تغيير حجم الخط     

تدفق الإيرانيين إلى العراق بحثا عن الأمان والعمل

مشاركة » الأحد إبريل 26, 2026 6:08 am

4.jpg
 
بغداد ـ «القدس العربي»: ضمن تداعيات الحرب في إيران على الأوضاع في العراق، شهدت المدن العراقية الحدودية المجاورة لإيران، تدفق أعداد كبيرة من الإيرانيين بحثا عن الأمان وهربا من الحرب، فيما يبحث آخرون عن مجالات للعمل من خلال جلب السلع الإيرانية وبيعها في أسواق وشوارع العراق، ما شكل ضغطا إضافيا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة أصلا في العراق وفاقم من البطالة وارتفاع أسعار السلع، وسط أوضاع خطيرة يمر بها الاقتصاد العراقي جراء توقف تصدير معظم النفط بعد إغلاق السلطات الإيرانية، مضيق هرمز.
وإزاء تصاعد الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على المدن الإيرانية والتدمير الهائل الذي أسفر عنها هناك، فقد ازدادت معاناة الإيرانيين وضاقت بهم سبل العيش نتيجة تدهور قيمة العملة المحلية (التومان) وتوقف الأعمال، إضافة إلى آثار الحصار الاقتصادي الأمريكي منذ سنوات على إيران. وبالتالي فإن الإيرانيين في هذه الظروف يبحثون عن أي منفذ لتوفير بعض متطلبات معيشة عائلاتهم، فكانت المدن الحدودية مع العراق من بين الخيارات المحدودة أمامهم لبيع السلع الإيرانية في الأسواق العراقية أو البحث عن أي فرص عمل للحصول على موارد مالية تعين عائلاتهم.
وفي أحاديث لـ«القدس العربي» مع بعض أهالي محافظة البصرة المجاورة للحدود مع إيران، أشاروا إلى تدفق غير معتاد من الإيرانيين نحو البصرة بغرض البحث عن العمل أو للحصول على مساعدات من أقاربهم العراقيين. المدرس حسين الحلفي، الذي يسكن منطقة العشار، ذكر للصحيفة أن موجة كبيرة من الإيرانيين قدموا إلى البصرة منذ بدء الغارات الأمريكية الإسرائيلية على المدن الإيرانية، وخاصة من عرب الأهواز المجاورة للبصرة، والتي يسكنها العرب الذين لديهم أقارب عراقيين.
وعبر الحلفي عن تعاطف أهالي البصرة مع الذين لجأوا إلى العراق أما هربا من الغارات العنيفة أو للبحث عن مصدر رزق، ما يذكر العراقيين بأيام الحصار الأمريكي على العراقيين بعد حرب الكويت في التسعينات.
وأشار إلى ظاهرة أصبحت معتادة هذه الأيام في شوارع وأسواق البصرة، حيث يفترش الكثير من الإيرانيين، الأرصفة عارضين بضاعتهم البسيطة، مثل البيض والفواكه والخضروات والحلويات، من أجل بيعها. فيما يتواجد بعض الإيرانيين برفقة العمال العراقيين الباحثين عن أي فرص للعمل مقابل أجور يومية، ويبدو أن السلطات العراقية تتساهل معهم من حيث الحصول على رخص العمل أو تأشيرات الإقامة، حسب قوله.
