تغيير حجم الخط     

نيويورك تايمز: بين التصعيد والهدن.. شكل جديد من الحرب الدائمة والحلفاء يخشون هزيمة إستراتيجية لأمريكا في إيران

مشاركة » الأحد أغسطس 02, 2026 10:32 am

2.jpg
 
لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده ستيفن إيرلانغر، قال فيه إن حلفاء الولايات المتحدة يخشون أنها تسير نحو هزيمة إستراتيجية في إيران، كما يشعرون بالقلق من أن عجزها عن تحويل تفوقها العسكري إلى تغيير دائم في إيران، كشف عن نقطة ضعف ستلاحظها روسيا والصين. إضافة إلى ذلك، لا تزال أهداف الرئيس دونالد ترامب غير منجزة، فيما يعاني الجيش الأمريكي من نقص في الأسلحة الرئيسية وارتفاع الطلب العالمي عليها.

وفي الوقت الحالي، تبدو إيران متمسكة بموقفها في ظل حكومة متشددة. فرغم تراجع برامجها النووية والصاروخية الباليستية، فإنها لم تدمر بالكامل.

وبات مضيق هرمز تحت سيطرتها فعليا. وقد تركت الحرب كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل في موقف أضعف، بينما تتبادلان الاتهامات بشأن هذه الفوضى.

وأضاف إيرلانغر أن آثار الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية لم تعد محصورة بتقييد حركة المرور عبر المضيق وإلحاق الضرر بالبنية التحتية الاقتصادية لإنتاج الطاقة لدى حلفاء واشنطن، بل باتت تهدد القواعد الأمريكية في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وقد أسفرت عن مقتل أو إصابة جنود أمريكيين.

وقالت الصحيفة إن استمرار ترامب في تغيير أهدافه أفقد الولايات المتحدة مصداقيتها عسكريا ودبلوماسيا، بحسب المحللين، الذين أكدوا أن سلوك واشنطن في الحرب يرسخ الانطباع بأنها تحولت إلى أداة لإثارة الفوضى، ولا يمكن التنبؤ بها.

وعلق روبرت نيبلت، المدير السابق لمركز تشاتام هاوس للأبحاث في لندن، قائلا: “قد تتطور الحرب، لكن النتيجة حتى الآن كانت خسارة إستراتيجية وعارا”.

وبالنسبة لحلفاء واشنطن ومن يعتمدون عليها في الأمن، فهذا “يؤكد أنه لا يمكن الوثوق بالولايات المتحدة”، مضيفا أنه حتى لو انهارت الجمهورية الإسلامية، “فلن ينسى الناس أن أمنهم ومستقبلهم تعرضا للخطر وأصبحا موضع تساؤل بسبب سياسة خارجية أمريكية متقلبة وغير متوقعة”.

وقالت الصحيفة إن الحلفاء الأوروبيين يتذكرون تصريحات ترامب بشأن السيطرة على غرينلاند وتهديداته بالانسحاب من الحلف ما لم يلتزم الحلفاء الآخرون بأهداف الحلف والنفقات الدفاعية.

ويرى حلفاء الشرق الأوسط أن أمنهم مهدد بسبب هذه الحرب، حتى وإن كانوا ملتزمين بدرجة تمنعهم من التخلي عن شراكاتهم مع الولايات المتحدة. لكنهم يتخذون بالفعل إجراءات احترازية، ساعين إلى إصلاح العلاقات مع إيران وتحسين العلاقات مع أوروبا والصين وروسيا، كما قال علي فائز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية.

وأضاف نيبلت من تشاتام هاوس، أن العديد من الدول لم تكن راضية عن النظام العالمي القائم، لكنه كان موجودا على أي حال، ملاحظا أن أمريكا أكدت أنها الآن “قوة فوضى، واستخلص الجميع العبر من ذلك، ويحاولون أن يكونوا أقل اعتمادا على الآخرين، ولا أحد يريد أن يخضع لسياسة خارجية متقلبة لا تعرف حدودها، وهذه هزيمة إستراتيجية”.

واستشهد فائز بتطورات أخرى حديثة كدليل على أن الولايات المتحدة فقدت مصداقيتها كضامن لأمن حلفائها، بما فيها تغيير ترامب قراره فجأة الأسبوع الماضي بعد إعلانه عن اتفاق نووي تاريخي مع السعودية.

وقال فائز: “يبرم السعوديون اتفاقا نوويا مع ترامب ثم يتراجع عنه في غضون 24 ساعة”، مضيفا: “هذه هي أزمة مصداقية الولايات المتحدة. لا يمكن الوثوق لا بقوتها العسكرية ولا بوعودها الدبلوماسية”.

وطالما أكد ترامب على ضرورة منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وقال إنها في طريق الاستسلام أمام قوة طاغية. وقال يوم الجمعة إنه يتوقع أن تفهم إيران في نهاية المطاف أنها لا تستطيع تحمل المزيد من العقاب، وستتفاوض بشروط أمريكية. وأضاف: “سنضربهم، سنضربهم بقوة شديدة”، و”في مرحلة ما، سيقولون: لم نعد نستطيع التحمل”، على حد تعبيره.

