تغيير حجم الخط     

فايننشال تايمز: أين المرشد الإيراني الجديد؟ وهل يقود الجمهورية الإسلامية أم مجرد واجهة؟

مشاركة » الخميس مايو 21, 2026 9:30 am

2.jpg
 
لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده أندرو إنغلاند وبيتا جعفري، تساءلا فيه عن المرشد الإيراني الجديد، آية الله مجتبى خامنئي، وأين مكانه؟

وقال الكاتبان إن المسؤولين في الجمهورية الإسلامية يقومون، في غيابه، بتقديم سرد يعطي صورة أنه في حالة صحية جيدة ويتحكم بالأمور.

فبعد مرور أكثر من شهرين على اختياره مرشدا أعلى لإيران، لا يزال آية الله مجتبى خامنئي مختفيا عن الأنظار. ومع تزايد التكهنات حول صحة المرشد الغائب ومكان وجوده، بدأ المسؤولون الإيرانيون في الأسابيع الأخيرة بنشر معلومات متفرقة عن حالته، في محاولة منهم لطمأنة الشعب الإيراني والتأكيد لأعدائه بأنه ليس بصحة جيدة فحسب، بل مسيطر تماما على الأمور.

وقال الرئيس مسعود بيزشكيان هذا الشهر، ولأول مرة، بأنه التقى خامنئي. وبعد أيام، أُعلن أن المرشد الأعلى أجرى محادثات مع قائد مقر “خاتم الأنبياء”، القيادة المركزية للجيش.

كان مجتبى خامنئي في طريقه وعلى وشك صعود الدرج عندما أصابه صاروخ، وأصيب بسبب الانفجار وسقط أرضا، وأصيبت ركبته وظهره بجروح طفيفة

كما نشرت الجمهورية الإسلامية تفاصيل دقيقة عن الإصابات التي لحقت بخامنئي جراء الهجوم الذي وقع في 28 شباط/فبراير على مجمع والده، المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية، في محاولة منها لنفي التقارير التي تحدثت عن بتر ساقه وإصابته بجروح بالغة في الوجه.

وقال مظاهر حسيني، رجل الدين ورئيس المراسم في مكتب المرشد الأعلى، هذا الشهر، إن خامنئي نجا من التفجيرات التي أودت بحياة والده وزوجته وأقارب آخرين، لأنه كان موجودا بالصدفة خارج المبنى المستهدف.

وأضاف حسيني: “كان في طريقه وعلى وشك صعود الدرج عندما أصابه صاروخ، وأصيب آية الله مجتبى بسبب الانفجار وسقط أرضا، وأصيبت ركبته وظهره بجروح طفيفة. وقد تعافى ظهره خلال هذه الفترة، وستتعافى ركبته قريبا”.

وتابع حسيني: “عليكم التحلي بالصبر. سيأتي ويلقي عليكم خطاباته عندما يحين الوقت”.

وتعلق الصحيفة بأن سلسلة التصريحات والتطمينات الواردة من المسؤولين البارزين في الجمهورية تحمل رسالة واحدة، وهي أنه يتربع على رأس الدولة وصاحب القرار النهائي في أي صفقة سيتم التوصل إليها مع الولايات المتحدة الأمريكية لإنهاء الحرب وحسم الموقف من الملف النووي وإعادة فتح مضيق هرمز.

ولاحظت الصحيفة أن المسؤولين الإيرانيين بدأوا يتحدثون بشكل مفتوح عن حالة خامنئي الصحية، في أعقاب انتقادات وجهها المتشددون الرافضون لأي تنازلات في المحادثات، وللرد على التكهنات بأن الحرس الثوري القوي هو من يدير الأمور فعليا.

ونقلت الصحيفة عن ولي نصر، المسؤول الأمريكي السابق والأستاذ بجامعة جونز هوبكنز: “إنهم يروجون لفكرة أنه لا تغيير، المرشد الأعلى كان ولا يزال رأس الهرم وأنه على قيد الحياة، ويمارس مهامه ويتحكم في الأمور”.

