محافظ صلاح الدين ووزيرًا ونائبًا، بنى خلال سنوات نشاطه السياسي شبكة واسعة من العلاقات والمصالح، جعلت التعامل مع ملفه أكثر تعقيدًا من مجرد تنفيذ أمر قبض.
هذه المرة، ظهر اسم أبو مازن مجددًا في الأخبار من بوابة الاعتقال، لكن خلف الخبر القصير الذي بثته الوكالة الرسمية تقف سنوات من الملفات والخصومات والتحالفات والاتهامات.
قصر في القادسية
عرض مدونون، بعد انتشار خبر الاعتقال، مقطع فيديو لقصر فخم قالوا إنه منزل أبو مازن في منطقة القادسية، غربي بغداد. وبحسب المعلومات المتداولة، اعتقل الجبوري هناك، برفقة أحد أبرز المقاولين الذي يعتقد أنه يعمل معه في مشاريع تحوم حولها شبهات فساد.
وتقول مصادر سياسية ومحلية في صلاح الدين، مسقط رأس أبو مازن، إنه يملك ما لا يقل عن "تريليون دينار"، خصوصًا بعد سنوات توليه منصب المحافظ ثم انتقاله إلى العمل البرلماني والحكومي.
أما مشعان الجبوري، وهو محكوم غيابيًا، فقد قال في تصريح سابق لقناة محلية إن أحمد الجبوري يمتلك "ملياري دولار"، وذهب إلى وصفه بأنه زعيم "أخطر مافيا في العراق".
لكن هذه الأرقام، شأنها شأن كثير من الأرقام المتداولة في الصراع السياسي في العراق، تبقى اتهامات وتقديرات سياسية ما لم تسندها وثائق مالية أو أحكام قضائية نهائية.
وفي 2018، رد "أبو مازن"، في لقاء تلفزيوني، على اتهامه بتسلم 30 مليون دولار مقابل بيع وشراء مناصب في الحكومة والبرلمان، والانسحاب من الترشح لرئاسة مجلس النواب، بالقول إنه لو كان يملك هذه الأموال "لصرفها على الكاولية ولغادر العراق".
أمر قبض جديد
بحسب الوكالة الرسمية، التي نقلت الخبر السبت عن مصدر وصفته بأنه رفيع، "تم إلقاء القبض على محافظ صلاح الدين الأسبق أحمد الجبوري أبو مازن بتهم فساد في العاصمة بغداد".
وكانت وثيقة صادرة عن مجلس القضاء الأعلى في آذار الماضي قد أظهرت صدور أمر قبض بحق "أبو مازن"، على خلفية شكوى مقدمة من مثنى السامرائي، المعتقل منذ نحو شهرين ضمن ما عُرف بـ"حملة الفجر".
وبحسب الوثيقة الصادرة عن محكمة تحقيق الكرخ الثالثة، جاء أمر القبض بتهمة "تهديد المشتكي والإساءة له علنًا".
وهذا الاتهام واحد من نحو 200 اتهام يتحدث عنها خصوم الجبوري، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن جميع هذه الاتهامات تحولت إلى أحكام قضائية باتة.
وتشير مصادر في مسقط رأسه إلى أن "أبو مازن" اعتقل أكثر من مرة، لكنه خرج في كل مرة، وربما يخرج هذه المرة أيضًا.
"محكوم عليه بعدة قضايا جنائية"
في 2024، رفض رئيس الجمهورية المصادقة على تولي أحمد الجبوري منصب محافظ صلاح الدين، وذكر في الكتاب الرسمي أنه "محكوم عليه بعدة قضايا جنائية".
وفي 2022، قال خصوم "أبو مازن" إنه أدين في قضيتين وحكم عليه بالسجن، قبل أن تتدخل شخصية رفيعة المستوى للإفراج عنه.
وكانت معلومات قد تداولت في 2019 أن أحمد الجبوري اعتقل في مركز شرطة الصالحية، أمام المنطقة الخضراء في بغداد.
وفي أيلول 2022، كشفت مصادر عن قيام هيئة النزاهة بإحالة 29 قضية جزائية إلى القضاء ضد رئيس حزب الجماهير النائب أحمد الجبوري "أبو مازن".
كما أعلنت هيئة النزاهة في نفس العام صدور قرار برفع الحصانة عن محافظ صلاح الدين الأسبق، أحمد الجبوري، بتهمة إحداث الضرر بالمال العام.
وأصدر القضاء في ذات السنة أوامر قبض بحق محافظ صلاح الدين السابق ومجموعة من الموظفين، ولم تُعرف النتائج النهائية للتحقيق في تلك الملفات على نطاق واسع.