أما التاجر علي الكعبي، فذكر أن قدوم أعداد كبيرة من الإيرانيين هذه الأيام إلى المدن العراقية، ترك آثارا سلبية كثيرة على أوضاع الأسواق وسوق العمل في البصرة، أبرزها زيادة البطالة وارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية نتيجة اقبال الإيرانيين على شرائها ونقلها إلى إيران وخاصة من المواد النادرة في السوق الإيراني، وفي المقابل يقوم بعض الإيرانيين بجلب سلعهم وبضائعهم الرخيصة لبيعها في الأسواق العراقية ما يشكل مزاحمة للبضائع العراقية المشابهة، ويتم إدخال السلع الإيرانية عن طريق التهريب عبر الحدود، حسب قوله.
وكشف الحلفي بأن بعض أقاربه المقيمين في الأهواز من عشيرة بني كعب، اتصلوا به للبحث عن عمل لأبنائهم فيما طلب آخرون مساعدتهم لمواجهة الظروف الاقتصادية والأمنية القاسية، في ظل انهيار العملة الإيرانية إلى مستويات قياسية، مما جعل الطبقات الفقيرة تبحث عن أي مصدر رزق في المدن العراقية المجاورة.
وحول التزاحم في سوق العمل بالنسبة للعمال، يؤكد الكعبي، أن العمال العراقيين، مثل عمال البناء والمزارعين، أصبحوا يشعرون بمنافسة العمال الإيرانيين لهم في سوق يعاني أساسا من البطالة وقلة الطلب على العمال، نتيجة لانخفاض نسبة أعمال البناء والإنشاءات بسبب الظروف القلقة في إيران والمنطقة، مؤكدا أن مدينة البصرة أصبحت بمثابة الرئة التي يتنفس من خلالها سكان المناطق الحدودية الإيرانية.
ويذكر أن منطقة الشلامجة الحدودية بين البصرة وإيران، التي فيها ساحة لتبادل السلع والبضائع بين تجار البلدين، قد تعرضت إلى صعوبات ومخاطر، بعد شن غارات وقصف إسرائيلي استهدفت مواقع ومنشآت في الجانب الإيراني من الحدود مؤخرا، ما عطل حركة التجارة فيها وجعل مئات سائقي الشاحنات والمسافرين العراقيين والإيرانيين، عالقين في المنطقة الحدودية، حيث تمتد طوابير الشاحنات لعشرات الكيلومترات، وسط مخاطر حقيقية تهدد حياتهم، وتوقف شبه كامل لسُبل عيشهم.
ولا تختلف أوضاع المدن الحدودية العراقية الأخرى، مثل السليمانية وخانقين والكوت والعمارة، وحتى بغداد وكربلاء والنجف، عن الحال في البصرة، من حيث تدفق الإيرانيين عليها هربا من الحرب أو للبحث عن مصدر رزق لهم، مستفيدين من التعامل الطيب والتعاطف وحسن الاستقبال من العراقيين، إضافة إلى عدم محاسبة السلطات الأمنية العراقية لهم بسبب مخالفاتهم أو إقاماتهم.

