الانفجار الذي حدث بميناء بندر عباس والتقارير التي تتحدث عن انفجارات أخرى في عدد من المواقع في إيران، أثارت موجة كبيرة من التقديرات التي ما زالت تغلفها الشكوك. هل هي عمليات نفذتها تنظيمات سرية في إيران؟ هل انتقل الاحتجاج لمرحلة جديدة ويترجم لعمليات تخريبية؟ عرفت إيران سلسلة هجمات إرهابية نفذتها حركات انفصالية مثل “مجاهدي خلق” ومنظمات بلوشية وكردية. في المرة الأخيرة في نيسان 2024 كان هذا الفرع الأفغاني لـ “داعش”، الذي فجر عبوتين قرب قبر قاسم سليماني وقتل فيه 95 شخصاً.
في آب الماضي، أحصى موقع المعارضة “إيران إنترناشيونال” 50 انفجاراً وإحراقاً في غضون شهرين، منذ 24 حزيران، اليوم الذي انتهت فيه الحرب ضد إسرائيل. هذه الأحداث كانت في عدد كبير من المدن والمواقع وفي مجمعات تجارية وبيوت خاصة ومبان عامة، وفي مواقع عسكرية أيضاً. في 14 تموز 2025 شهدت طهران أربعة انفجارات في يوم واحد، وفي 4 تموز تم إحراق مركز تسوق يضم حوالي 200 محل في جزيرة قشم، وفي 9 تموز تم إحراق مركز تسوق هرمز غان في مدينة بندر عباس. النظام الإيراني نسب معظم هذه الأحداث إلى خلل فني، مثل انفجار أسطوانات غاز أو إهمال الصيانة. في حينه، أجمل المقال هذه الأحداث بتقدير يقول “رغم أن جهات رسمية نسبت هذه الأحداث لتسرب الغاز وخلل، لكن العدد الكبير وتوقيتها بعد حرب الـ 12 يوماً أثارت التساؤلات في أوساط الجمهور”.
يمكن التعامل بتشكك مع هذه التلميحات كما لو كان الأمر “إشارة أولى” لبدء هجوم أمريكي، لا سيما أن الإدارة الأمريكية وترامب نفسه لم يتنازلوا بعد عن القناة الدبلوماسية التي تكثفت في الفترة الأخير
وفي هذه المرة، يمكن التعامل بتشكك مع هذه التلميحات كما لو كان الأمر “إشارة أولى” لبدء هجوم أمريكي، لا سيما أن الإدارة الأمريكية وترامب نفسه لم يتنازلوا بعد عن القناة الدبلوماسية التي تكثفت في الفترة الأخيرة. إن المشهد الملموس الوحيد الذي قد يشير إلى نوايا أمريكا هو حشد القوات العسكرية، البحرية والجوية، التي تحكم قبضتها على إيران. في الوقت نفسه، يلمح ترامب إلى استئناف المفاوضات وإلى موعد نهائي “لا تعرفه إلا إيران”.
رغم ازدياد القوة الأمريكية، ما زالت أهدافها غير واضحة في حالة تفعيلها: المنشآت النووية، أم منظومة الصواريخ البالستية أم إسقاط النظام؟ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أظهر حذراً حول مسألة إسقاط النظام الإيراني عندما قال في شهادته في الكونغرس الأربعاء الماضي: “هذا نظام متيقظ منذ زمن، لذلك يحتاج الأمر إلى كثير من التفكير والحذر إذا وصل الأمر إلى ذلك”.
بشأن خيارات وأهداف أخرى للهجوم، يمكن طرح تخمينات الآن. ويبدو أن حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط لا يعرفون حقيقة خططها. في عطلة نهاية الأسبوع، نقل براك ربيد عن موقع أكسيوس الإلكتروني تصريحاً لوزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان، شقيق ولي العهد محمد بن سلمان، أثناء اجتماع مع ممثلين عن معاهد ومنظمات أبحاث يهودية، أقوال خالد بن سلمان؛ بأنه إذا لم ينفذ ترامب تهديداته ضد إيران فسيزداد النظام الإيراني قوة. واضاف أن على الولايات المتحدة أن تنفذ هجوماً يقلل من خطر التصعيد الإقليمي.
يبدو أن هذه التصريحات تناقض موقف ولي العهد السعودي العلني، الذي يعارض أي هجوم على إيران ويدعم القناة الدبلوماسية. ففي مكالمة هاتفية مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أكد بن سلمان للرئيس بأن السعودية لن تسمح بأي عمل عسكري من أراضيها. ومن السابق لأوانه استنتاج أن السعودية قد غيرت موقفها المبدئي بشأن الحرب، لأنه يصعب معرفة المبرر الذي يسمح بشن هجوم على إيران بدون التسبب بتصعيد إقليمي، وذلك من خلال تصريحات الوزير السعودي.