وأشار القضاء إلى أن أوامر القبض صدرت "وفق أحكام المادة 340 من قانون العقوبات عن شبهات فساد ومخالفات في مشروع التطوير الأمني لمحافظة صلاح الدين"، بحسب المركز الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى.
العفو.. ثم العودة إلى الانتخابات
لم تكن علاقة أبو مازن بالقضاء جديدة. ففي 2017 أعلن مجلس القضاء أن محافظ صلاح الدين السابق أحمد الجبوري شمل بقانون العفو عن قضيتين فقط، مشيرًا إلى أنه لا يزال مطلوبًا في قضايا أخرى يجري التحقيق فيها.
وفي الانتخابات، تكررت قصة الاستبعاد والعودة؛ ففي انتخابات 2021، منع أبو مازن من دخول السباق الانتخابي، لكنه طعن بالقرار وتمكن من العودة والمشاركة. وبعد أربع سنوات، تكرر المشهد تقريبًا، إذ استبعد مرة أخرى في انتخابات 2025.
المقاولون.. الحلقة التي لا تختفي
وبحسب خبر الوكالة الرسمية، تم اعتقال المقرب من "أبو مازن"، المدعو محمد الهجف، على خلفية الاستحواذ على أموال العقود في محافظة صلاح الدين.
وفي محافظة أبو مازن، تقول المصادر المطلعة إن الهجف يمثل أحدث طبقة من المقاولين المتعاونين مع الرجل.
ومنذ 2012، وهي السنة التي تفرد فيها الجبوري بمنصب محافظ صلاح الدين، عمل معه بصورة قريبة 6 مقاولين، كان من بينهم جواد البخت، الذي ورد اسمه في تسجيل صوتي ظهر عام 2019، وجمعه مع "أبو مازن".
تضمن التسجيل حديثًا عن أموال وعمولات مرتبطة بمشاريع، فضلًا عن تسجيل آخر تضمن حديثًا عن بيع وشراء مناصب للقضاة وأخرى في وزارة التربية.
ودفعت تلك التسجيلات محكمة تحقيق الكرخ الثانية إلى اتخاذ الإجراءات القانونية بشأنها، بحسب بيان للقضاء.
ولم تتوقف القصة عند التسجيلات. فقد نشر مقطع فيديو يظهر وزير الصناعة السابق صالح الجبوري وهو يؤدي القسم على القرآن أمام "أبو مازن" لوضع الوزارة تحت تصرفه.
اعتقال بعد "حملة الفجر"
يأتي اعتقال أبو مازن بعد نحو شهرين من "حملة الفجر" في المنطقة الخضراء، حيث لاحقت، بحسب الرواية المتداولة، الحكومة مسؤولين ونوابًا متهمين بالفساد، باستخدام إجراءات أمنية مشددة.
وفي تطور لاحق، كشفت وثيقة صادرة عن القضاء عن صدور أمر قبض بحق وزير العمل السابق أحمد الأسدي، على خلفية اتهامات تتعلق بتضخم الأموال، وذلك بعد مغادرته البلاد إلى أستراليا.
وبالتزامن مع ذلك، خاطبت محكمة استئناف بغداد/الكرخ مجلس النواب، طالبةً رفع الحصانة عن النائب ناظم الأسدي عن حركة سومريون التي يتزعمها الوزير السابق، في قضية ذات صلة بالملف نفسه.
وتقول مصادر سياسية في بغداد إن اعتقال الجبوري احتاج إلى "تطمينات" بأنه لن يتحول إلى استهداف سياسي لأي جهة، بسبب تشعب علاقات الرجل.
فأبو مازن لم يكن طوال السنوات الماضية مجرد محافظ سابق. كان جزءًا من شبكة سياسية أوسع، تحركت بين بغداد وصلاح الدين، وبين البرلمان والحكومة، وبين الخصومة والتحالف.
وفي مقابلة تلفزيونية في آب 2020، قال مشعان الجبوري إن "أبو مازن أدين بقضيتين، والقضاء حكم عليه بالسجن لكن أبو مهدي المهندس نائب رئيس الحشد الشعبي السابق، توسط للإفراج عنه بضغط من قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني".
وأضاف: "الضغط على القضاء وإطلاق سراحه يخالف الدستور والقانون، كونه مدانًا بأحكام قضائية باتة، وهو عليه 220 قضية".
وفسر مشعان الجبوري دعم قاسم سليماني لأبو مازن بالقول إن إيران تأتي بالفاسد وتوليه أمور السنة في محافظة صلاح الدين "لسرقة الجمل بما حمل"، معتبرًا ذلك انتقامًا من أهالي السنة.
"شخص ليس عاديًا"
يقول محمد الخفاجي، وهو نائب في البرلمان، إن أحمد الجبوري "شخص ليس عاديًا".
ويشير إلى أن الجبوري، حين كان عضوًا في اللجنة القانونية معه، حضر جلستين فقط خلال الدورة النيابية الخامسة السابقة: "مرة للتصويت على الحكومة، ومرة للتصويت على الموازنة".
وينحدر أحمد عبدالله عبد خلف الجبوري من مدينة بيجي شمال محافظة صلاح الدين، وهو من مواليد 1968.
غادر العراق عام 1992 وانضم إلى صفوف المعارضة العراقية في الخارج.
حصل على البكالوريوس والماجستير في القانون من جامعة تكريت، ثم الدكتوراه في التخصص ذاته من الجامعة الإسلامية في لبنان عام 2011، وفق حديث له خلال مقابلة تلفزيونية في أيار 2019.
تنقل بعد مغادرته العراق بين الأردن وسوريا ومصر، ثم الولايات المتحدة وبريطانيا، وأصبح عضوًا في حركة الوفاق بزعامة السياسي ورئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي.
عاد إلى العراق عام 2003. وقال في تصريحات تلفزيونية إن المخابرات العراقية ألقت القبض عليه قبل سقوط نظام صدام حسين، لكنه نجا من الموت في السجن مع 7 آخرين، بعد مقتل 6 من أفراد مجموعته وإعدام اثنين آخرين.
المحافظ الذي غادر وعاد
وفي 2009 انضم أبو مازن إلى القائمة الوطنية العراقية التي يتزعمها إياد علاوي.
وفي عام 2012 اختير محافظًا لصلاح الدين بعد فوزه عن القائمة العراقية مع علاوي.
وفي كانون الأول 2013، وبعد ولاية ثانية لأبو مازن في منصب المحافظ، سُحبت يده، بناءً على قرار من رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، لمدة شهرين على الأقل، فيما كان يجري التحقيق في مزاعم فساد لم تُعرف نتائجها في ذلك الوقت.
لكن ذلك الوضع لم يدم طويلًا، وفاز أبو مازن بمقعد في البرلمان في انتخابات 2014 عن ائتلاف العربية، رغم أنه كان مستبعدًا من الترشح بقرار من القضاء، قبل أن يتم التراجع عن القرار، وهي القصة التي ستتكرر بعد نحو 6 أعوام.
وكان "العربية" ائتلافًا سياسيًا قام على أنقاض القائمة العراقية التي كان يتزعمها إياد علاوي، وشكل لخوض الانتخابات البرلمانية عام 2014 من قبل نائب رئيس الوزراء آنذاك صالح المطلك.
بعد فوزه، تسلم أبو مازن، الذي بات يُسمى بين أنصاره بـ"الزعيم"، منصب وزير الدولة لشؤون المحافظات، واستقال من منصب المحافظ، لكن لفترة قصيرة، فيما حل مشعان الجبوري نائبًا بديلًا عنه.
ترك أبو مازن المحافظة في وقت حرج، حين كانت "داعش" قد سيطرت على أجزاء كبيرة من صلاح الدين.
ووضع أبو مازن رائد الجبوري، وهو طبيب، بديلًا عنه في منصب المحافظ، قبل أن يستعيد الموقع منه بعد نحو عام.
شُمل أحمد الجبوري بـ"حملات الترشيق" التي أجراها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي عام 2015، وفجأة وجد "أبو مازن" نفسه بلا منصب.
حاول استعادة مقعده في البرلمان من مشعان الجبوري، لكنه فشل، وبدأت الخصومة القوية مع مشعان الجبوري.
استدار أبو مازن مجددًا إلى منصب المحافظ، وأبعد رائد الجبوري إلى منصب مدير صحة صلاح الدين، وعاد هو محافظًا مرة أخرى، قبل أن يبعده رئيس الجمهورية بعد ذلك.
حين يختفي الخصوم
تقول مصادر في بغداد إن أحد العوامل التي ساعدت في اعتقال الجبوري هو أنه أصبح بلا حلفاء، أو حتى خصوم قادرين على حمايته.
الجميع تقريبًا، وفق هذه المصادر، بين معتقل وهارب. ويشيرون إلى سجن يزن مشعان الجبوري، وهروب والده مشعان الجبوري بعد صدور حكم غيابي بحقه، وهما من أبرز خصوم "أبو مازن".
كما يشيرون إلى اعتقال خصمه السابق مثنى السامرائي، والنائب محمد الكربولي، والاتهامات التي تلاحق خميس الخنجر، إضافة إلى هروب آخرين من قيادات القوى السنية.