الوثيقة | مشاهدة الموضوع - طهران تنقل الحرب إلى العمق الاستراتيجي لدول الخليج وأوكرانيا على خط الدفاع الأول
تغيير حجم الخط     

طهران تنقل الحرب إلى العمق الاستراتيجي لدول الخليج وأوكرانيا على خط الدفاع الأول

مشاركة » الأحد مارس 15, 2026 4:19 am

5.jpg
 
مع اتساع رقعة المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط منذ بداية الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، تحوَّلت دول الخليج إلى الساحة الأكثر تعرضًا للهجمات الصاروخية والطائرات المسيَّرة الإيرانية، إذ بلغت مستوى غير مسبوق. فخلال أقل من أسبوعين، تجاوز عدد الصواريخ الباليستية والطائرات المسيَّرة التي أُطلقت باتجاه عدة دول خليجية والأردن الـ3500 صاروخ باليستي وطائرة مسيَّرة، وبعض الجهات المتابعة تحدثت عن 6000، في واحدة من أكبر موجات الهجمات الجوية على منطقة الخليج في تاريخ الصراعات الحديثة.
قد تتفاوت التقديرات في عدد الهجمات، ولكن ليس في اتجاهاتها التي تُشير إلى أن الهجمات على دول الخليج شكَّلت ما بين 80 و90 في المئة تقريباً من إجمالي الضربات الإيرانية منذ بداية الحرب، في حين لم تتعدَّ الهجمات المباشرة على إسرائيل الـ13 في المئة. ورغم أن أنظمة الدفاع الجوي في دول الخليج تمكَّنت من اعتراض غالبية المقذوفات، ما حدّ من حجم الخسائر البشرية والمادية، لكن التركيز الكثيف للهجمات على الخليج يكشف أن المنطقة تحوَّلت إلى ساحة رئيسية في الحرب الإقليمية، وليس مجرد مسرح جانبي للصراع.
توزُّع الهجمات الذي استهدف الإمارات بالحصَّة الأكبر، وتليها الكويت وقطر ثم السعودية، وبنسبة قليلة جداً سلطنة عُمان، يعكس – بحسب محللين عسكريين – تحولاً في الاستراتيجية الإيرانية. فبدل التركيز على ضرب إسرائيل مباشرة، يبدو أن طهران تسعى إلى توسيع ساحة الحرب نحو العمق العسكري والاقتصادي في المنطقة، بفعل وجود القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، وما تمثله من مركز عالمي لإنتاج وتصدير النفط.
إيران تعتمد في هذه الحرب، بشكل كبير، على الطائرات المسيَّرة منخفضة التكلفة من طراز «شاهد»، التي يتراوح سعر الواحدة منها بين 30 و35 ألف دولار فقط. وتُطلق هذه المسيَّرات بأعداد كبيرة بهدف إغراق الدفاعات الجوية واستنزافها اقتصاديًا، إذ قد تصل تكلفة صاروخ اعتراض واحد من منظومات الدفاع المتقدمة مثل باتريوت إلى ملايين الدولارات.
اللافت في هذه المواجهة ليس حجم الهجمات فقط، بل طبيعة الاستراتيجية الإيرانية التي بدت وكأنها تُركِّز على العمق الاقتصادي والعسكري للخليج أكثر من تركيزها على إسرائيل. وفي ظل هذا الواقع، بدأت دول المنطقة تبحث عن نماذج دفاع جديدة منخفضة التكلفة، مستلهمة تجربة أوكرانيا في مواجهة موجات الطائرات المسيَّرة الروسية، وهي تجربة قد تُعيد رسم معادلة الدفاع الجوي في الشرق الأوسط.
ففي بداية الحرب الروسية الشاملة على أوكرانيا في 24 شباط/فبراير 2022، لم يكن الجيش الأوكراني يمتلك العدد الكافي من أنظمة الدفاع الجوي لمواجهة موجات الطائرات المسيَّرة الروسية. لذلك لجأ في البداية إلى وسائل بسيطة لإسقاط المسيَّرات، مثل الرشاشات الثقيلة والمتوسطة وحتى فرق الرصد الأرضية.
ومع تطوُّر الحرب، طوَّر الجيش الأوكراني وسائل دفاعه، فبدأ باستخدام أنظمة الحرب الإلكترونية للتشويش على أنظمة تحديد المواقع «GPS» في المسيَّرات، ما أدى إلى فقدانها القدرة على تحديد مسارها أو إصابة أهدافها.
لاحقاً، طوَّرت أوكرانيا نوعاً جديداً من المسيَّرات الاعتراضية المصممة خصيصاً لاصطياد الطائرات المسيَّرة المعادية. وتبلغ تكلفة هذه المسيّرات نحو 3000 دولار فقط، أي أقل بعشر مرات تقريباً من تكلفة مسيَّرات «شاهد». وقد أثبتت هذه الأنظمة نجاحاً كبيراً في الميدان، حيث تمكنت الدفاعات الجوية الأوكرانية من إسقاط ما بين 90 و95 في المئة من المسيَّرات الروسية يوميًا التي تتراوح ما بين 100 و600 مسيَّرة في وقت واحد في بعض الهجمات، ما منح الجيش الأوكراني خبرة واسعة في مواجهة الهجمات المركّبة بالطائرات المسيَّرة.