وأضاف أن الحرس يسعى أيضا إلى إظهار أنهم “ليسوا هم من يديرون الأمور، وأن [خامنئي] ليس مجرد واجهة”.

وفي جزء منها، تعتبر هذه التصريحات ردا على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي قال فيها إن القيادة الإيرانية “في حالة فوضى عارمة، ولا تعرف من هو قائدها”، حيث كان يعبر عن استيائه من جمود المفاوضات.

وتضيف الصحيفة أن هذه المشاعر ساهمت، وإن بشكل جزئي، في الانتقادات العلنية التي أطلقها نواب إيرانيون متشددون ينتمون إلى ما يعرف بفصيل “بايداري”، الأمر الذي زاد من حدة التكهنات حول وجود خلافات داخل النظام الحاكم في إيران.

وعادة ما شهدت الجمهورية صراعات بين فصائل متعددة ومراكز قوة مختلفة، ويعتبر المرشد الأعلى تقليديا صاحب القرار النهائي في قضايا السياسة الداخلية والخارجية الرئيسية.

وكان الراحل آية الله علي خامنئي، الذي حكم إيران لمدة 37 عاما، يمتلك خبرة عقود في إدارة الصراعات الداخلية بين المعسكرات، وقد اعتاد الإيرانيون على خطابات مرشدهم الأعلى وظهوره العلني المنتظم.

إلا أن مجتبى، البالغ من العمر 56 عاما، كان بعيدا عن الأضواء حتى قبل أن يخلف والده. وسُمع صوته لأول مرة في مقطع فيديو قصير نُشر عام 2024، أعلن فيه تعليق دراسته الدينية في قم.

وفي آذار/مارس، بث التلفزيون الرسمي مقطع فيديو ثانيا له، وهو يلقي محاضرة على مجموعة من طلاب العقيدة في إحدى حصصه الدراسية. ولم يحدد تاريخ تسجيل هذا المقطع الذي يعود إلى ما قبل الحرب.

ومنذ تعيينه مرشدا أعلى في آذار/مارس الماضي، عقب اجتماعات سرية في مجلس الخبراء، لم يصدر خامنئي سوى بيانات مكتوبة لوسائل الإعلام الرسمية. وفي البداية، دارت تكهنات حول ما إذا كان على قيد الحياة أصلا.

وقال المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية، حسين كرمانبور، هذا الأسبوع، إن وجه خامنئي لم يتعرض للتشويه، ولم تُبتر أي من أطرافه.

وقال دبلوماسيون إنه يمارس مهام القيادة، لكن الاتصالات بين خامنئي والحكومة والجيش كانت معقدة بسبب الإجراءات الأمنية، وسط مخاوف من محاولة إسرائيل اغتياله.

وأفاد دبلوماسيون بأن الرسائل كانت تنقل باليد لتجنب استخدام أي أجهزة اتصال قابلة للتتبع. وتحدث دبلوماسي بأن المرشد الجديد وضع إطارا إداريا وشكل لجنتين لإدارة جهود الوساطة، ترفعان تقاريرهما إليه، واحدة أصغر من الأخرى.

سيستغرق الأمر وقتا حتى يكتسب خامنئي الابن نفس الإتقان الذي كان يتمتع به خامنئي الأب على جميع مكونات نظام الحكم في إيران، وخاصة على المستوى العسكري

وأضاف الدبلوماسي أن اللجنتين تضمان قادة عسكريين وسياسيين ومسؤولين حكوميين سابقين. وقال دبلوماسي آخر إن الحرس الثوري هو المسؤول الوحيد عن أمن خامنئي.

وأقام مجتبى خامنئي علاقات وثيقة مع الحرس الثوري بعد تطوعه معهم خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي.

وذكرت شبكة “سي إن إن” هذا الشهر أن الاستخبارات الأمريكية خلصت إلى أن خامنئي كان يلعب دورا محوريا في صياغة استراتيجية الحرب إلى جانب كبار المسؤولين الإيرانيين.