وبتصريحات متقلبة وتغيير مواقف مستمر، لا يرى الإيرانيون أي سبب للثقة بما يقول ترامب، فهو يزعم دائما أنهم يريدون الحوار، لكنهم يتراجعون عن التزاماتهم. وقال: “سيضعفون، ثم يتلاشى وجودهم”.

ويذكر الكاتب بأن الولايات المتحدة خرجت من الحرب العالمية الثانية أكثر قوة ونفوذا حول العالم. ومنذ ذلك الوقت كان سجل أمريكا العسكري متفاوتا. وهُزمت الولايات المتحدة من أعداء أكثر استعدادا لتحمل ألم وتكاليف الصراع، كما في فيتنام والعراق وأفغانستان. وقد تنتهي هذه الحرب في إيران بمصير مماثل، حيث تجد واشنطن مبررا كافيا لتقليص خسائرها والانسحاب.

ويعلق آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق والباحث البارز حاليا في وقفية كارنيغي للسلام الدولي، قائلا إن الصراع “قوض بالفعل قدرة الولايات المتحدة على الردع ومصداقيتها، وأثار استياء حلفاء أمريكا وأسعد خصومها”. ويضيف: “إذا ظل مضيق هرمز تحت سيطرة إيران ونفوذها، فلن يكون هذا إلا هزيمة إستراتيجية”.

وقال إيرلانغر إن النقص الحاد في ذخائر الدفاع الجوي الحيوية، مثل صواريخ باتريوت، بات يترك أثرا ثانويا على قدرة أوكرانيا، وكشف لروسيا والصين وكذلك حلف شمال الأطلسي أن الولايات المتحدة ستكون أقل قدرة، لسنوات على الأقل، على إعادة تزويد حلفائها بالإمدادات وخوض حرب طويلة الأمد.

ونقل عن فرانسوا هايسبرغ، المحلل الأمني الفرنسي، أن الحرب ألحقت أيضا ضررا بالغا بالتحالف الحيوي بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وأشار مسؤولون أمريكيون، بمن فيهم نائب الرئيس جيه دي فانس، إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان متفائلا بشكل مفرط أثناء إقناعه ترامب بأن الحرب ستكون سريعة وحاسمة.

ويتفق علي فائز مع من يقول إن أهم المفاوضات الجارية هي تلك التي تجري بين إيران وعمان حول السيطرة على مضيق هرمز. وقال إن إيران تسعى للسيطرة الكاملة على الممر الشمالي للمضيق، والسيطرة المشتركة على الممر الجنوبي، ما يمنحها حق النقض الفعلي على حركة الملاحة. وفي حين تطالب عمان، التي تعتقد إيران أنها متأثرة بالسعودية والولايات المتحدة، برسوم مرور اختيارية، تصر إيران على فرض رسوم إلزامية.

ويرى هايسبرغ أن هذا لو حدث، “فسيكون نهاية قانون البحار كما نعرفه”. وأشار إلى أن حرية البحار كانت مصلحة حيوية للولايات المتحدة منذ تأسيسها، لكنها الآن مهددة. وقال محللون إنه حتى في حال التوصل إلى اتفاق بشأن المضيق، فإن المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أنه لا يوجد ما يضمن قبول الرئيس ترامب له.

ويتذكر الإيرانيون جيدا كيف مزق ترامب الاتفاق النووي وشنّ هجومين على بلادهم خلال مفاوضات نووية لاحقة. ولذلك، يصرون على التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن المضيق قبل التفاوض على أي مذكرة تفاهم جديدة مع واشنطن، كما قال علي فائز، إلى جانب أنهم يطالبون بسحب القوات الهجومية من الخليج.

وأضاف: “الحسابات الإيرانية بسيطة”. فمع تراجع حلفائها الإقليميين، فهم “بحاجة إلى النفوذ الذي يوفره لهم المضيق لانتزاع تنازلات من الولايات المتحدة والحصول على ضمانات بعدم تكرار أي هجوم على إيران”. وقد يتعزز موقفهم بقرار حليفهم اليمني (الحوثي) حصار مضيق باب المندب الذي تمر عبره صادرات النفط السعودية في طريقها إلى آسيا.

ومع ذلك، يفقد صناع القرار في إيران الذين يؤيدون استمرار المفاوضات مع الولايات المتحدة ثقتهم في قدرة ترامب على الالتزام بأي اتفاق بشأن مضيق هرمز أو أي قضية أخرى، كما يرى إسفنديار باتمانغليج من مؤسسة بورصة وبازار: “أصبح القادة الإيرانيون متشائمين للغاية بشأن ما يمكن أن تحققه الدبلوماسية مع إدارة ترامب”. وأشار إلى أن الكثير منهم ينظرون إلى ترامب على أنه متقلب، ويجدون صعوبة في تصور كيفية التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في ظل تقويضها لحلفائها.

وفي النهاية، بدأت واشنطن حربا لا يبدو أنها تعرف كيف تنتصر فيها أو تنهيها، بينما تشك إيران في تنفيذ أي اتفاق يتم التوصل إليه. ويرجح فائز أن تشهد الأسابيع المقبلة استمرارا لدورة الهدن المؤقتة والتصعيد، وهو شكل جديد من أشكال الحرب الدائمة.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير