بغداد/ تميم الحسن
قرر البرلمان عقد جلسة منح الثقة لحكومة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، اليوم الخميس، وسط شكوك متزايدة بإمكان تمرير الكابينة كاملة، وترجيحات بأن يقتصر التصويت على نصف الوزراء فقط، في ظل مخاوف من عدم اكتمال النصاب أو انفجار الخلافات داخل "الإطار التنسيقي" في اللحظات الأخيرة.
الحكومة التي جاءت بوصفها "تسوية اضطرارية" بين القوى الشيعية، تبدو حتى الآن محاصرة بثلاث عقد رئيسية؛ الأولى تتصل بالصراع الأميركي ـ الإيراني على شكل السلطة المقبلة، والثانية ترتبط بحصة الفصائل المسلحة، فيما تتعلق الثالثة بحرب الحقائب والنفوذ داخل البيت الشيعي.
وقالت الدائرة الإعلامية لمجلس النواب، في بيان أمس، إن جدول أعمال الجلسة رقم (24) يتضمن "التصويت على المنهاج الوزاري وتشكيلة حكومة رئيس الوزراء المكلف علي فالح الزيدي"، مشيرة إلى أن الجلسة ستعقد عند الرابعة عصرًا.
ويرجح وائل الركابي، الباحث السياسي المقرب من جناح نوري المالكي، أن اجتماعًا أخيرًا لـ"الإطار التنسيقي" عُقد مساء الثلاثاء كان وراء تحديد موعد الجلسة، بعد أيام من التعثر وإعادة فتح التفاهمات من جديد.
وكان التحالف الشيعي قد اقترب، خلال الأسبوع الماضي، من حسم أسماء الوزراء، قبل أن تتفجر خلافات تتعلق بالوزارات "من الدرجة الأولى"، إلى جانب حصة الفصائل المسلحة التي تواجه "فيتو" أميركيًا متصاعدًا.
وحتى الآن، لا توجد صورة نهائية واضحة بشأن أسماء الوزراء أو الحقائب التي ستُطرح للتصويت، في حين تتحدث تسريبات عن وجود شبه اتفاق على تأجيل حسم "مناصب الفصائل" إلى مرحلة لاحقة.
ويقول النائب عادل الركابي، عن كتلة "صادقون" التابعة لعصائب أهل الحق، إن "ثلثي كابينة الزيدي سيمران داخل البرلمان، فيما سيُؤجل الثلث الأخير لحين انتهاء المفاوضات الجارية مع واشنطن بشأن مشاركة الفصائل في الحكومة".
وبحسب مسؤولين عراقيين، فإن واشنطن أبلغت بغداد بأنها "لن تتعامل" مع أي حكومة تضم وزيرًا واحدًا تابعًا للفصائل المسلحة.
وتشير معلومات متداولة داخل القوى الشيعية إلى أن الولايات المتحدة حددت 6 فصائل ممنوعة من المشاركة في الحكومة، فيما تتحدث تقديرات أخرى عن قائمة أوسع.
وفي المقابل، ترفض الفصائل التخلي عن السلاح أو الخروج من السلطة، إلا ضمن تفاهمات مع "النجف" و"الإطار التنسيقي"، بحسب ما كتبه ليث الخزعلي، شقيق قيس الخزعلي ومعاونه، في تغريدة أخيرة.
ويمتلك جناح الخزعلي نحو 28 مقعدًا داخل البرلمان، ويطالب، وفق تفاهمات "الإطار"، بالحصول على وزارتين على الأقل.
التفاوض لا ينتهي.. بل يبدأ بعد التكليف
وخلال ستة أشهر من المفاوضات، بدا أن القوى الشيعية تجنبت الخوض مبكرًا في عقدة حصة الفصائل وآلية توزيع الوزارات، قبل أن تنفجر الخلافات دفعة واحدة في الأيام الأخيرة.
ويقول باسل حسين، رئيس مركز "كلواذا" للدراسات، لـ(المدى)، إن الأزمة "لا تتعلق بجهل القوى السياسية بآليات التفاوض، بل ببنية النظام نفسه".
ويضيف: "في الحالة العراقية، التكليف لا ينهي التفاوض بل يطلقه رسميًا، لأن الحقيبة الوزارية ليست مجرد منصب سياسي، بل بوابة للوصول إلى موارد الدولة والعقود والتعيينات وشبكات النفوذ".
ويتابع: "الخسارة في تشكيل الحكومة لا تعني خسارة سياسية فقط، بل خسارة اقتصادية ووجودية لشبكات المصالح التابعة للأحزاب، ولذلك تقاتل كل جهة حتى اللحظة الأخيرة للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب".
ويرى حسين أن القوى السياسية "تعلمت جيدًا" خلال السنوات العشرين الماضية، لكن ليس باتجاه بناء الدولة، بل "كيف تطيل أمد التفاوض، وتنتزع التنازلات، وتهدد بالانسحاب من دون أن تنسحب فعليًا".
ويعتقد أن تعقيد مهمة الزيدي يعود أيضًا إلى كونه "مرشح تسوية هشًا"، لا يستند إلى كتلة متماسكة، ما جعل كل طرف يشعر بأن مرحلة تشكيل الحكومة هي "فرصته الأخيرة لتعظيم حصته"، خصوصًا في ظل الاشتباك الأميركي ـ الإيراني المتصاعد.
وخلال الأسبوع الأخير، برزت أزمة وزارة النفط بوصفها العقدة الأبرز بين معسكري محمد شياع السوداني والمالكي، إلى جانب الصراع على وزارة الداخلية.
ويقول وائل الركابي إن "كتلة الإعمار والتنمية تطالب بوزارات سيادية وتريد اعتماد نقاط انتخابية أعلى من المتفق عليه، فيما تتمسك بقية الأطراف بحصصها التقليدية".
ويضيف أن الخلافات لا تتعلق فقط بالحقائب، بل تمتد أيضًا إلى مناصب أخرى، مثل منصب النائب الأول لرئيس البرلمان، وما إذا كان سيذهب إلى "صادقون" أم لا.
وبحسب التفاهمات الأولية، ستذهب الوزارات الشيعية إلى حقائب النفط والكهرباء والداخلية والمالية والتعليم العالي والاتصالات والنقل والزراعة والعمل والموارد المائية، مع استمرار الخلاف على بعضها.
توزيع شبه نهائي للحقائب السنية والكردية
في المقابل، حسمت القوى السنية الجزء الأكبر من تفاهماتها، وقدّمت إلى رئيس الوزراء المكلف لوائح تضم أكثر من اسم لكل حقيبة، في محاولة لتفادي تفجر الخلافات في اللحظة الأخيرة، خلافًا لما يجري داخل "الإطار التنسيقي".
وتشير التسريبات إلى أن تحالف "تقدم" يتمسك بوزارة الصناعة، وطرح لها كلًا من محمد نوري، وعبد الكريم حسن الدليمي، وسنان الجميلي، فيما قدم للتربية أربعة أسماء هم: مقدام الجميلي، وعبد الكريم عبطان، وغازي الجبوري، ووطبان الجبوري.
أما تحالف "السيادة" فقدم خمسة مرشحين لوزارة التجارة، هم أثير الغريري، وشعلان الكريم، وعبد الله النجيفي، ومصطفى نزار، وفرحان صالح، في حين يتنافس ثابت العباسي ونايف الشمري على حقيبة الدفاع ضمن حصة تحالف "الحسم".
وفي موازاة ذلك، طرح "تقدم" ثلاثة أسماء لمنصب نائب رئيس الوزراء، هم محمد تميم، وخالد بتال، وفلاح حسن الزيدان، بينما قدم تحالف "الجماهير" ثلاثة مرشحين لوزارة الثقافة هم مازن الجبوري، وطارق الجبوري، وبدر الفحل.
ويبدو أن حقيبة التخطيط حُسمت عمليًا لتحالف "عزم" بزعامة مثنى السامرائي، الذي يتمسك بالوزارة بوصفها جزءًا من تفاهماته الخاصة خارج "المجلس السياسي الوطني".
أما على الجانب الكردي، فتشير التفاهمات الأولية إلى احتفاظ الحزب الديمقراطي الكردستاني بوزارة الخارجية، مع تداول اسم وزير داخلية إقليم كردستان ريبر أحمد للمنصب، إضافة إلى وزارة الإعمار التي يُطرح لها اسم محافظ أربيل السابق نوزاد هادي.
في المقابل، يتجه الاتحاد الوطني الكردستاني للاحتفاظ بوزارة العدل، مع ترجيحات ببقاء الوزير الحالي خالد شواني، فيما تذهب وزارة البيئة إلى "الجيل الجديد"، مع تداول اسم النائبة سروة عبد الواحد لتولي الحقيبة.
تدخلات تفصيلية
من جهته، يرى الباحث السياسي محمد نعناع أن الأزمة الحالية تعكس "خللًا بنيويًا" في طريقة إدارة الدولة العراقية.
ويقول لـ(المدى): "القوى السياسية ما زالت منقسمة حول مفهوم الدولة نفسه، بين من يريد بناء مؤسسات مستقرة، ومن يقدّم المصالح الطائفية والحزبية والجهوية".
ويضيف أن هذا "التشظي البنيوي" يدفع القوى السياسية، في كل أزمة، إلى العودة نحو هوياتها الضيقة بدلًا من الاتفاق على مشروع دولة، وهو ما يفسر استمرار "الخلطة الغريبة" في تشكيل الحكومات.
ويعتقد نعناع أن ضعف الطبقة السياسية وغياب الثوابت الوطنية فتح الباب أمام "تدخلات خارجية تفصيلية"، قائلًا إن الولايات المتحدة وإيران "لا تتدخلان فقط في الاتجاهات العامة، بل حتى في اختيار الشخصيات والتحالفات والأولويات".
هذا المشهد المعقد يهدد جلسة اليوم، خصوصًا مع استمرار رفض بعض القوى الشيعية تمرير جزء من الكابينة وتأجيل الجزء الآخر.
ويقول وائل الركابي إن بعض القوى "ترفض التصويت على حكومة ناقصة أو إدارة بعض الوزارات بالوكالة"، مضيفًا: "هناك من يقول بوضوح إنه لن يصوت على 20 وزارة ويترك البقية معلقة".