وهذه الخبرة دفعت عدة دول عربية إلى طلب المساعدة من كييف. وبدأت أوكرانيا بالفعل بإرسال خبراء ومتخصصين في الطائرات المسيَّرة إلى المنطقة للمساعدة في تطوير الدفاعات الجوية. وجرت محادثات بين الرياض وكييف لمواجهة المُسيَّرات الإيرانية. يوم الثلاثاء، في 10 آذار/مارس الجاري، أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أن كييف أرسلت خبراء في الدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المُسيَّرة إلى قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأن مهمة هؤلاء الخبراء هي المساعدة في مواجهة الهجمات الجوية والطائرات المُسيَّرة الإيرانية.
وذكرت صحيفة «كييف إندبندنت»، نقلاً عن مصادر في الصناعات الدفاعية الأوكرانية، أن شركة تصنيع أسلحة سعودية وقَّعت عقداً أوليّاً لشراء صواريخ اعتراض مصنّعة في أوكرانيا مخصصة للتصدي لمسيَّرات «شاهد». وهناك مفاوضات حول صفقة تسليح أكبر قد تشمل تقنيات دفاعية إضافية. كما يجري بحث إمكانية توطين إنتاج المسيَّرات الاعتراضية الأوكرانية في السعودية ضمن مشاريع التصنيع العسكري المرتبطة برؤية السعودية 2030.
وتتضمن الخطط المطروحة أيضًا تبادلاً تقنياً، حيث اقترحت أوكرانيا تزويد دول الخليج بتقنيات اعتراض منخفضة التكلفة مقابل حصولها على صواريخ «PAC-2» و«PAC-3» من مخزونات الدفاع الجوي في المنطقة لتعزيز منظومات باتريوت لديها.
خرج المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي ببيانه الأول مكتوباً من دون الظهور بالصوت والصورة منذ مبايعته خلفاً لوالده الذي اغتيل في اليوم الأول للحملة العسكرية الأمريكية – الإسرائيلية. كانت التوقعات أن خامنئي الابن، بوصفه ولي الدم، قد يُعلن موقفاً حكيماً يُنقذ به النظام، كما إيران، من أتون الحرب المدمرة لبلاده، أو على الأقل يُحيِّد دول الخليج عن الاستهداف الصاروخي الذي يُصيب منشآت وطنية تحت عنوان «استهداف القواعد الأمريكية»، رغم إعلان تلك الدول بوضوح منع استخدام أمريكا لقواعدها منطلقاً لشن الهجمات على إيران. لكن الرجل أكد على الاستمرار في نهج استهداف بعض بلدان المنطقة التي يتشارك معها بحدود برية أو بحرية، والتي تستضيف قواعد أمريكية، داعياً إياها إلى تحديد مواقفها بوضوح من «المعتدين» على وطنه، لا بل مُوجِّهاً النصيحة لهم بإغلاق تلك القواعد، بما يُعزِّز علاقات تلك الحكومات مع شعوبها، ويُعزِّز قوتها ويزيد من ثرواتها، محاولاً أن يُطمئن هؤلاء بأن «نظام الجمهورية الإسلامية، يمتلك الاستعداد الكامل لإقامة علاقات اتحاد وروابط وديّة وصادقة ومتبادلة مع جميع جيرانه، من دون أن يسعى إلى إقامة أي هيمنة أو استعمار في المنطقة».
ليس استهدافُ الخليج مرتبطاً بمواقف هذه الدول السياسية تجاه إيران. بل يرتبط أساساً بحسابات استراتيجية أوسع. هذا الاستهداف لا يُهدِّد الاقتصادات المحلية فحسب، بل يمكنه أن يؤدي إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة العالمية. فدول مجلس التعاون الخليجي تمثّل أحد أهم مراكز الطاقة في العالم. ففي عام 2025 تجاوز إنتاجها من النفط الخام 17 مليون برميل يوميًا، أي نحو 17 في المئة من الإنتاج العالمي، فيما تبلغ احتياطياتها نحو 511.9 مليار برميل، أي أكثر من ثلث الاحتياطي العالمي. أما في قطاع الغاز الطبيعي، فقد بلغت صادرات دول المجلس نحو 180.9 مليار متر مكعب في العام نفسه، أي 13.1 في المئة من الصادرات العالمية، فيما تصل احتياطياتها إلى 44 تريليون متر مكعب تقريباً.
ومن هنا ترفع طهران ورقة مضيق هرمز، الذي يمرُّ عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية. فقد قال مجتبى إنه «ينبغي دون شك، الاستمرار في استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز». تأمل إيران من خلال تهديد استقرار هذه المنطقة، في رفع كلفة الحرب اقتصادياً على الولايات المتحدة وحلفائها والاقتصاد العالمي. ويعتقد بعض المحللين أن إيران تُراهن أيضًا على أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية داخل الولايات المتحدة، ما قد يدفع الرأي العام الأمريكي والكونغرس إلى الضغط على الإدارة الأميركية لإنهاء الحرب، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
تسعى طهران إلى إعادة بناء معادلة الردع التي قد تحمي نظامها الديني. تريد أن تكون هذه الحرب هي الحرب الأخيرة التي أعدَّت العدَّة لها منذ 47 سنة يوم أنشأت الجمهورية الإسلامية بإسقاط نظام الشاه الملكيّ. لن يكون النظام الإيراني، في حال صموده، هو ذاته النظام الحالي مهما كابر قادتُه اليوم. كما لن تكون المنطقة بخليجها العربي بعد هذه الحرب كما قبلها.
العناوين الاكثر قراءة









 

العودة إلى تقارير

cron