لقد اعتاد بعض الاقتصاديين على التحدث عن “التفضيل الواضح” عندما تتضح نوايا شخص أو منظمة من خلال اختياراتهم الفعلية. وقد كان التفضيل الواضح لحكومات إسرائيل في قطاع غزة على مدى 15 سنة حتى مذبحة 7 أكتوبر، هو إدارة الصراع مع حماس وليس هزيمتها. فقد فضلت جولات قتال قصيرة على حملات طويلة ومكلفة كان يمكن أن تطيح بهذه المنظمة الإرهابية وابعادها عن الحكم في غزة. بل إن نتنياهو اعترف بذلك أحيانا.
الآن فيما يتعلق بالمسألة الإيرانية، يعبر الرئيس الأمريكي عن تفضيله، ويظهر ذلك في أفعاله (في الواقع في غيابها) وفي تصريحاته. كرر ترامب موقفه في هذا الأسبوع في حوار مع براك ربيد من “أخبار 12″، ثم في بيان أصدره بعد لقائه مع نتنياهو في البيت الأبيض. في حالة الرئيس الأمريكي يجب دائماً أخذ التضليل المتعمد في الحسبان. مع ذلك، التصريحات تتكرر. يقول ترامب بأنه يفضل مسار التفاوض على مسار الحرب. وهو يفضل صياغة اتفاق يوقف المشروع النووي الإيراني بدلاً من التورط في حملة عسكرية طويلة.
لكن نية ترامب هذه لا تحل المشكلة بالضرورة. فرغم احتمالية عقد جولة أخرى من المحادثات بين أمريكا وإيران في القريب، لكن الخلافات بين الطرفين عميقة. فالنظام الإيراني يرفض التخلي عن حقه في تخصيب اليورانيوم، ويتصرف وكأنه لا يعرف الأخطار التي تهدده. في اللقاء مع نتنياهو، تخلى الأمريكيون عن المجاملة، بل وعن الجزء المفضل لدى الرئيس، المؤتمر الصحافي المشترك، رغم تأكيد ترامب في إعلانه على وده لرئيس الحكومة. من المرجح أن يتكرر هذا الأمر قبل الانتخابات في إسرائيل، إلى درجة تدخل الرئيس الأمريكي العلني في العملية الديمقراطية إذا وفر له نتنياهو ما يأمل به.
السؤال الذي يصعب إيجاد جواب موثوق عليه هو: ما الذي تم الاتفاق عليه بين الطرفين إذا انهارت المحادثات؟ لقد استمر اللقاء تقريباً ساعتين ونصف ساعة. فهل التزم ترامب بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران إذا فشلت المفاوضات؟ ضربة مشتركة؟ ضوء أخضر لتحرك إسرائيلي؟ من المؤكد أنه ستعقد جولة أخرى من المحادثات على الأقل. وقد أشار ترامب في تصريحات كثيرة إلى ضرورة التعامل مع برنامج الصواريخ الإيرانية الذي يثير قلقاً كبيراً لإسرائيل.
في غضون ذلك، تعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشرق الأوسط. ومن الأفضل عدم الانفعال المفرط من حديث ترامب الحماسي عن “الأسطول الجميل” والتصريحات الحماسية المشابهة في وسائل الإعلام الإسرائيلية. إذا كانت الولايات المتحدة تخطط بالفعل لتحرك عسكري يهدف إلى إسقاط النظام في طهران، فعليها تركيز ونشر المزيد من القوات في المنطقة، مع احترام حق الفيتو الذي يفرضه الرئيس على وجود جنود أمريكيين في أراضي إيران.
لقد وصف نائب الرئيس جي دي فانس، الشخص المثير للجدل في الإدارة الأمريكية، الوضع بوضوح. قال الثلاثاء بأن الولايات المتحدة لا تهتم إلا باتفاق نووي جديد. ولكن إذا أراد الشعب الإيراني إسقاط النظام فهذا شأنه. يبدو أن هذا التصريح ظاهرياً بمثابة تخلّ عن المتظاهرين في إيران، بعد بضعة أسابيع على وعد الرئيس ترامب بـ “المساعدة قادمة”. في الحقيقة لم يتم إجراء أي نقاش في الإدارة الأمريكي في الفترة الأخيرة حول الشرارة التي أشعلت فتيل الأزمة في نهاية كانون الأول، وهي موجة الاحتجاجات التي تم قمعها بوحشية في منتصف كانون الثاني وجبت حياة آلاف المواطنين في إيران.
على خلفية تصريحات فانس، يمهد الاتفاق النووي الطريق لرفع العقوبات عن إيران. وهذه الخطوة قد تخفف الضغط عن اقتصاد إيران والنظام. نتنياهو لم يخف موقفه منذ فترة طويلة، وهو أن أي اتفاق مع إيران هو اتفاق سيئ. وما يجب على أمريكا فعله هو اتخاذ إجراء عسكري، على أمل أن يؤجج ذلك موجة احتجاجات جديدة في كل أرجاء إيران. إن اتخاذ مثل هذا الموقف ينطوي على مخاطرة أيضاً؛ لأنه سينظر إلى إسرائيل بأنها تحرض الأمريكيين على التورط في حرب جديدة في الشرق الأوسط. مع ذلك، قاعدة ترامب الشعبية تشك بإسرائيل، لا سيما ما تعتبره كتحريض على الحرب من قبلها.
قادة كبار في الجيش الإسرائيلي، سئلوا عن ذلك في هذا الأسبوع، ما زالوا يجدون صعوبة في تقدير كيف ستنتهي هذه القصة. نظراؤهم في قيادة المنطقة الوسطى الأمريكية (سنتكوم) الذين يتحدثون معهم، يؤكدون أن القرار النهائي هو بيد الرئيس، بيده فقط. ترامب يعرف القيود التي يواجهها. وباستثناء إسرائيل، فإن كل حلفاء بلاده في المنطقة، وعلى رأسهم تركيا والسعودية، يتحفظون بشدة من هجوم أمريكي ويفضلون مسار التفاوض.
في غضون ذلك، يتفاقم وضع الرئيس على الصعيد الداخلي. فقد هبطت شعبيته إلى أدنى مستوى على الإطلاق، وتلوح في الأفق انتخابات نصف الولاية في تشرين الثاني، وأصبح اضطهاد المهاجرين بمثابة سهم سياسي مرتد، وقضية جيفري ابستين تثير جدلاً واسعاً، ما يحرج ترامب وحاشيته. الخلاصة أن الرأي العام في أمريكا لديه قضايا ملحة أكثر من الحرب التي تهدف إلى تغيير النظام في إيران، في حين أن هجوماً لمرة واحدة، على شاكلة تفجير المنشآة النووية في فوردو في حزيران الماضي، لن يحدث على الأرجح تغييراً جذرياً في الوضع.
تحذير من أنقرة
وزير الخارجية التركي (والمسؤول الكبير السابق في المخابرات التركية)، هاكان فيدان، قال لصحيفة “فايننشال تايمز” أمس بأنه يبدو أن الولايات المتحدة وإيران مستعدتان لتسوية تضمن التوصل إلى اتفاق نووي. ولكنه حذر من أن توسيع نطاق المحادثات، بحيث يشمل قيوداً على الصواريخ البالستية، سيؤدي إلى زيادة خطر اندلاع حرب جديدة. وأضاف فيدان، الذي شارك في الوساطة بين الطرفين، بأن إيران مستعدة للموافقة على قيود على مستوى تخصيب اليورانيوم وفرض نظام رقابة صارم على مشروعها النووي. وقال بأن التهديد الصاروخي هو “تهديد إقليمي وليس تهديداً دولياً”، وإن إسرائيل تحذر منه بالأساس لأنها تريد الحفاظ على تفوقها العسكري في الشرق الأوسط. وحسب فيدان، فإن قصفاً جوياً أمريكياً سيضر بالنظام في طهران، ولكنه لن يؤدي إلى إسقاطه.
في غضون ذلك، لا يخشى نتنياهو فقط من سياسة الاسترضاء الأمريكية تجاه النظام في إيران، بل يأمل أيضاً في وقف تحركات الإدارة الأمريكية في قطاع غزة. في الواقع، سربت الإدارة في هذا الأسبوع لصحيفة “نيويورك تايمز” بأن الولايات المتحدة تنوي السماح لحماس بالاحتفاظ بسلاحها الخفيف، على الأقل في المرحلة الأولى في تنفيذ خطتها في قطاع غزة.
ويشير قادة القوات الإسرائيلية في قطاع غزة إلى اتجاه واضح نحو تعزيز نفوذ حماس: إذ تزداد سيطرتها المدنية على السكان، ويجري إعادة بناء تشكيلتها العسكرية، وبالتالي، يزداد الخوف الذي تبثه في نفوس خصومها. وسيتطلب الأمر تحركاً واسع النطاق بقيادة الولايات المتحدة وبدعم مصر وقطر وتركيا من أجل إبعاد حماس من السلطة وإضعاف قوتها العسكرية. ومل لم توجد قوة بديلة في قطاع غزة، فإن قدرة لحماس حماس المحدودة وإعادة تأهيل وحداتها جزئياً، تكفي للحفاظ على سيطرتها على نصف القطاع الذي يخضع لها.
عاموس هرئيل
هآرتس 13/2/2026