في الوقت نفسه، يستخدم تحالف عربي يضم السعودية وقطر وسلطنة عمان ومصر، ضغطاً كبيراً على الرئيس ترامب وعلى القيادة في إيران للموافقة على استئناف المفاوضات. ومن يقود هذه العملية الآن هي تركيا، التي يجري رئيسها أردوغان محادثات متكررة مع ترامب والرئيس الإيراني. وقد صرح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الذي التقى مع نظيره الإيراني عباس عراقجي (الذي التقى أيضاً مع اردوغان) في إسطنبول الجمعة، بأن تركيا تعارض أي عمل عسكري ضد إيران. وحتى إن أردوغان اقترح عقد مؤتمر في فيديو ثلاثي الأطراف بين بزشكيان وترامب واردوغان، لكن من المستبعد عقد مثل هذا المؤتمر.
حسب مصادر تركية، اقترح اردوغان على ترامب تقسيم الحوار مع إيران إلى “فصول” تتم مناقشتها بشكل منفصل، وليس كحزمة واحدة، بهدف التوصل إلى اتفاقات تدريجية تؤدي إلى اتفاق شامل. وقد صرح وزير الخارجية التركي فيدان، بتصريح مشابه هذا الأسبوع، واوضح أن طريقة التوصل إلى حل تكمن في العمل “خطوة خطوة”. وترجح تركيا إمكانية التوصل إلى اتفاق بين أمريكا وإيران حول الملف النووي. ولكن إيران ستواجه صعوبة الآن في تقديم تنازلات بشأن قضية الصواريخ البالستية، التي تعتبرها عنصراً أساسياً في منظومة دفاعها. وقد صرح عراقجي وقال: “لن تخضع قدرة إيران الدفاعية والصاروخية للتفاوض أبدا”.
أما الملف النووي فقد صرح بشأنه مصدر رفيع في تركيا لـ “هآرتس” بأن تركيا قد تقترح نقل اليورانيوم المخصب الموجود في إيران، بما في ذلك حوالي 440 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة، إلى تركيا، والتزامها بعدم إعادته إلى إيران على الإطلاق. وقد تم التوقيع على اتفاق بين تركيا والبرازيل وإيران في 2010 لنقل 1200 كغم من اليورانيوم المخصب بمستوى 3.67 في المئة مقابل قضبان وقود نووي كان من المفروض استخدامها في الأبحاث، لكنه اتفاق ألغي بسبب معارضة أعضاء كبار في الوكالة الدولية للطاقة النووية.
في نهاية 2015 في إطار الاتفاق النووي، تسلمت روسيا حوالي 11 ألف كغم من اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب، وعرضت مؤخراً خدماتها لتخزين اليورانيوم المتبقي في إيران في حالة التوصل إلى اتفاق حول ذلك. وقال مصدر تركي: “نظراً للعلاقات الوثيقة بينه وبين أردوغان، ربما يرى ترامب في تركيا جهة أكثر موثوقية من روسيا”.
يتمتع اردوغان في الحقيقة بخط اتصال مباشر مع ترامب، الذي يعتبره “صانع الحلول”. وقد حصل أردوغان على ثناء كبير من ترامب بسبب طريقة إدارته للأزمات، مثل تغيير موقف حماس بشأن مسألة المخطوفين، وتخطيط وإدارة إسقاط نظام الأسد من خلال أحمد الشرع ومنظمته، واتفاق القمح الذي تم التوصل إليه بين روسيا وأوكرانيا بوساطة تركية، ومؤخراً الاتفاق الذي وقع بين الأكراد والشرع تحت الضغط الأمريكي الكثيف.
من جهة أخرى، ما زال مستوى نفوذ أردوغان على قيادة إيران غير معروف. فبعد سقوط نظام الأسد، تعرضت تركيا لانتقادات شديدة من قبل كبار القادة الإيرانيين، بل وتم اتهامها بالخيانة بسبب دورها في إسقاط نظام الأسد. في المقابل، وأثناء احتجاجات إيران الأخيرة، تبنت تركيا موقف إيران القائل بأن جهات أجنبية، بما في ذلك إسرائيل، تدخلت وشجعت على الاحتجاجات. وقد صرح فيدان في مقابلة صحافية بأنه “من المؤكد أن احتجاجات تلاعب بها أعداء إيران الخارجيون. هذه هي الحقيقة، والموساد لا يخفي ذلك. هم يطلبون من الشعب الإيراني إسقاط النظام”.
إن لجوء إيران لتركيا كوسيطة محتملة وإجراء حوار سري مع الولايات المتحدة بواسطتها قد يشير إلى أن طهران تعرف أيضاً بأن تركيا قد تكون البديل الأكثر نجاعة من السعودية (خاصة إذا لم يتم نفي تصريحات وزير الدفاع السعودي). قد يعطي ترامب المبادرة الدبلوماسية التركية المزيد من الوقت. فبعد خفوت الاحتجاجات وفي ظل غياب أي تطور مستعجل يستدعي تدخل عسكرياً فورياً، سيصبح الضغط الحدث بحد ذاته. مع ذلك، لن تتمكن دولة الوساطة، مهما كانت أهمية هويتها، من إحراز تقدم في العملية الدبلوماسية بدون مقابل حقيقي من قبل إيران، وهذا الأمر لم ينضج بعد ولو علناً على الأقل.
هآرتس 1/2/2026