خطط طوارئ حكومية لمواجهة النزوح

ولم يقتصر الاهتمام بتداعيات الحرب في إيران واحتمال توافد الإيرانيين على مدن العراق، على الأهالي بل شمل ذلك الجهات الحكومية. فقد أعلنت وزارة الهجرة والمهجرين العراقية أن الحكومة أعدّت خطة شاملة لمواجهة تداعيات الحرب في المنطقة، بما في ذلك احتمال النزوح، مؤكدة جاهزيتها لاستقبال وافدين من إيران في حال تفاقم التصعيد.
وقال المتحدث باسم الوزارة، علي جهانكير، «إن الحكومة العراقية، أعدت خطة للتعامل مع جميع التداعيات المحتملة للحرب في إيران، ومن بينها ملف النزوح واللجوء داخل العراق» مبديا استعداد وزارته لاستقبال الإيرانيين الذين قد يتوجهون إلى العراق بسبب الحرب في بلادهم.
وأضاف أن الخطة أُنجزت وتم تسليمها إلى مكتب رئيس الوزراء، مشيراً إلى عقد سلسلة اجتماعات مع منظمات دولية لضمان التنسيق وتأمين المساعدات اللازمة لأي موجة نزوح محتملة.
وكانت الحكومة العراقية قد وجهت في أعقاب بدء الحرب في إيران والمنطقة، الوزارات العراقية المعنية لإعداد خطط وطنية لمواجهة أي طارئ قد ينجم عن التوترات والحروب في المنطقة.
ويندرج في هذا الإطار، ما أعلنته وزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان، من حزمة تسهيلات وإعفاءات من الغرامات المالية الخاصة بالإقامات والتأشيرات للأجانب، وذلك في إطار التخفيف من تداعيات الظروف المرتبطة بالحرب التي أثرت على حركة السفر والإجراءات الإدارية.
وذكرت الوزارة في بيانها، أنها «قررت مساعدة وتسهيل الإجراءات للأجانب الذين لم يتمكنوا من السفر أو تجديد إقاماتهم بسبب ظروف الحرب، وأن القرار يشمل الأجانب الذين انتهت صلاحية إقاماتهم أو تأشيراتهم بعد تاريخ 28 شباط/فبراير 2026»، موضحة أن «بإمكانهم العودة إلى الإقليم باستخدام نفس بطاقة الإقامة لغاية 30 نيسان/أبريل 2026، على أن يتم تجديد الإقامة بدون فرض أي غرامات، وبعد هذا التاريخ يتطلب الدخول الحصول على تأشيرة جديدة».
وتابعت أن «القرار شمل السياح الحاصلين على تأشيرات دخول، حيث سُمح لهم بالمغادرة عبر المطارات والمنافذ الحدودية بدون غرامات في حال انتهاء صلاحية تأشيراتهم بعد 28 شباط/فبراير 2026، مع إمكانية تحويل التأشيرات إلى إقامة وفق التعليمات النافذة ومن دون رسوم إضافية». ويستفيد من هذا القرار الإيرانيون الذين قدموا إلى العراق ولم يستطيعوا العودة إلى إيران بسب الحرب وتوقف حركة السفر إليها.

تبرعات عراقية لإيران

وضمن المساعدات العراقية للشعب الإيراني في مواجهة الحرب القاسية عليه، فقد شهدت المدن العراقية، حملات تبرعات حكومية وشعبية واسعة. إذ أعلنت الحكومة العراقية عن ارسال عدة قوافل من التبرعات إلى إيران تتضمن مواد إغاثية مثل المواد الغذائية والخيام والأدوية إضافة إلى التبرع بـ 25 سيارة اسعاف ومعدات إغاثة ثقيلة وغيرها من المساعدات. وعقب نداء من المرجع الشيعي الأعلى، علي السيستاني للتبرع دعما للشعب الإيراني، فقد بادرت الهيئات الدينية والأحزاب الشيعية، بتنظيم حملة تبرعات مالية ومادية.
وفي السياق، أعلنت العتبة الحسينية، عن إرسال عدة قوافل لإغاثة الشعب الإيراني. وأشار بيان العتبة إلى أن «القوافل تضم عشرات الشاحنات المحملة بالمواد الأساسية والمستلزمات الطبية والمواد الإغاثية المختلفة، إضافة إلى شاحنات تضم آليات ثقيلة».
وفي المقابل حفلت مواقع التواصل الاجتماعي، بافلام فيديو وتعليقات تشكك بوصول التبرعات إلى مستحقيها في إيران واحتمال استحواذ بعض الجهات على أغلبها لصالح منتفعين فاسدين أو توجيهها إلى الحرس الثوري وليس الشعب الإيراني المحتاج.
ويرى العراقيون أن تدفق الإيرانيين ودخولهم سوق العمل في العراق كان في السابق محدودا، إلا أن الحرب التي شنتها أمريكا وإسرائيل على إيران مؤخرا، زادت من تدهور أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية فوجدوا في المدن العراقية خيارا مناسبا لديهم بحثا عن الأمان والعمل والتجارة، ما يشكل عبئا إضافيا على الاقتصاد العراقي الذي يعاني من أزمات مزمنة منذ سنوات.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير