تتسارع الأحداث في السودان في وقت تمكن الجيش السوداني من فك الحصار على مدينتي الدلنج وكادوقلي وتحقيق انتصارات واسعة في جنوب كردفان، أشعلت الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية جبهات جديدة للقتال في إقليم النيل الأزرق وسط اتهامات لدولتي إثيوبيا وجنوب السودان بتغذية الصراع عبر فتح الأراضي والمعسكرات وتقديم الدعم اللوجستي لصالح التمرد.
وبعد معارك شرسة ومستمرة لمدة أسبوع استطاعت قوات الجيش في جنوب كردفان استرداد منطقة هبيلا والتقدم نحو مدينة الدلنج وفك الحصار عنها من الناحية الشرقية ومن ثم التحرك جنوباً عبر محورين واقتحام مدينة كادوقلي في أقصى جنوب البلاد عقب تدمير ارتال من الدعم السريع كانت تحتل الطريق المؤدية إليها.
وقال مصدر ميداني لـ«القدس العربي»، إن عمليات فك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادوقلي بدأت بشن هجمات تضليل واستنزاف تسببت في إرباك قوات الدعم السريع والحركة الشعبية قيادة عبدالعزيز الحلو في عدد من المحاور من ضمنها تقدم الجيش تجاه مناطق جنوب مدينة الأبيض وصولاً إلى مناطق الحمادي وتخوم الدبيبات على الطريق الرئيسي المؤدي إلى الدلنج.
وأوضح أن تحرك الجيش على الطريق الرئيسي دفع الطرف الآخر إلى حشد مزيد من قواته وآلياته الحديثة في هذه الجبهة ليقوم الجيش بشن هجوم مباغت من الناحية الشرقية لمدينة الدلنج ويفك الحصار عنها ومن ثم التقدم نحو كادوقلي، مبيناً أن هذه العمليات أسفرت عن وقوع خسائر فادحة في الأرواح والعتاد في صفوف الدعم السريع.
وبحسب المصدر، كان العامل الرئيسي في تفوق الجيش في مسارح القتال في جنوب كردفان إلى جانب استخدام تكتيكات جديدة وهو فعالية المسيرات الحديثة التي يعتمد عليها، لافتاً إلى إزالة أكثر من 15 موقعاً للدعم السريع عبر تنفيذ ضربات دقيقة في طريق الوصول إلى الدلنج فضلاً عن دورها الاستطلاعي الكبير في إفشال الكمائن.
ولما يزيد من عامين، كانت تقع مدينتي الدلنج وكادوقلي في حصار محكمة من قبل الدعم السريع والحركة الشعبية وهو الأمر الذي تسبب في تعطيل حركة المواطنين وتفاقم معاناتهم بسبب نقص الغذاء والدواء إلى جانب الاستهداف المتواصل بالمدفعية والمسيرات للمؤسسات الخدمية والأحياء السكنية والذي بدوره تسبب في مقتل عشرات المدنيين ونزوح آلاف أخرين.
وفي السياق، قال ضابط سابق في الجيش السوداني لـ«القدس العربي» إن فك الحصار عن أهم المدن المحاصرة في جنوب كردفان يعني فتح الطريق أمام المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية بالنسبة للمواطنين بالإضافة إلى توفير خط إمداد عسكري ولوجستي مفتوح بالنسبة للجيش من بورتسودان في شرق البلاد مروراً بالنيل الأبيض ومدينة الأبيض وأبوجبيهة وحتى الدلنج وكادوقلي جنوبًا وهو ما يمهد الطريق لعمليات عسكرية كبير في جنوب وغرب كردفان.
ولفت إلى أن وصول الجيش إلى كادوقلي يمثل تحولاً ميدانياً كبيراً في مسرح العمليات فهو فاصلة زمنية بين نهاية مرحلة الحصار والدخول لمرحلة جديدة في ظل تبدل معادلات القوة لصالح الجيش.
وأشار إلى أن هذه الانتصارات ستكون لها انعكاسات واضحة في الفترة المقبلة على مسار المعارك في عدة مناطق أخرى بما فيها دارفور، مبيناً أنها ستتيح للجيش مهاجمة الدعم السريع في هجليج ولقاوة وبابنوسة والمجلد في غرب كردفان، كما تسمح بحصار مناطق الحركة الشعبية في كاودا وأم دورين وعزلها عن بعضها في جنوب كردفان.
كما نوه إلى احتمالية أن يتقدم الجيش شمالًا وفي الشمال الغربي من الدلنج نحو مناطق طبية وأبو زبد والسنجكاية والدبيبات وفتح الطريق الرئيسي الواصل إلى مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان.
ورحج الضابط، انفتاح الجيش والقوات المساندة له من كادوقلي نحو مناطق الجبال الجنوبية الشرقية ومنطقة تلودي على وجه التحديد وهو ما سيؤدي إلى فرض حصار مطبق على قوات الحركة الشعبية في كاودا، مشيراً إلى أنه لم يتبق إلا طريق واحد تستخدم قوات الحلو ويقود إلى منطقة الخرسانة في غرب كردفان وهو ما سيعمل الجيش على إغلاقه في المرحلة المقبلة.
المتحدث باسم قوات العمل الخاص التابعة للجيش في ولاية غرب كردفان، محمد ديدان، قال في تصريح على صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك»، إن ربط المدن والمواقع العسكرية في جنوب كردفان ليس لفك الحصار عن مدينة كادوقلي فقط، لأن كادوقلي محطة في خطة شاملة لاكتساح بري شامل.
وبين أن الجيش أعاد ترميم متحركاته واستطاع توفير كل معدات حسم المعركة وعمليات ربط مدينة الدلنج بمدينة الأبيض في شمال كردفان، وقد كانت معارك الدلنج وكادوقلي الاختبار العملي الأول لجودة هذه التشكيلات العسكرية والتعديلات التي أجريت عليها.
أما في شمال كردفان فقد تمددت رقعة المواجهات الأيام الماضية حيث شهد محيط مدينة بارا ومحاور طريق الصادرات معارك ضارية بعدما حاول الجيش يوم الثلاثاء مهاجمة دفاعات الدعم السريع في بارا والتي شهدت سابقاً تبادل السيطرة بين الجيش والدعم السريع.
ويرى عسكريون أن العمليات التي يقوم بها الجيش في تلك الأنحاء تستهدف استنزاف قوات الدعم السريع المتحصنة في القرى والبلدات حول المدينة وتمنعه من التقدم وفتح طريق الصادرات الرابط بين أمدرمان والأبيض وكذلك تعرقل تحركات الجيش نحو تحقيق أهداف عسكرية مهمة في غرب كردفان ودارفور.
وتشير خريطة السيطرة في شمال كردفان إلى تمدد الدعم السريع في مناطق أم سيالة وأم قرفة وجبرة الشيخ وبارا وسودري والمزورب في الشمال الغربي للولاية، بينما يحتفظ الجيش بعاصمة الولاية الأبيض وأم روابة ثاني أكبر المدن إلى جانب السيطرة على بلدات كازقيل والرهد وأم دم حاج أحمد.
وبدا أن الجيش يرتب لعملية عسكرية واسعة لانفتاح نحو غرب كردفان والسيطرة على مدينتي الخوي والنهود بهدف حسم المعركة في غالبية كردفان قبل الانتقال إلى دارفور، فقد قام خلال الفترة الماضية بنقل غرفة السيطرة والعمليات الرئيسية إلى مدينة الأبيض وحشدت أعدادا ضخمة من الجنود والآليات العسكرية.
بالمقابل يحشد الدعم السريع المزيد من قواته في غرب مدينة الأبيض والأجزاء الشمالية من ولاية شمال كردفان بهدف إعاقة أي تقدم للجيش نحو غرب كردفان أو فتح طريق الصادرات ويقوم الدعم السريع باستهداف مدينة الأبيض والبلدات من حولها بالمدفعية والمسيرات.
وتظهر خريطة السيطرة واستراتيجية توزيع القوات أن لدى الطرفين، أن أكثر جبهات القتال النشطة في المرحلة القادمة ستكون في طريق الصادرات وغرب الأبيض إلا إذا قام الجيش بشكل مباغت بشن هجوم على منطقة أبوزبد انطلاقاً من الدلنج وهو الأمر الذي يتيح للجيش الالتفاف حول الدعم السريع وأجبرها على سحب قواتها في طوال مناطق طريق الصادرات ومدن الخوي والنهود قبل الوقوع في كماشة محكمة.و
يبدو أن النجاحات التي حققها الجيش على جبهات كردفان دفعت الدعم السريع وحليفها الحركة الشعبية قيادة عبدالعزيز الحلو إلى تخفيف الضغط على قواتها في تلك المحاور عبر تنشيط جبهات جديدة في إقليم النيل الأزرق بعد تم حشد جنود وآليات عسكرية ومسيرات عبر الحدود الدولية مع إثيوبيا وجنوب السودان.
مطلع الأسبوع الماضي، أعلنت قوات الفرقة الرابعة مشاة التابعة للجيش السوداني سحق قوة من الدعم السريع والحركة الشعبية في منطقة السلك بمحلية باو ـ 150 كلم ـ جنوب غرب مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق. وقالت في بيان له، إن قواته كبدت العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد مؤكداً أن قوات الجيش ستظل سداً منيعاً في وجه كل محاولات العبث بأمن واستقرار المنطقة.
وسبق أن شهدت منطقة السلك اشتباكات مشابهة يوم 22 كانون الثاني/يناير الماضي حيث اقتحمت قوات من الدعم السريع والحركة الشعبية بقيادة جوزيف توكا المنطقة بعد تحشيد لأعداد كبيرة من المقاتلين في بلدة يابوس أقصى جنوب الإقليم لكن استطاع الجيش وقتها صد الهجوم.
ويوم الثلاثاء الماضي، أفاد مصدر عسكري لـ«القدس العربي» بأن طيران الجيش قصف مواقع للدعم والشعبية في بلدات يابوس وملكن وخور البودي الواقعة على الحدود مع دولة إثيوبيا ما أدى إلى وقوع خسائر كبيرة.
وتمتلك الحركة الشعبية تواجدا عسكريا قديما في مناطق أولو والفوج أقصى جنوب غرب الإقليم بالإضافة إلى منطقة يابوس على المنطقة الحدودية مع إثيوبيا وجنوب السودان، وانطلقت مؤخراً لتهديد مواقع الجيش في أنحاء جنوب مدينة الكرمك وبعض البلدات في محلية باو.
ويعد النيل الأزرق من أغنى أقاليم السودان بالموارد ويحوز موقعاً استراتيجياً حيث يجاور كل من إثيوبيا وجنوب السودان ويضم خزان الروصيرص الذي يعد أحد المصادر المهمة للطاقة الكهربائية، ويخضع هذا الإقليم لوضع إداري خاص مرتبطة باتفاقية جوبا للسلام الموقع بين الحكومة والحركة الشعبية قيادة مالك عقار.
وتأتي هذه التطورات في ظل اتهامات من الحكومة السودانية لجهات نافذة في جنوب السودان بتقديم الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، فيما كشفت وكالة «رويترز» للأنباء عن احتضان إثيوبيا لقاعدتين عسكريتين في منطقتي أصوصا وبني شنقول الذي يضم سد النهضة. وحسب «رويتزر» تضم تلك القواعد آلاف الجنود والمرتزقة من الدعم السريع والشعبية بجانب آليات ومنصات إطلاق مسيرات حديثة بتمويل من دولة الإمارات.
ومن جهته، أكد نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي مالك عقار، وصول إمدادات للدعم السريع من ميناء مومباسا في كينيا عبر دولة جنوب السودان.
وأشار في تصريحات لـ«الجزيرة»، إلى رصد وصول إمدادات بحوالي 350 شاحنة وقود إلى قوات حميدتي عن طريق بحر الغزال إضافة إلى إمدادات أخرى.
وأتهم عقار، نائب رئيس حكومة جنوب السودان تعبان دينق وعدداً من قادة أجهزة الأمن السابقين بالتواطؤ لإيصال الدعم العسكري واللوجستي لدعم السريع، مبيناً أن الزيارة الأخيرة التي قام بها إلى جوبا ناقشت مع الرئيس سلفاكير عددا من القضايا من ضمنها الملف الأمني المتعلق بإمدادات الدعم السريع.
ونوه نائب مجلس السيادة السوداني إلى وجود اعتراف رسمي من قبل دولة الجنوب بوجود إمدادات تصل إلى مناطق التمرد في السودان لكنه أكد في الوقت نفسه أن سياسة حكومة جوبا ضد ما يحدث إلا أن هناك أفرادا هم مؤثرون فيها.
وفي سياق متصل، أكد ضابط رفيع الجيش السوداني لـ«القدس العربي»، أن ما يتم تناقله في وسائل الإعلام عن فتح معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية لصالح الدعم السريع والحركة الشعبية بدعم إماراتي هو صحيح ومعروف لدى الجهات الأمنية في الخرطوم منذ فترة.
وأوضح أن قوات الجيش والأجهزة الأمنية قادرة على التعامل مع هذه التهديدات في المنطقة الحدودية محذراً بأن إشعال تلك المناطق لن يكون في صالح أديس أبابا بأي حال من الأحوال.
وتفيد المتابعات إلى وجود تحركات إقليمية واسعة من أجل خفض التوتر على الحدود الدولية بين السودان وإثيوبيا عبر منع أي هجمات على السودان من داخل الأراضي الإثيوبية أو تدفق السلاح والعتاد الحربي. وفي هذا الإطار يرى مراقبون أن الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السعودية قبل أيام إلى أديس أبابا وزيارة الرئيس المصري إلى أبو ظبي تهدف إلى نزع فتيل الأزمة.
ويشيرون إلى أن اندلاع أي مواجهة عسكرية على الحدود الدولية بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان قد يؤدي إلى انفجار الأوضاع والدخول في أتون صراع إقليمي سيما أن هذه المنطقة بأكملها تشهد توترات بين كل من إثيوبيا وأرتريا من جانب ومصر وإثيوبيا من جانب آخر.