وقال بيزشكيان إن اجتماعه مع المرشد الجديد استمر قرابة ساعتين ونصف الساعة، ووصفه بأنه “ودي” و”مباشر” و”صريح”.

ونقلت الصحيفة عن المحلل الإيراني سعيد ليلاز قوله إن خطة ما قبل الحرب، التي أشرف عليها والد مجتبى، والهادفة إلى لامركزية صنع القرار في حال وقوع هجوم أمريكي إسرائيلي، منحت القادة العسكريين مزيدا من الاستقلالية في التصرف خلال الأيام الأولى للحرب.

وأضاف ليلاز أنه مع مقتل العديد من كبار القادة السياسيين والعسكريين خلال النزاع، تحتاج القيادة الجديدة إلى وقت لترسيخ هياكلها، مضيفا: “سيستغرق الأمر وقتا حتى يكتسب خامنئي الابن نفس الإتقان الذي كان يتمتع به خامنئي الأب على جميع مكونات نظام الحكم في إيران، وخاصة على المستوى العسكري”.

وأضاف: “بحسب ما نفهمه، فإن المسائل الجيوسياسية والاستراتيجية تُحسم من قبل آية الله خامنئي شخصيا، بالطبع بمساعدة من القيادة العسكرية العليا”.

ومع ذلك، قال علي واعظ، الخبير في الشؤون الإيرانية في مجموعة الأزمات الدولية ببروكسل، إن خامنئي يعتبر أداة طيعة في نظر قادة الحرس، بمن فيهم قائد الحرس الجديد أحمد وحيدي، وغيرهم من كبار المسؤولين.

ويشمل هؤلاء محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان القوي الذي قاد مفاوضات إيران مع الولايات المتحدة والمقرب من الحرس الثوري، ومحمد باقر ذو القدر، أحد قدامى المحاربين في الحرس، والذي عُين أمينا للمجلس الأعلى للأمن القومي خلال الحرب.

أما الرئيس بيزشكيان، فيترأس مجلس الأمن ويدير شؤون البلاد اليومية، لكن دوره هامشي في الدبلوماسية مع الولايات المتحدة أو الشؤون العسكرية، بحسب المحللين.

وعلق واعظ قائلا: “ليس خامنئي هو من يتخذ القرارات، بل مجموعة صغيرة من قادة الحرس الثوري الذين يعملون معا منذ فترة طويلة، أمثال قاليباف ووحيدي وذو القدر. والسؤال الجوهري، هل سيعود إلى الظهور أم لا؟”.

ويعتقد نصر، من جامعة جونز هوبكنز، أن الحرب وإن زادت من نفوذ الحرس الثوري وسلطته، إلا أن الوضع لا يمكن تشبيهه بباكستان، حيث يملك الجيش فيها الكلمة الأخيرة في معظم قرارات السياسة الخارجية المهمة.

وأضاف نصر أن مجتبى “عليه أن يستمع إلى الحرس الثوري، فهم من يخوضون القتال، والمسؤولون عن الدفاع عن البلاد، وهو يتأثر بهم. لكنه ليس تحت سيطرتهم، أعتقد أن هذا مبالغة”.

وتابع: “من الصعب الجزم ما إذا كان امتناعه عن لقاء العديد من الأشخاص نابعا من عدم رغبته في ذلك، أم من خطورة الانفتاح على هذا العدد الكبير من الناس. وسيبقى هذا الأمر غامضا لبعض الوقت”.

ويوافق محللون على أن هذا الغموض سيظل قائما طالما اعتقد النظام بوجود خطر استئناف الحرب ومحاولات اغتيال أخرى تستهدف قادته.

ونقلت الصحيفة عن فؤاد إيزادي، الأستاذ بجامعة طهران، قوله: “يريد صانعو هذه القرارات التأكد من أن البلاد لا تختار قائدا جديدا كل بضعة أسابيع أو أشهر”، مضيفا: “إنهم يقومون بالتحوط بطريقة تمنع نتنياهو من قتل المزيد من قادتنا”.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير